تكوَّن لدى الباحث عبر استعراض فصول دراسته الخمسة -هي مكونات هذه الدراسة- عدد من النتائج والملاحظات تعلقت بفرضيات دراسته، والتي يمكن إبراز أهم ملامحها على النحو التالي:
فقد لاحظت الدراسة -من ناحية أولى- أنه كان ولايزال للثورة التكنولوجية دور في تسريع وتيرة التغير في كل أبعاد الحياة داخل المجتمع الدولي، وما كان لذلك من دور في تغيُّر: طبيعة العلاقات الدولية وبيئتها وأطرافها، عناصر القوة والصراع والأمن، حركة التفاعلات، حجم الفاعلين داخل النظام الدولي. وتحولت البيئة الدولية إلى بيئة تمثل فيها المعلومات والمعرفة والأفكار مصدرًا إستراتيجيًّا للقوة على جميع مستوياتها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
أصبحت ظاهرة الفضاء الإلكتروني تشهد نشاطًا مميزًا عن النشاط الذي يمارسه الإنسان في باقي المجالات الأخرى كالبر والبحر والجو والفضاء الخارجي، وأصبح لهذا الفضاء دور فاعل في التأثير بدرجة أو بأخرى في تغيير طبيعة القوة ومصادرها واستخدامها في العلاقات الدولية. وأيضًا باعتباره وسيطًا في تقديم الخدمات المدنية في مجالات: الاتصالات، خدمات الطوارئ، الصفقات المالية، التجارة، خدمات الحكومة الإلكترونية، وفي عمل البنية التحتية الكونية للمعلومات التي يتزايد الاعتماد الدولي عليها. وارتقى ذلك التطور ليصبح للفضاء الإلكتروني دور وأهمية إستراتيجية تجري به جميع تفاعلات ومصالح المجتمع الدولي قاطبة على كل من الصعيد الاقتصادي والسياسي والثقافي والأمني والاجتماعي، والتي ارتبطت بظهور مجتمع المعلومات العالمي.
إلى جانب ما مثّله ذلك من استخدام سلمي ذي طابع مدني، ظهرت استخدامات غير سلمية أخرى للفضاء الإلكتروني باستغلاله ساحةً جديدةً للصراع الدولي ووجهًا آخر للنزاعات التقليدية التي تخوضها الدول أو الحركات الراديكالية على خلفيات دينية أو عرقية أو أيديولوجية أو حتى مصلحية. وأخذت تلك الصراعات الإلكترونية تستخدم السبل كافة في شكل ظاهرة الإرهاب الإلكتروني من خلال التزاوج ما بين تكنولوجيا الاتصال والمعلومات والإرهاب والحرب؛ ليعبر ذلك عن إحدى القضايا الدولية المعقدة في العصر الحديث، ليس فقط في الإشكاليات التي تفرضها، ولكن أيضًا في التكتيكات والإستراتيجيات والتحديات أمام جميع الفاعلين من الدول والجماعات والأفراد.
أصبح الفضاء الإلكتروني عالمًا موازيًا للواقع المادي بكل تعقيداته وأطرافه ومشكلاته، بما له من انعكاس على البيئة الأمنية الدولية وعلى مجتمع المعلومات العالمي. وليحمل معه ظهور أنماط جديدة من التهديدات غير التقليدية، التي كان من أبرزها: التغيُّر الحادث في نمط استخدام القوة وتحولها في العلاقات الدولية، وذلك في مقابل القوة الصلبة التقليدية التي كانت محور قواعد وأطر القانون الدولي، واستُبدلت بها القوة المرنة ذات الطابع الإلكتروني التي لا تخضع لأي أطر قانونية واضحة.
جاء ذلك متواكبًا مع إمكانية استخدام تلك القوة الجديدة بوصفها أداة من أدوات الصراع الدولي، وعبر ميدان جديد للصراع هو الفضاء الإلكتروني. وشكَّل ذلك أحد التحديات التي تواجه دوره وأهميته القصوى للمجتمع الدولي على الأصعدة كافة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وعبَّر ذلك الصراع الجديد عن الواقع التكنولوجي للنظام الدولي، وليعيد ذلك الاعتبارَ لقضية العلاقة بين التكنولوجيا والأمن؛ حيث جاء الصراع في عصر المعلومات متكيفًا مع بيئته التكنولوجية الجديدة، ويشهد تغيرًا في طبيعته وآثاره والفاعلين على الساحة العالمية.. مع تراجع مفهوم سيادة الدولة، وتهاوي الاعتبارات الجغرافية والجيوسياسية والزمنية.
