المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

الطوفان الرقمي :ابعد من التجسس التكنولوجي ..تحويل العالم لمجموعه معطيات

📅 13-08-2013 09:43 ص | 👁️ المشاهدات: 447 | كتب: كينيث كوكاير شونبرغر فيكتور ماير
ما بين الصداقات والأفكار والمبادلات والتنقلات باتت معظم النشاطات البشرية تفسح المجال أمام إنتاج هائل من المعطيات الرقمية. جمعها وتحليلها يفتحان آفاقاً محمِّسة أحياناً تشحذشهية الشركات بقوة. إلا أن تحويل العالم إلى مجموعة معطيات قد يشكّل خطراً على الحرّيات كما يتبيّن من برنامج المراقبة العملاقالذي تنهض به الولايات المتحدة.
 
 
 
 
 

في القرن الثالث قبل الميلاد كان يقال عن مكتبة الإسكندريّة إنها تحوي كامل المعرفة البشريّة. وفي عصرنا هذا تبلغ كمية المعلومات المتوفّرة حجماً كبيراً لدرجة أنه لو وزعناها على كل سكان الأرض لحصل كل فرد على كمية اكبر بثلاثمائة وعشرين مرة من مجموعة مخطوطات الإسكندرية، وهي تساوي بمجملها ألفاً ومائتي إكزاأوكتيه (الإكزاأوكتيه يساوي مليار مليار أوكتيه أو بايت). وإذا سجلناها كلها على أقراص مدمجة (سي.دي.) لشكّلت هذه الأقراص خمسة أعمدة كل واحد منها كفيل بأن يصل الأرض بالقمر.
التضخّم الهائل في المعطيات هو ظاهرة جديدة نسبيّاً. ففي العام 2000 كان فقط ربع المعلومات المسجلة في العالم متوافرا بشكل رقمي. ويتوزّع الباقي على الورق والأفلام وسائر الوسائط المشابهة. وبفعل انفجار نظام الملفات، التي كان حجمها يتضاعف كل ثلاث سنوات، انقلب الوضع بنسب غير معهودة. ففي العام 2013 صار النظام الرقمي يشكّل 98 في المئة من الرقم الاجمالي. وقد نحت الأنكلوسكسون عبارة للدلالة على هذا الكم الضخم لدرجة أنه قد يخرج عن سيطرة الحكام والمواطنين: "بيغ داتا"big data أي المعطيات الكبيرة.
وإزاء هذا الكم المفرط يصبح من المغري عدم مقاربتها إلا بلغة الأرقام، لكن في ذلك تجاهلاً لجوهر الظاهرة. فالحقل الهائل للمعطيات الرقمية ناتج من القدرة على الإحاطة بكل مظاهر العالم والحياة البشرية وهو ما لم يُضبَط كمّياً حتى الآن. يمكن وصف هذا المسار ب"التحويل إلى معطيات" (Datafication). فمثلاً كان يحدّد المكان او موقع تواجد الشخص للمرة الأولى عبر تقاطع خطوط الطول وخطوط العرض، ثم بالطريقة الفضائية والرقمية المعروفة بنظام التموضع العالمي، جي.بي.إس. (GPS). وعلى الفايسبوك حتى الأذواق الشخصية وعلاقات الصداقة وعبارة "أحبّك" تتحول إلى معطيات محفورة في الذاكرة الافتراضية. ليس هناك من شيء خارج نظام المعلومات، حتى الكلمات بات التعامل معها هي أيضاً على أنها عناصر معلوماتية منذ أن سبر الكمبيوتر قروناً من الأدب العالمي المتحوّل رقميّاً.
