المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

الصراعات القادمة.. من صالونات التفكير إلى أدمغة حرب الأفكار

📅 30-04-2013 09:57 ص | 👁️ المشاهدات: 1508 | كتب: ACCR
"إن الأفكار هي التي تحكم العالم" بحسب أوغوست كوم، ولهذا عاشت أوروبا خمسة عقود من السلام، وويجري التباحث اليوم من أجل الحد من التلوث، ووضع حد للاحتباس الحراري

، فيما لم تعد عقوبة الإعدام منتشرة إلا في قليل من الدول الديمقراطية، أما الرق فصار نسياً منسياً، وكل ذلك بسبب الأفكار التي جالت في مخيلات بعض البشر، وانتقلت إلى أنظمة الدول والمجتمعات، لكن ذلك الانتقال لم يتم مباشرة أو ببساطة.
والأفكار غالباً مستبعدة ومقصية خصوصاً إذا جاءت لنقض الواقع أو تغييره، أو تصادمت مع القيم والعادات الراسخة، وقد تأخّرت الدول والجماعات منذ القدم في اعتماد الفكرة، وتعاني الكثير من الدول والجماعات من الفقر في الأفكار، وغالباً ما يكون هذا الفقر بسبب عدم وجود مصارف للأفكار، وليس لعدم وجود الأفكار نفسها، تلك المصارف التي تُسمى اليوم في أوروبا بمراكز الفكر.
يرتكز الصراع العالمي المتنامي اليوم على الأفكار كقوة ومحرك، ويعتمد عليها في توجيه الإمكانيات والقوى البشرية والمالية والعسكرية والثقافية لتحقيق المكاسب من خلال التغيير في البُنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وصولاً إلى تحقيق الهدف، ويحدث أن ينشغل الناس جميعاً، أفراداً وجماعات، بالاندهاش أمام التحولات الكبرى والتغيرات المفاجئة، ولا يخطر سوى على بال القليلين أن تلكم التحولات هي نتائج أفكار وجدت مصارف لها، وانتقلت إلى مراكز صُنع القرار فصارت تلك التحولات، فالأمم ذات التغيرات الحقيقية إلى الأفضل هي التي تحتضن مؤسسات فكر عملاقة تعمل بنشاط متواصل وتمدّ مجتمعاتها بمبررات التغيير وصناعة المستقبل.
يقول باسكال لامي المدير العام لمنظمة التجارة العالمية في تقديمه لكتاب «مراكز الفكر، أدمغة حرب الأفكار» لستي?ن بوشيه ومارتين رويو أإن أوروبا تملك الأفكار وينقصها الواسطة لنشرها. وقد تأخّرت فرنسا في التزوّد بمختبرات الأفكار القادرة على إنتاج فكر سياسي جديد، وقد سبقتها بروكسيل في هذا المجال، لكنّ واشنطن سبقت الجميع بمئات المنظّمات الخلاّقة فكريًّا. ومراكز الفكر هي الجسر بين مختلف أنواع المعرفة.
تكمن الحاجة لمراكز الأفكار في سياق الحاجة إلى حلول المشاكل المجتمعية العامة المتعلقة بالجماعات المنضوية في أطر سياسية عام، أي في سياق البحث عن حلول المشاكل السياسية التي يحتاج صناع القرار غالباً إلى مساعدة فيها من قبل جهات تتولى تبني الأفكار والتخطيط لتحويلها إلى أفعال، قبل تقديمها إليهم خلال إدارتهم للمشاكل والأزمات.
كلما صعبت المشاكل، كلما ظهر عجز المسؤولين عن حلها، وبدت حاجتهم أكثر إلى الأفكار والتحليلات والاستنتاجات والاقتراحات، وفي هذه النقطة تحديداً فإن السياسيين ليس لديهم الوقت للتفكير والتأمل، فالرأي العام يلاحقهم، والاستحقاقات الانتخابية توشك أن تفتك بهم، فيما وسائل الإعلام تقض مضاجعهم ليل نهار، وفي هذا الخضم فلا نظير لأولئك الباحثين في الاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع وأصحاب الرؤى والأفكار الاستراتيجية القادمين من الجامعات ومراكز البحث، ولا ينقصهم شيء لتقديم رؤاهم وتصوراتهم إلا أن يتمتعوا بالحرية المطلقة، ودون حدود أو قيود.
