المقالات

المعلوماتية تعريف فعلي لجيش ما بعد الحداثة واستراتيجيته

«مدفع خط سكّة الحديد» («رايل غان» Rail Gun). إنه مدفع غير تقليدي للقصف الاستراتيجي، وهو الأحدث في الترسانة المعتمدة على التقنيّات المتطوّرة في الجيش الأميركي.

المعلوماتية تعريف فعلي لجيش ما بعد الحداثة واستراتيجيته
اضغط للتكبير
إعلان

 

فيالق أميركية مؤتمتة

لعل الملمح الأبرز في «رايل غان» هو أن قذيفته لا تندفع بقوة احتراق البارود، كقذائف المدافع، ولا حتى وقود سائل أو جاف كالصواريخ. يدفع مدفع «رايل غان» قذائفه عبر سكتي حديد متوازيتين، تحيطهما حقول كهرومغناطيسية ضخمة، تأتي من كهرباء بقوة 5 ملايين أمبير! وتتولى حواسيب متطوّرة تنسيق عمليات دفع القذائف وتوجيه القصف الاستراتيجي المدى.

إعلان

ومن الآثار غير التقليدية لثورة المعلوماتية والاتصالات، أنها حرّكت نقاشاً غير مألوف في الجيش الأميركي، يتناول مفهوم الاستراتيجية العسكرية. وبعيداً من النقاش العسكري، ثمة أصوات ترتفع في أميركا لتقول إن الأفكار الأساسية عن الاستراتيجية يجب أن تتغيّر، بسبب التقدّم المتسارع للتطوّر المعلوماتي في الجيش الأميركي. وخصّصت مجلة «تايم» محوراً واسعاً لهذا الأمر في ختام السنة المنصرمة. ومن زاوية التقدّم في المعلوماتية والاتصالات، يبدو الجيش الأميركي في سياق عملية التحوّل جيشاً مؤتمتاً. هناك مساحات واسعة يتحرّك الكومبيوتر فيها ضمن هذا الجيش، من بينها طائرات «درون» و «يوكلاس»، وروبوتات نقل الجرحى وتفكيك الألغام، طائرات بنظام الطيران المتعدّد للتصوير (وهي تستطيع الطيران حتى في دواخل الأبنية والغرف)، الأقمار الاصطناعية العسكرية، نُظُم التجسّس المعلوماتي (كـ «بريزم» و «إكس كي سكور»)، هياكل روبوتية مؤتمتة لدعم الأداء الجسدي، إضافة الى نظم الكومبيوتر في العمليات اللوجستية (من ضمنها الطيّار الآلي، ونُظُم توجيه الصواريخ الاستراتيجية)، والنُظُم الذكيّة في تفكيك الشيفرات وتوجيه ضربات إلكترونيّة وغيرها.

في هذا السياق، هناك مشاريع «تجريبية» (ربما هي متحقّقة) عن مدفع يضرب بأشعة الليزر الصلب، ومدفع «غرائبي» يتجاوز مداه 3 آلاف كيلومتر ويستطيع صبّ موجات كهرومغناطيسية تشلّ الأجهزة الرقمية والإلكترونية والكهربائية وغيرها. (بالمناسبة، تستطيع إسرائيل توجيه ضربة كهرومغناطيسية مباشرة إلى مفاعلات طهران، إذا صحّت الأنباء غير المؤكّدة عن امتلاكها مدفعاً من هذا النوع).

إذا أردت تعريفاً عمليّاً لجيش ما بعد الحداثة، فليس عليك سوى التأمّل في كومبيوترك لأن ثورة المعلوماتية والاتصالات هي القلب الفعلي لهذا الجيش.