قواعد المعطيات التي تتشكّل بهذه الطريقة تصلح لكلّ أنواع الاستعمال المدهشة بعد أن باتت ممكنة بفضل ذاكرة معلوماتية تتدنى كلفتها أكثر فأكثر، وجهاز معالجة معلومات يزداد قوة، وعلوم حسابية أكثر دقة، كما عبر معالجة المبادئ الأساسية لعلم الإحصاء. فبدلاً من تلقين كمبيوتر ما أن ينفذ عملية ما، مثل قيادة سيارة أو ترجمة نصّ، وهو هدفٌ من أجله كسّرت أفواج من خبراء الذكاء الاصطناعي رؤوسها على مدى عقود من الزمن، باتت المقاربة الجديدة تقضي بأن تحفر كمية من المعلومات الكافية لكي يستنتج هو احتمالات أن يكون ضوء المرور أخضر بدلاً من أحمر في كلّ لحظة، أو في أي سياق يترجم لفظةlight الانكليزية بمعنى "ضوء" وليس "خفيف".
هذا النوع من الاستعمال يتطلّب ثلاثة تغييرات في مقاربتنا. يقوم الأول على جمع واستعمال أكبر عدد ممكن من المعلومات بدلاً من القيام بعملية فرز انتقائي كما يفعل علماء الإحصاء منذ أكثر من قرن. والتغيير الثاني يتطلّب بعض التساهل إزاء الفوضى: إذ يتبيّن أن خلط معطيات متعدّدة، إنما بنوعية غير متساوية، يبدو في أغلب الأحيان أكثر فاعلية من استعمال عيّنة صغيرة مناسبة إلى أقصى حد. وأخيراً التغيير الثالث يقضي بأنه، في الكثير من الحالات، يجب التخلّي عن تحديد الأسباب والاكتفاء بعلاقات الترابط. فبدلاً من السعي لفهم سبب تعطّل ماكينة تحديداً، يمكن الباحثون أن يجمعوا ويحللوا كميات كثيفة من المعلومات المتعلّقة بهذا الحدث وبكل ما يرتبط به من أجل تحديد حالات الانتظام ومعرفة الظروف التي يمكن ان تتعطّل فيها الماكينة مجدّداً. فيمكنهم أن يجدوا جواباً عن ال"كيف" وليس عن ال"لماذا"، وهذا في أغلب الأحيان كافٍ.
وكما أن الانترنت قلبت انماط التواصل بين الأفراد، فإن طريقة تعامل المجتمع مع المعلومة قد تغيّرت جذريّاً. وكلما نحن استثمرنا هذه الحقول لكي نوضح بعض الوقائع أو نتخذ قرارات نكتشف في الكثير من النواحي أن حيواتنا تعود إلى الاحتمالات أكثر منها إلى حالات اليقين.
إن تغيّر المقاربة هذا إزاء المعطيات الرقيمة، الشاملة وليس العينية، الفوضوية وليس المنهجية، يوضح الانزلاق من السببية إلى الترابط. لم يعد الاهتمام بالأسباب العميقة التي تحكم مسار العالم بقدر ما هو بعمليات الجمع الكفيلة بأن تربط ما بين ظواهر متباينة.فلم يعد الهدف هو فهم العالم بل الحصول على أقصى درجة من الفعالية.
لنأخذ كمثل شركة "يونايتد بارسل سرفيس" (UPS) وهي أكبر شركة تسليم البضائع في العالم. فقد ثبتت لواقط على بعض قطع سياراتها لكي تحدّد مشاكل الحماوة والارتجاج المرتبطة بالشوائب التي ظهرت في هذه القطع في الماضي. وبطريقتها هذه يمكنها استباق العطل واستبدال القطع المخرَّبة في الكاراج وليس على طرف الطريق. فالمعطيات لا تحدّد العلاقة السببية بين ارتفاع الحرارة وتعطّل القطعة، هي لا تشخّص سبب المشكلة. وفي المقابل هي تبلغ الشركة UPS بالخطوة التي عليها أن تقوم بها استباقاً للحوادث المكلفة.