كانت فرنسا تفضل أندية التفكير امتدادًا لصالونات القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، ووحدها الدولة سعت إلى مموّلين للأفكار لمساعدتها بعد الحرب العالميّة الثانية، وقد نشأت مراكز الفكر بعد الأزمات الكبرى في القرن العشرين، وازدهرت في رعاية الديمقراطيّة، قد كانت مراكز الفكر البريطانيّة ذات تأثير كبير على المؤسّسات الأوروبيّة. ويبقى الاهتمام بمراكز الفكر محور التساؤل عن صحّة الحياة السياسيّة والقدرة على التعامل مع حرب الأفكار الآخذة في التّصعيد يومًا بعد يوم.
بيد أن واقع الحال يقر للولايات المتحدة بالسبق في الاعتماد على مراكز الفكر، أيضاً البداية في حرب السباق عليها وبها، وقد تمكن عدد من الناشطين في الثقافة والفكر عام 1990 من حسم مسألة التدخل الأميركي في العراق، وكان لها الأثر الأكبر في دفع القوات الأميركية فيالذهاب إلى الخليج العربي، وارتكاب إحدى أكبر جرائم الحرب في التاريخ، وإن كان يُحسب على السياسيين في الولايات المتحدة إقدامهم على حرب صنعت الكثير من العداوات لها، فإنه يُحسب للمثقفين أنهم دفعوا القادة إلى الدفاع عن مصالح بلادهم، وهو ما يعني أنّ تلك المراكز صنعت حقيقة جديدة للحروب الشاملة.
"كل أمة يمكن أن تهدد الولايات المتحدة بامتلاك أسلحة الدمار الشامل ينبغي مهاجمتها بطريقة وقائية"، بهذه العبارة يمكن اختصار تقرير من 46 صفحة تمت صياغته عاو 1992عن التصورات الجديدة للدفاع الأميركي المحتمل مستقبلاً، وهو في الحقيقة تصور للهجوم ضد أي قوة تحاول صناعة مجدها، وليس العكس، وقد حدثت فضيحة مدوية في الولايات المتحدة عندما حصلت الواشنطن وبست والنيويورك تايمز على نسخة من التقرير، ولكن الأهداف كانت قد وضعت والعمل قد بدأ.
يصنف الصحافي البريطاني ستيف ووترز مراكز الفكر والإرهابيين في مستوى واحد من الخطر، فاجتياح العراق من الولايات المتحدة وحلفائها هو استجابة لرؤوس مفكّرة ناشطة تملك علاقات شخصيّة راسخة ومؤثّرة. وقد قدّم مركز (PNAC) تصورا جديدًا للولايات المتحدة كقائدة للعالم بالارتكاز على أنّ زعامة أميركا هي خير لها وللعالم، وهذه الزعامة تتطلّب القدرة العسكريّة والديبلوماسيّة واعتماد المبادئ الأخلاقيّة.
وباستثناء الحرب الوقائيّة على العراق يعتبر بروز مراكز الأفكار من الرهانات الأساسيّة للديمقراطيّة الجديدة، فحسب جيمس ماكفان أستاذ العلوم السياسيّة الأميركي أنّ مراكز الفكر جزء من صميم المجتمع المدني وهي تعمل محفّزًا للأفكار لا سيما في اتجاه الديمقراطيّات الصاعدة والمتقدّمة في العالم. وبحسب تحليلاته سوف يتخطّى عدد مراكز الفكر في العالم 4500 و700 منها في أوروبا.
يعرف الكاتبان مراكز الفكر وفقاً لعددٍ من المعايير والنقاط، فهي هيئات دائمة، متخصصة بإنتاج حلول للسياسة العامة، بفضل طواقم متخصصة ومتفرغة للبحث، تؤمن ناتجاً أصيلاً من التفكير والتحليل والنصح، وتوجه رسالتها إلى الحكام والرأي العام، ولا تكلف بإنجاز أي مهام حكومية، ويسعى بشكل عام للإبقاء على شخصيتها وخصوصيتها الثقافية، ولا ترتبط بمصالح محددة، وتعمل وفق طموح ظاهر أو خفي من أجل الصالح العام، ولم يعد من مهامها منح الشهادات أو التأهيل.

ويستنتج الكاتبان أن أوروبا ليست مستعدة لحرب الأفكار الأميركية، فلم تسعي دول الاتحاد الأوروبي الخمس والعشرين إلى تشكيل موحد، ويبدو الاهتمام الأوروبي موجهاً نحو القضايا الوطنية لا نحو علاقة أوروبا مع العالم،  وقد أحصيت 149 مركز فكر في أوروبا يقتصر عملها على المشاكل الأوروبية.

© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)