يقول الشاعر الراحل محمود درويش في إحدى قصائده “تُنسَى، كأنك لم تكن شخصًا، ولا نصًّا.. وتُنسَى”. لا أعرفُ ماذا كان يدور في رأس درويش عند كتابته لهذه القصيدة. ولكن الأكيد أن قضية النسيان و”حق الإنسان في أن يُنسى”،
شخصًا أو نصًّا، باتت اليوم، محل نزاع، وشاغلًا للكثير من الحكومات والمؤسسات المدنية كرد فعل لهذه الذاكرة التكنولوجية، التي تحتفظ بها شركات التكنولوجيا، والتي لم تَعد تَنسى، فهي لا تُفوّت، لا شاردة ولا واردة، دون توثيق، وجمع لبيانات شخصية وصور لا نعرف مصيرها!
قضية التجسس أو بتعبير آخر حرية الوصول للبيانات الشخصية، هي القضية الفرعية لقضية أشمل وأعم، هي “مصير هذه البيانات”. ففي وقت تُصرّ فيه شركات التكنولوجيا وحلفائها على الاحتفاظ بها، تُقاتل جهات أخرى من أجل إتلافها، وأن يكون للشخص المعني، الحق دائمًا في إتلافها، وفقًا لقانون جديد يُعرف بـ “الحق في أن تُنسى”.
وقد اشتعل الجدل مؤخرًا في هذا الشأن، حين نشرت صحيفة “واشنطن بوست” خبرًا صادمًا نقلاً عن كبار المحللين في وكالة الأمن القومي حول برنامج سري يسمى “بريزم” هو المصدر الرئيس للمواد الخام من المعلومات اللازمة لوكالة الأمن القومي، وعملية الاستخبارات السرية الأمريكية. وأشارت الصحيفة إلى أن “أجهزة الاستخبارات الأمريكية قد وصلت مباشرة إلى الخوادم المركزية لتسع على الأقل من شركات الإنترنت الرائدة مثل “جوجل” و”فيسبوك” و”أبل” و”ياهو” و”إيه أو إل” و”سكايب” و”يوتيوب” و”مايكروسوفت” عبر برنامج لجمع البيانات لاستخراج رسائل بريد إلكتروني، ومكالمات صوتية، ومقاطع فيديو وصور واتصالات أخرى لعملاء تلك الشركات دون الحاجة إلى أمر قضائي”.
هذا الخبر، لا يمكن أن يمر مرور الكرام، ليس بالنسبة للمواطنين فقط، ولكن بالنسبة لشركات التكنولوجيا (الإنترنت) التي لن تسمح لسمعتها بهذا الضرر من قبل الحكومات. وهذا ما حصل بالفعل حين بادر “لاري بيج” الرئيس التنفيذي لشركة جوجل، وأكد أن شركته “لم تسمح” للسلطات الأمريكية بالوصول المباشر إلى خوادمها. وأضاف بيج “نحن لم ننضم إلى أي برنامج من شأنه أن يعطي الحكومة الأمريكية أو أي حكومة أخرى وصولاً مباشرًا لخوادمنا.. في الواقع الحكومة الأمريكية ليس لديها وصول مباشر أو (باب خلفي) إلى المعلومات المخزنة في مراكز البيانات الخاصة بنا.. لم نسمع عن البرنامج المسمى (بريزم) حتى أمس”. وهذا ما سارعت لنفيه أيضًا شركات مثل يا هو وفيسبوك وأبل.
اقتصاد المعرفة وأطراف النزاع
في حين تُقاتل فرنسا وبعض الدول الأوروبية لـ “حماية البيانات” عمومًا، ولإقرار الحق في أن تُنسى، خصوصًا، نجد البيت الأبيض (الذي أتاح لنفسه الوصول لهذه البيانات) يُقاتِل في جهة أخرى من أجل منع إقراره. فهذا الحق ليس بالأهمية الكافية -بحسب وجهة النظر الأمريكية- لأن مشاركة البيانات والمعلومات حقٌ للجميع، لا يجب تقييده من أفراد. وحجته في ذلك أن هذا التقييد سيقود لتقييد أكبر وأوسع، مما سيؤثر بدوره على تبادل المعرفة، وبالتالي على الابتكار، وهذا بالطبع ليس بالأمر الهيّن بالنسبة لدولة أصبحت تعتمد بشكل كبير ومطرّد على “اقتصاديات المعرفة”، وما يندرج تحتها من صناعات برمجية وتكنولوجية.
ولفهم تعقيدات هذه القضية بشكل أكبر، لا بد لنا أولًا من التفريق بين ثلاث جهات هي أطراف هذا النزاع. والتي وإن كانت تبدو للبعض متحالفة، مع بعضها البعض، إلا أنها في حقيقة الأمر تعمل بشكل منفصل، ولكن وفقًا لمصالح تأتلف حينًا وتختلف أحيانًا كثيرة.