أصبح الفضاء الإلكتروني شأنه شأن ظاهرة الفضاء التقليدية التي تتألف من أربعة مكونات رئيسة، هي: المكان، المسافة، الحجم، المسار. ويعبِّر محتواها عن طبيعة وجود هذا المحتوى. ويتميز هذا الفضاء الإلكتروني بـ: غياب الحدود الجغرافية، غياب الحكم القاهر لعنصر الزمن والمكان.. مع اتساعه دوليًّا وزيادة حجم الفاعلين من خلاله. وقد مثَّل بذلك بيئة إستراتيجية وساحة جديدة إما لنقل الصراعات من خلاله أو استخدامه نفسه وسيلة من وسائل الصراع، والذي يُعَدُّ امتدادًا طبيعيًّا للصراع بشكله المادي. إلى جانب تأثير ذلك على الطابع السلمي للفضاء الإلكتروني، والذي يعبر عن فيض رقمي من المعلومات لا يعتمد كليًّا على البيئة المحسوبة التي توفرها شبكات المعلومات، بل تتعامل أيضًا بكثافة مع مفرداته. ويتعلق أهمها بالعنصر البشري، في ظل بروز البيئة الإلكترونية.
يتميز الصراع الإلكتروني بأنه صراع يحوي تدميرًا، لكن ليس فيه -بالضرورة- دماء وأشلاء، فيه تجسس وتسلل ثم نسف، لكن بلا دخان ولا أنقاض ولا غبار. ويتميز أطرافه بعدم الوضوح، وتكون تداعياته خطيرة سواء عن طريق تدمير المواقع على الإنترنت ونسفها وقصفها بوابل من الفيروسات أو العمل على استخدام أسلحة الفضاء الإلكتروني المتعددة والمتنوعة للنيل من سلامة أمن الفضاء الإلكتروني. وتتميز تلك الأسلحة بسهولة الحصول عليها وتعلُّم كيفية استخدامها وتطويرها.. مع وجود تنوُّع في الأدوات والآليات من حاسبات إلكترونية إلى هواتف محمولة وغيرها، والتي دخلت في مجالات التطبيق في كل مجالات الحياة.
يسهِّل انتشار الفضاء الإلكتروني الدخول عليه واستخدامه من طرف أي فاعل داخل مجتمع المعلومات العالمي، وبما يساعد على توسيع دائرة الهجوم على الأهداف الحيوية، وفي الوقت نفسه زيادة عدد المهاجمين، فضلا عن طبيعة تلك الهجمات المتبادلة على نحوٍ من الكرِّ والفرِّ؛ ليعبر ذلك عن حالة صراع ممتد يرتبط توظيفه ما بين دافع أيديولوجي وسياسي واقتصادي وإعلامي.
ويُعَدُّ الصراع الإلكتروني حالة سببها تعارُّض حقيقي أو متخيَّل للاحتياجات والقيم والمصالح في بيئة يكون وسيطها الفضاء الإلكتروني؛ حيث يشهد حركة التفاعلات بين مختلف أنواع الصراعات. وينشب الصراع الإلكتروني من كل أنواع البيئات الأخرى غير المتصلة بالفضاء الإلكتروني، وتؤثر فيه شتى النزاعات بين جميع الفاعلين من دول وأفراد وجماعات. ويأخذ كل الأشكال، ما بين صراع سياسي وقانوني وتجاري وصناعي وتكنولوجي وغيرها، بما يعكس مجالات الحياة كافة.
وما الصراع الإلكتروني إلا صراع تحركه دوافع سياسية، ويتميز بنمطين: نمط عنيف يتم فيه استخدام قدرات هجومية ودفاعية عبر الفضاء الإلكتروني؛ بهدف إفساد النظم المعلوماتية والشبكات والبنى التحتية باستخدام أسلحة وأدوات إلكترونية عبر الفضاء الإلكتروني من قِبل أحد الفاعلين داخل مجتمع المعلومات العالمي. وهناك نمط آخر للصراع الإلكتروني يتميز بطبيعته المرنة، عن طريق: الصراع والتنافس حول الحصول على المعلومات، التأثير في المشاعر والأفكار، شنِّ حرب نفسية وإعلامية.