المقاربة نفسها تطبّق على القصور في سير الآلية الإنسانية. ففيكندا وجد بعض الباحثين طريقة تحديد الإصابات عند المواليد قبل أوانهمقبل ظهور العوارض المرئية.فعبر توليد دفق من أكثر من ألف معطى في الثانية جامعة بين ستة عشر مؤشّراً من بينها النبض والضغط والتنفس ومستوى الأوكسيجين في الدم، توصّلوا إلى تحديد الترابطات بين حالات الخلل الدنيا والأمراض الأكثر خطورة. ومن شأن هذه التقنية أن تسمح للأطباء بالتدخل أيضاً من أجل إنقاذ الحيوات. ومع الوقت يمكن أن يساعدهم تسجيل هذه الملاحظات أيضاً في فهم ما يسبّب تلك الإصابات.إلا انه عندما تكون حياة الرضيع في خطر فمن الأنفع استباق ما يمكن أن يحدث بدلاً من فهم السبب.
يوضح التطبيق الطبّي تماماً هذه الإمكانية لتحديد هذه الترابطات حتى عندما تبقى الأسباب الكامنة وراءها خفية. ففي العام 2009 نشر بعض محلّلي غوغل مقالاً في مجلة ناتورترك أثره في الأوساط الطبية (1). فقد أكّد كاتبوه أنه من الممكن تحديد بؤر الرشح الموسمي انطلاقاً من محفوظات عملاق الانترنت هذا. فهذا الموقع يدير ما لا يقلّ عن مليار طلب يوميّاً فقط في الأراضي الأميركية ويحتفظ بدقة بأثر من كلّ واحدة من هذه العمليات. وقد انتقى خمسين مليون كلمة التقطها محرك البحث عنده أكثر من غيرها ما بين العامين 2003 و2008، ثم قابلها مع بطاقة مرض الرشح فيمراكز المراقبة للحماية من الأمراض (CDC). أما الهدف من ذلك فهو اكتشاف ما إذا كان تواتر بعض الكلمات المفاتيح يتلازم مع ظهور الفيروس. وبعبارة أخرى تقدير الترابط المحتمل بين وتيرة بعض الأبحاث على غوغل والنقرات الإحصائية المسجلة في مراكز المراقبة للحماية من الأمراض في منطقة جغرافية واحدة. تحصي هذه المراكز على الأخصّ الاستشارات الاستشفائية للمصابين بالرشح في كلّ البلاد، إلا أن هذه الأرقام ترسم لوحة غالباً ما يكون بفارق زمني لأسبوع او أسبوعين، وهذه فترة طويلة جدّاً في حال وجود وباء عام. أما غوغل فإنه يعطي الإحصاءات في الزمن الحقيقي.
لم تكن الشركة تملك أي عنصر من أجل اكتشاف الكلمة المفتاح الكفيلة بأن تعدي مؤشّراً موثوقاً. فاكتفت بأن أخضعت كل هذه العيِّنات لنظام حسابي وُضِع خصيصاً لاحتساب ترابطها مع ظهور الفيروس. ثم قام نظامه بعدها بترتيب العبارات المحفوظة في محاولة للحصول على النموذج الأكثر موثوقية. وبعد خمسمائة مليون عملية حسابية توصّل غوغل إلى تحديد خمس وأربعين كلمة مفتاح، مثل "وجع رأس" أو "سيلان الأنف"، تقاطعت تواتراتها مع إحصاءات مراكز المراقبة الطبية. وكلما كانت وتيرتها أكبر في منطقة معينة كلما كان الفيروس يجتاح في هذا المحيط نفسه. وقد تبدو النتيجة بديهية لكن مع مليار عملية بحث يومياً كان من المستحيل تحقيق ذلك بوسائل أخرى.