الحقيقة الغائبة، أن جَمع البيانات الشخصية هو ما يعني هذه الشركات، وهو ما تقوم عليه أيضًا، وليس ما يظهر منها من تواصل اجتماعي أو برمجيات ورقائق إلكترونية. فتسليع “البيانات” و”المعلومات” وتصنيفها وبيعها هو المنتَج الأساسي
الجهة الأولى: والمحرك لكل هذه الصراعات والصراعات القادمة هي ما يعرف بـ “شركات التكنولوجيا” وهي على سبيل المثال لا الحصر، أبل وجوجل، أو تويتر وأمازون، وغيرهم الكثير من شركات تطوير البرامج والتقنية في وادي السليكون، التي أصبحت تتناسل بشكل كبير ومخيف. وما يميّز هذه الشركات أنها لا تحتاج لرأسمال، بقدر ما تحتاج لفكرة “تطبيق” جديد أو رقاقة جهاز صغيرة، تغزو بها أسواق العالم المتعطّشة دومًا في ظل هذه الثورة المعلوماتية.
الجهة الثانية: وهي الحكومات ومن يمثلها (هيئات الاتصال)، والتي كانت تعمل فقط على تقنين دور الجهة الثالثة والأخيرة وهي: (شركات الاتصالات)، إثر ثورة الاتصالات السابقة، إلا أنها وبعد ثورة المعلومات، اكتشفت أن الأمر قد يخرج عن السيطرة إذا لم تعمل على تقنين دور شركات التكنولوجيا أيضًا. ومن هنا بدأنا نسمع عن ضغوطات جديدة أدت إلى إصدار قوانين مُلزمة لبعض الشبكات الاجتماعية كتويتر وفيسبوك، سبقها مناوشات مستمرة مع بلاك بيري وجوجل وغيرهما.
عباقرة “ما لا يُنسى”!
وما لا يُنسى هنا، أيضًا أن التعاطف دائمًا، من قبل الجمهور، كان وما يزال من نصيب شركات التكنولوجيا، فهي القريب للقلب ولـ الحِسّ واللمس. في حين تُقابَل شركات الاتصالات والحكومات عند أي تحرك تجاه هذه الشركات بالكثير من النقد والتشكيك. فهل هذا بالفعل هو واقع الأمر، وهل هذه الشركات بهذه البراءة التي يوحي بها سؤال تويتر: “ماذا يحدث؟!” أو طلب فيسبوك: “اكتب شيئًا” أو حتى نافذة جوجل، المشرّعة فقط، من أجل البحث الموضوعي، دون أي حسابات أخرى؟! أما السؤال الأكثر تعقيدًا والذي يخلو من كل براءة، فهو لماذا تتحالف الحكومة الأمريكية -هذه المرة- مع شركات التكنولوجيا ضد حق إنساني بسيط جدًا كهذا الحق؟! هل لأنها شركات أمريكية فقط؟
الحقّ أن شركات التكنولوجيا قد تغوّلت، ولم تعد تحفل بحدود الجغرافيا، فالافتراض أرضها المفضلة التي لا حدود لها. ومستخدموه مواطنوها بالدرجة الأولى وإن لم يحملوا جنسيتها. أمّا تغوّلها الذي يذكرنا بمصارف الرأسمالية المتوحشة، فليس بالأمر الجديد، بل هو امتداد لتمكين عام ومتوارث للشركات متعددة الجنسيات وعابرة القارات، من قبل “العولَمة الجديدة”. وهو ما أتاح لبعض الشركات، حكمًا وقانونًا، قدرات وصلاحيات قد تكافئ بعض الحكومات إن لم تتجاوزها، وهذا ما جعل الحرب الباردة تشتعل بين الحكومات من جهة، وطموح شركات التكنولوجيا من جهة أخرى. فيما بقي الوسيط ومزود الخدمة (شركات الاتصالات) -الذي لا يحمل نوايا “إمبريالية” على غرار شركات التكنولوجيا- بعيدًا عن هذه المواجهات، إلا كأداة ضغط من قبل الحكومات إذا ما لزم الأمر.