من ناحية أخرى أصبح للفضاء الإلكتروني دور في إحداث التحوُّل والتغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل النظام الدولي؛ وذلك بـ: تعزيز الانفتاح السياسي والتحوُّل الديمقراطي، ظهور ما يُعرف بـ"الديمقراطية الرقمية"، تشجيع حدوث التغيُّر داخل النظم السياسية الدولية، تشكيل قضايا الرأي العام العالمي، زيادة عدد المساهمين في تشكيله على المستويين المحلي والدولي. وأصبح للفضاء الإلكتروني دور في: إحداث تغيُّر في طبيعة المؤسسات الدولية الحكومية وغير الحكومية والمجتمع المدني العالمي، دفع معدلات النمو الاقتصادي، تزايد دور المجتمعات المحلية في السياسة الدولية والتي تأخذ صيغة تجمعات إلكترونية، إعداد مشتركين بالملايين على مستوى العالم.
ظهر الدور الإيجابي أيضًا للفضاء الإلكتروني في العمل على تقليل حدة الصراعات من خلال ما يُطلَق عليه "الدبلوماسية الإلكترونية" التي تُعنى بـ: نشر مبادرات السلام، تعزيز الحوار والتعاون بين دول العالم، الانفتاح العالمي على الثقافات المختلفة. وكذلك عمل الفضاء الإلكتروني على زيادة الوعي العالمي بالخسائر الناجمة عن الصراعات وأثرها على المجتمع الدولي. وبما يعمل على خلق رأي عام دولي يدافع عن خيار السلام وليس خيار الحرب من خلال: الدبلوماسية الافتراضية، تعزيز الدبلوماسية الشعبية، القدرة على التأثير في الرأي العام العالمي.
جعلت تلك التحديات التي يواجهها الفضاء الإلكتروني قضية أمنه تدخل ضمن إستراتيجيات الأمن القومي للدول، خاصة بعد: أحداث 11 سبتمبر 2001، انتشار موجة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات عالميًّا وزيادة الاعتماد الدولي عليها في البنية التحتية الكونية للمعلومات. وجاء ذلك متزامنًا مع ضعف الحماية في مواجهة تلك الأخطار تبعًا لخصائصها المتغيرة وفق: العامل الإنساني الذي يتعامل معه، عدم وجود أطر قانونية واضحة تحكم ظاهرة الفضاء الإلكتروني وتنظم حقوق وواجبات الدول تجاهها داخل النظام الدولي. وأصبحت عملية تنمية القدرات في مجال الفضاء الإلكتروني من العناصر الأساسية للحرب، وأصبحت ركيزة أساسية للاستقرار السياسي على المدى الطويل، وظهر التداخل بين ما هو مدني وما هو عسكري.
أصبحت القوى والأطراف المتعارضة أقلَّ اعتمادًا على تسوية خلافاتها داخل النطاق الطبيعي المادي، ولكنهم اتجهوا إلى نقل صراعاتهم إلى الفضاء الإلكتروني، ليس فقط بين الدول، بل بين أطراف عدة. وذلك نظرًا لما يتيحه الفضاء الإلكتروني من أدوات جديدة للصراع وأسلحة غير تقليدية متنوعة ورخيصة وسهلة الاستخدام. ويكشف ذلك في الوقت ذاته عن دورٍ لقوة جديدة ذات طابع ليِّن يمكن أن يُطلَق عليها "القوة الإلكترونية cyber power" التي أصبحت تُستخدم على نطاق واسع وممتد باتساع الفضاء الإلكتروني. وظهر استخدام تلك القوة على نحو غير سلمي تعبيرًاً عن حالة الصراع بين الفاعلين من الدول أو من غير الدول داخل مجتمع المعلومات العالمي، وبما مثَّل انتهاكا للطابع السلمي للفضاء الإلكتروني وشكلا جديدًا من أشكال استخدام القوة في العلاقات الدولية، تلك القوة التي انتقلت من طابعها المادي إلى طابع إلكتروني وتتحرك ويتم استخدامها وينتج عنها الإضرار بالمصالح الإستراتيجية الدولية.
انعكس ذلك على مصادر القوة وموازينها وطرق توزيعها، والتي أصبحت تعتمد بدرجة أقل على التمسك بالأرض أو القوة العسكرية أو الموارد الطبيعية، وذلك مع بروز "القوة المرنة Soft power" مقابل تراجع "القوة الصلبة Hard power" في العلاقات الدولية. وأصبح المبدأ الإستراتيجي للاستحواذ على القوة هو العمل على الحصول على مزايا تنافسية بين الفاعلين في المجال المعلوماتي والتكنولوجي.