غير أنّ المعلومات التي عالجتها غوغل لم تكن كافية. فإلى كونها جمعت وخزّنت لأهداف أخرى غير الصحة، فقد انتشرت فيها بكثرة أغلاط الطباعة والجمل غير المكتملة. إلا أن الحجم الهائل لبنك المعطيات قد عوض إلى حدٍّ كبير عن طبيعته الفوضوية. وما ينتج منه ليس إلا مجرّد علاقة ترابط، فهو لا يقدّم أي مؤشّر عن الأسباب التي دفعت المرتفق بالانترنت إلى القيام ببحثه. هل لأنه كان هو نفسه مصاباً بالحمى، هل لأنهم عطسوا بوجهه في المترو، أو أيضاً لأنه قلق بعد سماعه نشرة الأخبار؟ غوغل لا يعرف شيئاً عن ذلك وقلما يهمه أن يعرف. على كلٍّ يبدو أنه في كانون الأول - دسمبر الماضي زاد نظامه في تقدير عدد الإصابات بالرشح في الولايات المتحدة. ليست التكهنات سوى احتمالات وليست أبداً يقيناً وخصوصاً عندما تكون المادة التي تمدها، أي الأبحاث على الانترنت، هي ذات طبيعة متحركة ومعرّضة للتأثيرات، الإعلامية منها خصوصاً. يبقى أن المعطيات الضخمة يمكنها أن تحدّد بعض الظواهر الواقعة.
يؤكّد عدد من الاخصائيين أن استعمالها يعود إلى زمن الثورة الرقمية في ثمانينات القرن الماضي عندما أدّت زيادة قدرة معالج المعلومات الدقيق (microprocesseur) والذاكرة المعلوماتية من القدرة على تخزين وتحليل معطيات دوماً أكبر حجماً. وليس هذا بصحيح إلا جزئيّاً. فالتطورات التكنولوجية ومجيء الانترنتقد ساهمت طبعاً في الحدّ من أكلاف تجميع المعلومات وتخزينها ومعالجتها وتشاطرها. إلا أنّ المعطيات الكثيفة تشكّل على الأخصّ الظاهرة الأخيرة زمنيّاً والمتمثّلة في الرغبة البشرية الجامحة في فهم العالم وضبطه كمّياً. ومن أجل سبر عمق دلالة هذه المرحلة الجديدة يجب إلقاء نظرة جانبية أو بالأحرى إلى أسفل.
كوشيميزو شيغيومي هو أستاذ في مؤسسة التكنولوجيا الصناعية المتقدمة في طوكيو. ويقوم اختصاصه على دراسة الطريقة التي يجلس بها أبناء عصره. إنه حقل دراسات غير مطروق كثيراً ولكنه غنيّ بالتعليمات. فعندما يضع أحدهم مؤخّرته على مسندٍ ما، فإنّ وضعيته ومحيط جسمه وتوزيع كتلته الجسدية تشكل كلها معلومات قابلة للضبط الكمّي وللتحليل. وبواسطة لواقط رُكِّبت على مقعد سيارة قام كوشيميزو وفريق المهندسين معه بقياس الضغط الناتج من عجُز السائق على شبكة من ثلاثمائة وستين نقطة، وكل نقطة موصولة بمؤشّر مرقّم من صفر إلى مائتين وستة وخمسين. وقد ساعدت المعطيات التي جُمعت بذلك على تكوين رمزٍ رقميّ خاص بكل إنسان. وقد بيّن باختبار أجراه أن نظامه يساعد على تحديد شخصٍ ما بدقة تصل نسبتها إلى 98 في المئة.
ليست هذه الأعمال بالسخافة التي تبدو عليها. فما يرمي إليه كوشيميزو هو أن يجد تطبيقاً صناعياً لاكتشافه، مثل نظام ضدّ السرقة لشركات السيارات. والسيارة المجهّزة بلواقط العجز هذه يمكنها أن تتعرف على مالكها وأن تطلب من السائق كلمة سرّ قبل أن تقلع. فتحويل العجزين إلى باقة من المعطيات الرقمية يشكّل خدمة ملموسة وعملاً يمكن أن يكون مربحاً. وعلى كلّ يمكن أن تخدم أهدافاً أخرى غير حماية حقّ ملكية السيارة، منها مثلاً توضيح العلاقة بين وضعية السائق ومبدأ السلامة على الطرقات، وبين تلفتاته وراء المقود وخطر أن يتسبّب بحادث. كما أن بقدرة اللواقط أن تطلق إنذاراً أو تشغل الكوابح تلقائيّاً إذا ما بدا النعاس على السائق.