شركات التكنولوجيا قد تغوّلت، ولم تعد تحفل بحدود الجغرافيا، فالافتراض أرضها المفضلة التي لا حدود لها. ومستخدموه مواطنوها بالدرجة الأولى وإن لم يحملوا جنسيتها
وبالرغم من أن جماعة “عباقرة الإنترنت” كما يُسمّون أنفسهم، أو “أثرياء التكنولوجيا”، كما يُعرَفون من قبل جيرانهم البسطاء في سان فرانسيسكو، على غير وفاق مع الجمهوريين (المقربيّن من شركات النفط) إلّا أنهم أصبحوا أكثر قربًا من حكومة “أوباما”، الذي يؤمن بقِيم وادي السليكون وما يقدمه لاقتصاد الولايات المتحدة. ولعلّ هذا يُفسّر سطوع نجمهم في الفترة الأخيرة، وخطواتهم العملية التي تمثلّت في إصرار الشاب مارك زوكربيرج، مؤسس الفيسبوك على دخول اللعبة السياسية بتأسيس مجموعة ضغط، تشارك في التأثير على القرار وصنعه من داخل الكونجرس. كما يُفسّر من جهة أخرى، التحالف الإستراتيجي مع البيت الأبيض من قبل هذه الشركات ضد إقرار قانون “الحق في أن تُنسى”، فهذا القانون يُضرّ بشكل واضح وطويل الأمد بالرأسمال الأساسي لهذه الشركات، وهو جمع البيانات وتوجيهها.
تفاوت الخصوصية والمساواة!
الحقيقة الغائبة، أن جَمع البيانات الشخصية هو ما يعني هذه الشركات، وهو ما تقوم عليه أيضًا، وليس ما يظهر منها من تواصل اجتماعي أو برمجيات ورقائق إلكترونية. فتسليع “البيانات” و”المعلومات” وتصنيفها وبيعها هو المنتَج الأساسي. وهذا يقودنا لتفاوت مفهوم “الخصوصية” بين المجتمعات، تبعًا لثقافاتها. فبينما تتجلى “الخصوصية” لدى البعض، في الاعتراض على خرائط جوجل؛ لأنها -فقط- قد تكشف أسطح البنايات! أو في مخاوف أمنية، يتفاوت تقديرها من جهة لأخرى لدى البعض الآخر. فإننا نجدها تثير ما هو أبعد وأعمق من ذلك في بلدان أخرى بات من المرعب بالنسبة لمواطنيها أن يكون هنالك من يجمع بياناتك ويقرر تبعًا لذلك رغباتك وميولك الشخصية. بحيث تصبح بياناتك الصحية واهتمامتك الثقافية وعاداتك الاجتماعية سلعةً يتم تدوالها في سوق سوداء لا تعلم عنها شيئًا.
لذلك السؤال الأبعد، هل ما يحتفظ به جوجل، باعتباره أكبر محرك بحث، أو غيره من الأجهزة والتطبيقات، من “ذاكرة رقمية”، لما نبحث عنه أو نفعله على الإنترنت –يوميًا- من حقه؟! فمع أن جوجل كشركة لا تخفي دعمها للباحثين عن الحرية وهمّها النضالي تجاه الشفافية ونشر الديمقراطية، محاولةً إثبات ذلك باعتراضها على مطالب بعض الحكومات، بتوفير بيانات تتعلق ببعض المستخدمين (مواطنيها الافتراضيين). إلا أن المنطق ذاته يقول، بما أن جوجل وغيرها من شركات التكنولوجيا استطاعت أن تبيع بياناتنا الشخصية لشركات البيانات والدعاية والإعلان، في الخفاء وبقلب بارد، فما المانع أن تبيعها للحكومات؟! مع العلم أن الحكومات لديها هي أيضًا من المبررات والدوافع الأمنية، ما يجعل من السذاجة المعارضَة الدائمة لكل ما تتطلبه من بيانات أو معلومات.
إذن، الصراع قائم ومستمر، ما استمرّ تعارض المصالح. ودكتاتورية شركات التكنولوجيا واردة جدًا وليس أدلّ على ذلك من قول جورج باركر في مقاله التحليلي لمجلة “نيويوركر” أنه وبعد عقود أصبحت فيها الولايات المتحدة أقل مساواةً مقارنة بغيرها، نجد أن “وادي السيليكون” هو الأقل فيها من حيث المساواة. ليبقى سؤال الخصوصية الحقيقي هو، من له الحق في أن يمتلك ذاكرتك، أنت أم غيرك؟! ومن له الحق في التلصص على زلاتك وهفواتك، ثم استغلالها بما يؤثر على فُرصك القادمة في الحياة، أو على سمعتك بعد الممات. ومن له الخيار فيما تُذكَر بشأنه أو تُنسَى؟!. وهل المطلوب أن نُعير ذاكرتنا لهذه الشركات، لتراكِمها في مستودعاتها البيانية؟! فقط، لأنها تعدنا بالشهرة والحرية والديمقراطية؟! أم نُقاتل من أجل حقنا في “النسيان” تمامًا كما نقاتل من أجل حقنا في “الحياة”، حين نؤمن بما قاله درويش: أشهد أَنني حيُّ وحُرُّ حين أُنْسَى!