تحولت القوة من قوة تعتمد على قوة النيران إلى قوة المعلومات، ثم إلى قوة تعتمد على الذكاء البشري. وأصبح الفضاء الإلكتروني لا يختلف عن المجالات الأخرى كالجو والبر والبحر فيما يتعلق بمبادئ الحرب وخصائص القوة؛ حيث تسري في الفضاء الإلكتروني العقيدة العسكرية ذاتها بوصفه مجالا جديدًا للاستحواذ على القوة بشتى أنواعها.
أن هجمات الفضاء الإلكتروني هي أقرب ما يكون لنعتها بالإرهاب عن كونها عملا حربيًّا، وذلك على الرغم من أن العمل الحربي قد يكون عبارة عن مجموعة أعمال إرهابية. وتعتمد تلك الهجمات على الضربات الاستباقية، التي يمكن أن يقوم بها أفراد وجماعات ودول، وكذلك على تميُّزها بخصائص تعتمد على: عنصر المفاجأة والمباغتة، بثِّ الخوف والترويع، تبادل هجمات الكرِّ والفرِّ. ومن ثم يمكن تسمية كل هجمات الفضاء الإلكتروني بالإرهاب، في إطار الاستخدام غير السلمي للفضاء الإلكتروني، والذي أصبح قضية تهدد الأمن الدولي.
يرجع ذلك الطرح للطابع الدولي للظاهرة وخصائصها التي تتعلق بخمسة أبعاد: البعد الأول منها هو البعد التكنولوجي الذي يتعلق بالشبكات وتكنولوجيا المعلومات. والبعد الثاني أنها قضية تنموية؛ لأن خدمات تكنولوجيا الاتصال والمعلومات تحتاج إلى الأمان وتعتمد على الشبكات في عملها. والبعد الثالث أنها قضية اقتصادية تتعلق بالإبقاء على حالة الأعمال والمزايا الاقتصادية. والرابع يتعلق بكونها قضية قانونية تتعلق بالتعامل مع الجريمة والإرهاب وأهمية التوصيف القانوني للتهديد لتسهيل عملية معالجتها قانونًا. أما البعد الخامس فيتعلق بعلاقة الإرهاب الإلكتروني بالأمن القومي، وما يتطلبه من أهمية توافر حماية للبنية التحتية الكونية للمعلومات.
وجاءت عملية التطور المستمر في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات متواكبة مع بروز أهمية الفضاء الخارجي من ناحية، وزيادة تداخله مع الفضاء الإلكتروني من ناحية أخرى. وبما عمل على زيادة أهمية دور الأقمار الصناعية في الحرب والاتصال أو الإرهاب، وبما يعيد الدفع بقوةٍ لتنافس دولي وعسكرة في الفضاء الخارجي في المستقبل المنظور. ويأتي هذا متوافقًا مع زيادة الدول التي تمتلك قدرات فضائية، وكذلك التوجه العالمي للاتصال عبر الأقمار الصناعية والإنترنت اللاسلكية بدلاً من الشبكات والكابلات البحرية التي تعاني مشكلات الانقطاع.
وتوجد عدد من الإشكاليات التي تعترض تحديد مفهوم الإرهاب الإلكتروني الذي يتداخل مع مفاهيم أخرى كـ: الجريمة الإلكترونية، حرب المعلومات، الاحتجاج الإلكتروني، ما يسمى المقاومة الإلكترونية، وكذلك تداخُّل الدوافع بين ما هو سياسي وما هو إجرامي. فضلا عن الاختلاف العالمي حول تحديد مشروعية الفعل الإرهابي، وأن ما يجمع الإرهاب الإلكتروني والمقاومة أو الجهاد الإلكتروني أنهما شكل من أشكال الحرب عبر الفضاء الإلكتروني، ولكن الجهاد الإلكتروني يتميز بأنه يستند إلى أسس أيديولوجية ودينية لتحقيق أهداف محددة.
وأن هجمات الفضاء الإلكتروني تزيل هذا الارتباك؛ حيث يتميز الفعل بطبيعة وخصائص واحدة تدفع إلى نعته بالفعل الإرهابي الذي لا يُعَدُّ الحكم عليه أخلاقيًّا بقدر ما هو حكم تقني وفني يرتبط بخصائص مفهوم الإرهاب في حالة تطبيقه على الاشكال الاخري التي تعبر عن استخدام العنف وتسطير على كينونة الفعل وطرق تنفيذه وآثاره، وما يتعلق بمشكلات تحديد ماهية مفاهيم الحرب والسلام والعدوان والهجوم المسلح.