لقد أمسك كوشيميزو بشيء لم يسبق أن عولِج كمعطى ولا نُظِر إليه على أنه قد يعطي أي فائدة في مجال المعلومة، فحوّله إلى تصميم مضبوط الكَم رقمياً.والتحويل إلى معطيات يشير إلى شيء آخر غير عملية التحويل الرقمي التي تقضي بترجمة مضمون ما تماثلي، مثل نصّ او فيلم أو صورة فوتوغرافية، إلى متوالية من واحد وصفر (1 - 0) يمكن أن يقرأها الكمبيوتر. وهي تستند على عمل أكثر اتّساعاً وإلى مداخلات ما تزال غير مشبوهة، فلم يعد التحويل الرقمي يتناول الوثائق بل كل جوانب الحياة. فالنظارات التي صنعتها شركة غوغل، المجهزة بكاميرا وميكرو وموصولة على الانترنت، تحوّل نظرنا إلى معطيات، والتويتر يحول أفكارنا إلى معطيات وهو ما تفعله "لينكد إن" بعلاقاتنا المهنية.
ومن اللحظة التي يتلقى فيها شيء ما هذه المعالجة، يصبح من الممكن تغيير وجهة استعمالهوتحويل المعلومة الصادرة منه إلى شكلٍ قيميّ جديد. فشركة آي.بي.إم. IBM مثلاً حصلت في العام 2012 على براءة اختراع من أجل "تأمين سلامة المكاتب عبر تكنولوجيا معلوماتية خاصة بالمساحة"، وذلك في صيغة مبهمة ماهرة في إشارة إلى غطاء للأرض مزوّد بوسائل استقبال على طريقة شاشة التلفون الذكيّ ويشتغل بواسطة الرجلين. فأرضية المكان يمكن أن تتفاعل مع حضورك وتشعل الضوء عندما تعود إلى بيتك وتتعرف على الزائر انطلاقاً من وزنه أو طريقة تحرّكه. ويمكن أن تطلق جرس الانذار إذا وقع أحدهم ولم ينهض عن الأرض، وهذه تقنية يمكن أن تثير اهتمام الناس المسنّين. ويمكن التجار أن يتابعوا سير زبائنهم في المحلّ. وبمقدار ما يصبح النشاط الانساني قابلاً للتسجيل والتوظيف نتعلّم أكثر وأكثر عن العالم. نتعلّم ما لم يكن مجال لتعلمه من قبل بسبب انعدام الوسائل المألوفة والمتوفرة للقيام بقياسه.
جمع السيد مايكل بلومبرغ ثروة من صناعة المعطيات الرقمية. فليس من المستغرب إذن أن تستعملها مدينة نيويورك، وهو حاكمها، لكي تعزّز فعالية الخدمات العامة وخصوصاً من أجل التخفيف من تكاليفها. والخطة الموضوعة لحماية المدينة من الحرائق تقدم مثلاً جيداً عن هذه الخطوة.
فالمباني المقسمة بطريقة غير قانونية إلى مقاسم للإيجار تمثل خطراً أكبر للتعرّض للحريق. وتسجّل نيويورك سنوياً خمسة وعشرين ألف شكوى من مبانٍ مكتظة أكثر من اللزوم، لكن ليس فيها سوى مائتي مفتّش ليلبّوها. وفي مبنى الحاكميةانكب فريق صغير من المحلّلين على دراسة المشكلة. ومن أجل التخفيف من حدة الخلل بين الحاجات والموارد، أسّس الفريق بنك معطيات يحصي التسعمائة ألف مبنى في المدينة واستكمل هذا البنك بمؤشّرات تابعة لتسع عشرة وكالة بلدية، من لائحة الاعفاءات الضريبية إلى استعمال التجهيزات بشكل غير قانوني وانقطاع المياه أو الكهرباء والإيجارت غير المدفوعة ودورة سيارات الاسعاف ومعدل الجنح ووجود الحيوانات القوارض، إلخ. وبعدها حاول المحلّلون أن يحددوا حالات التوافق بين هذا الشلال من المعلومات والإحصاءات الخاصة بالحرائق التي وقعت في المدينة في خلال السنوات الخمس الأخيرة. ولم يكن مفاجئاً اكتشاف أنّ المباني التي حصلت على رخصة ترميم منالخارج هي التي بدت بكل وضوح أقل تعرّضاً لخطر الحريق.
