المقالات
الخميس,21 فبراير 2013 - 12:50 ص
مشاهدات: 262
لم تقم وسائل الاتصال الحديثة بالدور المطلوب منها. فشلت كما يبدو في تضييق الهوة بين سكان القرية الكونية، ولم نشهد على ولادة متماسكة لهذا العالم بما يعنيه ذلك من شد أواصر العلاقات الإنسانية.
وحده أمبرتو إيكو وضع يده يوماً على توصيف نقيض للقرية الكونية، ورفض الاحتفاء بالمصطلح جملة وتفصيلاً. لم يستسغه. لم يستسغ إشاراته وعلاماته وقال إن القرية تحتفظ لنفسها بدفء العلاقات الإنسانية بين أفرادها، وما يحدث اليوم من حروب وفتن ورسم للهويات الصغيرة لا ينبئ بأننا نسير باتجاه عالم يحبو باتجاه أن يصبح حاضنة حقيقية لهذا النوع من العلاقات، أو أنه يطمح إلى تضييق الهوة بين سكان هذه القرية الكونية.
لم يقف توصيف إيكو عند الأبعاد الشاعرية للمصطلح، لأنه كان يدرك أن ما يحدث اليوم في العالم يؤكد افتراقاً وتنافراً لا يسمحان بمقاربة من هذا النوع، حتى لو تركنا عالم السياسة والحروب ومصالح الأمم، فإن إخفاقات من نوع آخر تطفو لتؤكد توسع الهوة بين سكان هذه «القرية» يقوم به نجوم التلفزيون أو المنتجات التلفزيونية التي قد تعطي مؤشرات خطرة إلى عمق هذه الهوة ودرجات الأكاذيب التي تنشأ بفعل التعاطي مع مصطلح لم يكن دقيقاً، على رغم الانتشار الهائل لوسائط الاتصال، إلى درجة ولادة المجتمع الاتصالي الشامل الذي يقف على النقيض من مجتمع القرية الكونية. المجتمع الأول لا يهتم، أو هو لا يلتفت إلى نوعية العلاقات الإنسانية التي قد تنتج منه من خلال تشكل إنسان جديد، وإن بدا أن حجم المعلومات التي قد تغرقه، هي حجر الأساس في العملية كلها، وكأنه لا يفتقد، من حيث المبدأ، إلا طوفاناً معلوماتياً يحقق عزلة الكائن الفرد، بعكس ما يحققه إنسان القرية الكونية من «تقارب» مزعوم يقدم مصالحه وعلاقاته الإنسانية على ما عداها.
الإشارات التي تؤكد توسع الهوة كثيرة. ليس آخرها بالطبع دعوة أحزاب في اليونان إلى منع عرض مسلسل «فاطمة» التركي. قد تبدو الدعوة عادية في سياق التدافع التاريخي المحموم بين دولتين، وهو تدافع نزاعات مزمنة وحروب كان من المفترض أن يقوم الفن بالتخفيف منها، فيقوم المسلسل بتسكين الآلام والاحتفاء بقدرات الإنسان المدهشة على التقارب، والاستمتاع بالفن باعتباره نافذة للتقارب بين الشعوب، لا وسيلة إضافية للتطاحن والنزاعات، وكأن الفشل الذريع هو ما ينتظر إنسان هذه القرية الكونية غير السعيدة.
بالطبع سيجيء رفض النجم التركي كافيناش تاتيلوغ المعروف باسم «مهند» لارتداء الزي العربي في لقاء مصور مع مجلة عربية تحت زعم أنه ليس عربياً، ليضفي نوعاً من الالتباس. وقد يبدو مستغرباً أن يرفض تاتيلوغ ارتداءه من أجل صورة، مبرراً ذلك على حسابه عبر «تويتر» بأنه يفضل فعل ذلك على أرض عربية لا من أجل صورة.
الأكيد أن ما يدور اليوم قد يناسب أمبرتو إيكو في إصراره على رفض مصطلح القرية الكونية، ويمكنه أن يجد في مثل هذه الحوادث إشارات تؤكد توصيفه، وتضعه في المقام الأول.