المقالات

صورة «السيلفي»... غياب عن العالم وتقوقع

الوحدة هي صنو عصا. فالمرء يقطع آلاف الكيلومترات للقاء الآخر أو ثقافته او مشاهده، ولكن حين تسنح لحظة اللقاء يخرج العصا ليلتقط صورة نفسه.

إعلان

والسيلفي هي مرض العالم. فأعضاء في «داعش» لم يقاوموا مد هذا النازع العالمي، والتقطوا صور «سيلفي»، فكشفوا عن مكانهم، ورصدوا وقتلوا. واستخدام «السيلفي» هو مدار نقاش ديني في الدول العربية. وأعلن علماء دين ان التقاط الحجاج صور «سيلفي» في مكة محرم ومحظور. ودارت الشبهات على ان التقاط «السيلفي» في مثل هذا المكان هو فعل وثني. وثمة صورة آسرة منشورة على النت: شاب يركض وثور يلاحقه. والملفت انه يحمل هاتفه لالتقاط صورة نفسه لحظة يطاردها ثور هائج. فشاغل الشاب المطارد هو تخليد هذه اللحظة، وهو يدرك انه في عرض متواصل، ويفكر، على رغم الخوف، كيف سيعرض الصورة ويروي ما حصل على مسامع آخرين. فالمشاعر العميقة والبدائية مثل الخوف لم تنج من شباك الحاجة الملحة الى «السيلفي».

والعصا هي المسافة في حضارة الصورة: المسافة بين الإنسان واللقاء بالآخر. وكأن المسافة بين روبنسون كروزويه الغريق الذي يهيم على جزيرة بمفرده وجمعة الذي يكسر عزلته: هي 50 سنتم (طول العصا). والعصا قابلة للتمدد. وهي ليست عكاز الحج بل عصا تشهر في وجه القرب وهي علامة الصد والرفض واللفظ. فهي لا تعين الماشي ولا تسنده، بل تعزله ولا تمهد الأرض. وكأن نهاية العالم هي عصا «سيلفي».

 

إعلان

 

* روائي صاحب «ميرسو: تحقيق مضاد»، عن «لوبوان» الفرنسية، 18/6/2015،

إعداد منال نحاس

طباعة المقال
إعلان