وساعد تقاطع هذه المعطيات الفريق البلدي على وضع ترسيمة كفيلة بأن تحدّد المعايير التي على أساسها تتطلب الشكوى من الاكتظاظ اهتماماُ خاصاً. وما من ميزة واحدة من الميزات التي حفظها المحللون يمكن اعتبارها مسبِّبة بحدّ ذاتها للحريق. لكن عندما تؤخذ جنباً إلى جنب تصبح كلها مترابطة بشكل وثيق مع خطر متزايد في اندلاع الحريق. وملأ هذا الاكتشاف المفتّشين النيويوركيين بالبهجة، إذ في حين أنه كان هناك سابقاً 13 في المئة فقط من زياراتهم تفسح المجال لإخلاء المباني، ارتفعت النسبة إلى 70 في المئة بعد اعتماد الطريقة الجديدة.
كما أن المعطيات الضخمة يمكن أن تساهم في المزيد من الشفافية في الحياة الديموقراطية. وقد قامت حركة واسعة للمطالبة بفتح باب المعطيات السياسية (open data) التي تهدف إلى أبعد من مجرّد الدفاع عن حرية الإعلام. فالمقصود هو الضغط على الحكومات من أجل السماح بالوصول إلى كل هذه الجبال من المعطيات المكدسة، أقله تلك التي لا تُعتبر من أسرار الدولة. وتبدو الولايات المتحدة في المقدمة في هذا المجال بعد أن وضعت على الشبكة محفوظات الإدارة الفدرالية (مطهَّرة من موادّها الحساسة) على موقع data.gov. وتحذو دول أخرى حذوها.
وبمقدار ما تروّج الدول لاستعمال المعطيات الضخمة تتولّد ضرورة ملحة لحماية المواطنين من هيمنة بعض فعاليات السوق. فشركات مثل غوغل أو أمازون أو فايسبوك، ويضاف إليها الوسط الأكثر سرية وليس الأقل خطورة من "سماسرة المعطيات"، مثل شركتي أكسسيوم أو أكسبيريان، هذه الشركات تكدّس يوماً بعد يوم كميات هائلة من المعلومات عن أيّ كان وعن أي شيء. وهناك قوانين تحظّر قيام احتكارات في صناعة السلع والخدمات، مثل العقول الالكترونية أو وسائل الإعلام. وعملية الضبط هذه تنطبق على قطاعات سهلة التقدير نسبيّاً. لكن كيف يمكن تطبيق هذا القانون ضد الاحتكار على سوق هي على هذه الدرجة من التفلّت والتغيّر؟ هناك إذن خطر يتهدّد حرية الأفراد. علماً أنه كلما زادت المعطيات تكدّساً كلما صار من المحتمل استعمالها من دون موافقة أصحابها. وفي هذا صعوبة يعجز عن حلها المشرّع كما التكنولوجيا.
ومن الممكن أن تؤدّي المحاولات الجارية من أجل وضع شكل ما لقوننة السوق إلى فوضى على المسرح الدولي. فقد بدأت الحكومات الأوروبية تطالب بمحاسبة غوغل الذي صار موقعه المهيمن وانتهاكه الحيوات الخاصة يثير بعض المخاوف، وذاك على غرار شركة مايكروسفت تقريباً التي أثارت سخط المفوّضية الأوروبية قبل عشر سنوات. كما أن فايسبوك قد تصبح هدفاً للملاحقة القضائية في عدة دول بسبب الكمية الخيالية من المعلومات التي باتت تملكها عن المرتفقين بها. ومسألة معرفة ما إذا كان دفق المعلومات يستفيد من القوانين التي تحمي التبادل الحرّ تنبئ بمعارك قاسية بين الديبلوماسيين. وإذا كانت الصين ما تزال تصرّ على مراقبة استعمال محركات البحث على الانترنت إلا أنه يمكن أن نتصوّر أنها بين يوم وآخر ستلاحق بدعوى دولية، ليس فقط بسبب انتهاك حرية التعبير بل أيضاً، وربما على الأخص، بسبب المعوقات التي تفرضها على التجارة.