 

نُظُم قتال للمستقبل

في مستهل القرن 21، أطلق الجنرال إيريك شينسيكي قائد أركان الجيش الأميركي، برنامج «نُظُم القتال المستقبلية». وفي البداية، سعى البرنامج إلى نقل القوات التقليدية للجيش الأميركي، وهي معتمدة على الفيالق وتركيباتها، إلى الاعتماد على تنظيم أكثر خفة ونموذجية، يسمّى «القوات الموضوعية». وقضت الخُطّط الأولية بأن تصبح أولى القوات المُجهّزة بطريقة مؤتمتة، جاهزة للعمل ميدانياً في 2011، على أن تنتهي إعادة تشكيل الجيش الأميركي على أساس «القوات الموضوعية» بحلول عام 2023. وبهدف سدّ الهوّة بين القوات التقليدية والقوات الموضوعية، إضافة إلى تلبية مستلزمات القتال الحربي على المدى القريب، دعا البرنامج إلى إنشاء قوة إنتقالية مؤلّفة من الجيش الموضوع في الميدان، ووحدات من «الحرس الوطني» في الجيش. وتكون كل وحدة من هذه الأخيرة بحجم لواء عسكري. ولذا، تُعرف باسم «فرق قتال بألوية إنتقالية» و «فرق القتال بألوية الصدم». وشاركت وحدات أولى من هذا التشكيل، في عمليات قتالية في العراق. وشاركت آخر وحدة من هذا التشكيل الموقت، في معارك ميدانية في العام 2010.

وبعد بضع سنوات، غيّر الجنرال بيتر شومايكر (بعد أن خلف الجنرال شينسيكي) بعض الأجزاء في برنامج «نُظُم القتال المستقبلية». واستهل التغيير بعملية إعادة تعريف «القوات الموضوعية» لتصبح «قوات المستقبل» Future Forces .

ودعا الجنرال شومايكر إلى إجراء تطوّر لولبي، يسير من الأسفل الى الأعلى وبالعكس، ما يعطي القدرة على إدماج ما يصار إلى إنجازه من «نُظُم القتال المستقبلية» فور ظهوره، كي يصبح جزءاً من نسيج القوات العسكرية العاملة فعلياً. إضافة إلى هذا، علّق الجنرال شومايكر أهمية كبيرة على نظام من شبكات رقميّة متطوّرة لربط قوات الجيش والقوات «المشتركة» ببعضها بعضاً. وبقول مختصر، تبنى الجنرال شوماكر مقولة أميركية رائجة تقول بأن المستقبل يصنع الآن!

وقبل بضع سنوات، أطلق الجيش الأميركي عملية إعادة هيكلة في برنامج «نُظُم القتال المستقبلية». وتمثّل الهدف الرئيسي لها في إدغام التقنيات الحديثة في القوات العاملة فعلياً. ووُضِع جدول زمني لتنفيذ المراحل الأربع لتلك الخطة، تنتهي في العام 2014.

ومن المُخطط له أن يظهر اللواء الثاني المُجهز نموذجياً، المعروف أيضاً باسم «وحدة العمل»، ميدانياً في العام 2015. وبعد تلك السنة، يُضاف لواءان مماثلان سنوياً، وبتجهيز نموذجي، إلى أن يصل العدد الكلي للألوية المُجهّزة بـ «نُظُم القتال المستقبلية» الى 15 لواء.

في سياق متّصل، أدّت هذه التغيّرات إلى ارتفاع الكلفة الإجمالية لخطط الأتمتة المباشرة في الجيش الأميركي، لتصل إلى 25 بليون دولار قبل سنتين، مع توقّع أن تصل كلفتها عند نهاية العام المقبل إلى 92 بليون دولار. كذلك وسّعت الخطة نطاق عمل برنامج «نظام التطوير والتطبيق»، عبر إضافة أربع قدرات متطوّرة من برنامج «نُظُم القتال المستقبلية»، إلى نسيج القوات الأميركية فعلياً. يضاف إلى ذلك أنها تقدم تمويلاً لأقسام برنامج «نُظُم القتال المستقبلية» ومُكوّناته الـ18 الآخرى، مع العلم بأنه جرى تأجيل أربعة منها في وقت سابق.


طباعة المقال
إعلان