وفي انتظار أن تتعلم الدول اعتبار الحريات الفردية ملكية تستحق الحماية فإن صناعة المعطيات الضخمة حرّكت مجدّداً وبكل طمأنينة شخصية "البيغ براذر" (الأخ الأكبر) المستوحاة من رواية جورج اورويل المعروفة. ففي حزيران - يونيو 2013 نشرت صحف العالم كلها أنّ السيد إدوار سنودن كشف معلومات تتعلق بأعمال المراقبة التي يقوم بها مشغّله، أي وكالة الأمن القومي (NSA) وهي أهم وكالة استخبارات أميركية. فإضافة إلى الاتصالات الهاتفية، كان المقصود طلبات مراقبة محركات البحث والرسائل المنشورة على فايسبوك والأحاديث على السكايب، إلخ. وقد أوضحت السلطات الأميركية أن المعطيات، التي جُمعت بموافقة القضاء، لا تتناول إلا الأفراد "المشبوهين". لكن بما أنّ كل نشاطات وكالة الأمن القومي تبقى سرية فلا أحد قادر على التحقّق من ذلك.
تُبرز قضية سنودن قدرة الدول في مجال المعطيات. فجامعو ومستغلو المعطيات الرقمية يهددون عملياً بإحداث شكل جديد من التوتاليتارية لا تختلف كثيراً عن الفانتازيا القاتمة في أفلام الخيال العلمي. ففيلم "مينوريتي ريبورتMinority report " الذي أخرج في العام 2002، والمقتبس من قصة فيليب ك. ديك، يتخيّل الواقع المرير لعالم المستقبل المحكوم بديانة الاستباق التنبّؤية. فالبطل، ويلعب دوره توم كروز، يقود وحدة بوليسية قادرة على توقيف مرتكب جريمة حتى قبل أن تقع هذه الجريمة. ولكي يعرف رجال الشرطة أين ومتى وكيف يجب أن يتدخلوا، يستعينون بمخلوقات غريبة تتمتع برؤيا يفترض أنها لا تخطئ. وتكشف الحبكة عن الأخطاء التي يمكن أن تقع في هذا النظام والأسوأ، نفيه لمبدأ حرية الاختيار.
اكتشاف المجرمين حتى قبل أن تقع الجريمة، فكرة فيها شيء من الجنون. لكن بفضل المعطيات الضخمة باتت تؤخذ على محمل الجدّ في اعلى دوائر الحكم. ففي العام 2007 أطلق قسم الأمن الداخلي، وهو نوع من وزارة لمكافحة الإرهاب أنشاه في العام 2003 السيّد جورج دبليو بوش، مشروع بحث مخصّص لاكتشاف "إرهابيين محتملين"، هم اليوم بريئون لكن غداً سيتحولون إرهاببين حكماً. وهذا البرنامج، المسمّى "تكنولوجيا اكتشاف المواصفات المستقبليةFAST"، يقضي بتحليل كل العناصر المتعلقة بسلوك الشخص المعني وبتعبير جسده وخصوصياته الفيزيولوجية، إلخ. فقارئو البخت اليوم ما عادوا يقرأون في ثفل القهوة بل في كمبيوترات معالجة المعطيات (2). وفي عدد من كبريات المدن مثل لوس انجلوس وممفيس وريتشموند وسانتا كروز اعتمدت قوات حفظ المن كمبيوترات لـ"فرض الأمن استباقيّاً"، وهي قادرة على معالجة المعلومات عن جرائم سابقة لكي تكون فكرة عن أين ومتى يمكن أن تحدث الجرائم القادمة. وفي الوقت الحالي لا تساعد هذه الأنظمة في اكتشاف المشبوهين. لكن لن يكون مفاجئاً أن تنجح في ذلك يوماً ما.
لكن يحدث أن يعض المسؤولون الأميركيون أصابعهم ندماً لأنهم راهنوا على النتائج الأكيدة للأرقام. فروبرت ماكنمارا، وزير الدفاع في عهد جون كينيدي وليندون جونسون، لم يكن يحكي إلا بالأرقام لكي يقيّم أنجازات قواته في فييتنام. وكان مع فريقه يتدارسون الخطّ البياني لعدد الأعداء الذين تمّ القضاء عليهم. وإذ كانت نتيجة تعداد جماعة الفيتكونغ الذين قتلوا تبلّغ إلى القادة من باب التوبيخ أو التشجيع، وتنشر يومياً في الصحف، ففقد أصبحت المعطى الرئيسي لاستراتيجيا ما ورمزاً لحقبة. فلمؤيّدي الحرب كان يؤكّد أن النصر قريب. ولمعارضيها كان يأتيهم بالدليل على أنّ الحرب هي عمل مخزٍ. لكن الأرقام كانت في غالب الأحيان مغلوطة ولا علاقة لها بالواقع على الأرض. وليس لنا إلا أن نبتهج عندما يأتي تفسير المعطيات ليؤكد تحسذن ظروف حياة معاصرينا، لكن يجب ألا يدفعنا هذا إلى المراهنة على منطقه السليم.
تترك معالجة القضايا الكبرى على مستوى الكوكب إلى المستقبل، ذاك انها ستحدث حتماً، للأفضل أو للأسوا. فمكافحة التسخن المناخي مثلاً يفرض تجميع كل المعلومات المتوفرة عن ظواهر التلوّث بغية تحديد المناطق التي يجب التدخل فيها قبل غيرها. فعندما نملك لواقط حول الكرة الأرضية كلها، وضمناً في الهواتف الذكية لملايين مستعمليها نساعد علماء المناخ على إعداد النماذج الأكثر موثوقية والأكثر دقة.
لكن في عالم باتت فيه المعطيات الضخمة توجّه أكثر فأكثر وبشكل وثيق جداً ممارسات الأقوياء وقراراتهم، فما هو الموقع المتبقي لحياة البشر المشتركة وإلى المنشقّين عن الطغيان الرقمي أو لأي واحد يمشي بعكس التيار؟ فإذا كانت عبادة الأدوات التكنولوجية تفرض نفسها على الجميع فمن الممكن، في حالة عكسية، أن تكتشف البشرية فضائل جهل المستقبل (عدم توقّعه)، مثل الغريزة والمجازفات والحوادث الطارئة وحتى الخطأ. فيمكن عندها أن تتولد الحاجة إلى الحفاظ على حيّز يقف فيه الحدس والحسّ السليم وتحدّي المنطق ومصادفات الحياة معاندة في وجه حسابات الكمبيوترات.
إن استمرارية مفهوم التطوّر هو رهن بالوظيفة التي تعطى للمعطيات الضخمة. فهي تسهّل الاختبار والاستثمار لكنها تبقى عاجزة عندما يصل الأمر إلى الإبداع. فلو أن هنري فورد سأل في حينه العلوم الحسابية المعلوماتية ليقدّر ما يصبو إليه المستهلكون لكان من المحتمل أن يأتيه الجواب: "جيادٌ أسرع!".
..................................................
Viktor Mayer-Schonberger et Kenneth Cukier
- أُخذ هذا المقال من كتابهما:
Big Data: A Revolution That Will Transform How We Live, Work, andThink, Houghton Mifflin Harcourt, Boston, 2013.
وبإذن تلطّفت به دار:
Houghton Mifflin Harcourt Publishing Company
(كل الحقوق محفوظة).
..................................................
اقرأ:
Jeremy Ginsberg, matthew H. Mohebbi, Rajan S. Patel, Lynette Brammer, Mark S. Smolinski et Larry Brillant, “ Detecting influenza epidemics using search engine query data”,Nature, n 457, Londres, 19 fevrier 2009.
اقرأ:
Pablo Jensen, “Simulation numérique des conflits sociaux”, Le Monde diplomatique, avril 2013.



© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)