وللخروج من هذا الجدل لصياغة تعريف لما قد يعنيه الإرهاب الإلكتروني بأنه "نشاط أو هجوم متعمد ذو دوافع سياسية بغرض التأثير على القرارات الحكومية أو الرأي العام باستخدام الفضاء الإلكتروني بوصفه عاملا مساعدًا ووسيطًا في عملية التنفيذ للعمل الإرهابي أو الحربي، أو من خلال ما يُعَدُّ تأثيرًا معنويًّا ونفسيًّا من خلال التحريض على بثِّ الكراهية الدينية وحرب الأفكار، أو أن يتمَّ في صورة رقمية من خلال استخدام آليات الأسلحة الإلكترونية الجديدة في معارك تدور رحاها في الفضاء الإلكتروني، والتي قد يقتصر تأثيرها على بعدها الرقمي، أو قد تتعدى لتصل إلى إصابة أهداف مادية تتعلق بالبنية التحتية الحيوية".
يعني الإرهاب الإلكتروني كذلك "العدوان أو التخويف أو التهديد ماديًّا أو معنويًّا باستخدام الوسائل الإلكترونية الصادرة من الدول أو الجماعات أو الأفراد عبر الفضاء الإلكتروني، أو أن يكون هدفًا لذلك العدوان، بما يؤثر على الاستخدام السلمي له". ويأتي الإرهاب الإلكتروني أيضًا في صورة القيام بهجوم طبيعي عن طريق: استخدام الأسلحة التقليدية في مهاجمة كابلات الاتصال ونقاط الإنترنت الرئيسة ومحطات البث، أو عن طريق القيام بهجوم باستخدام الطاقة الكهرومغناطيسية ضد أجهزة الكمبيوتر أو البيانات بداخلها بما يؤثر على عملها، أو شنِّ الهجمات باستخدام أسلحة الفضاء الإلكتروني المتنوعة وسهلة الاستخدام وعظيمة الأثر في الإضرار بمصالح المجتمع الدولي.
مثَّل ذلك بيئة إستراتيجية لنمو وبروز أشكال جديدة من الصراع داخل الفضاء الإلكتروني، وهي تتعلق إما بمحاولة إحكام السيطرة على الفضاء الإلكتروني، أو العمل على توظيفه للاستخدام غير السلمي من جانب العديد من الفاعلين أو حلبة للتنافس السياسي والاقتصادي والعسكري والإعلامي. ومثَّل ذلك الصراع في الفضاء الإلكتروني نموذجًاً آخر ذا طابع رقمي مختلفًا عن النزاعات التقليدية التي تخوضها الدول أو الحركات الراديكالية على خلفيات دينية أو عرقية أو أيديولوجية.
أصبح لجميع الفاعلين داخل مجتمع المعلومات العالمي الإمكانية والقدرة على شنِّ تلك الهجمات بعيدًا عن دور الدول، بما أسهم في إيجاد فوضى في استخدام الفضاء الإلكتروني، عبر شكل جديد من استخدام القوة في الفضاء الإلكتروني، وأثر ذلك على طبيعة القوة المسلحة. ويأتي هذا مع خطر انتقال ساحة المواجهة في الصراع من الفضاء الواقعي إلى الفضاء الإلكتروني، ليصبح هناك عالم آخر بديل لما يدور على ارض الواقع، كوجود مواقع إنترنت متصلة بالأهداف الإستراتيجية والمرافق الحيوية يمكن ضربها، كما يمكن الدفاع والمقاومة لتظهر حرب جديدة بدون إراقة للدماء ولتمثل سلاحًا جديدًا وفاعلين جددًا يتميزون بالتنوُّع مع انتشار الفضاء الإلكتروني الذي هو أوسع من الإنترنت.
على الرغم من تنوُّع الفاعلين في الفضاء الإلكتروني باتساعه وخصائصه من الدول والأفراد والجريمة المنظمة أو من يبحثون عن الشهرة والقرصنة، فإنه يقدِّم نموذجًا للفاعلين من غير الدول، مثل: استخدام الجماعات الإرهابية للفضاء الإلكتروني. وهناك نموذجًا للفاعلين من غير الدول، هو "تنظيم القاعدة". وهو الذي استخدمه في التجنيد والحشد والتعبئة والتمويل والتنظيم وجمع المعلومات والتنسيق وإضفاء الطابع الدولي على نشاطه والتأثير في الرأي العام العالمي، ونجاحه في نقل ساحة المواجهة مع الولايات المتحدة من الفضاء الواقعي للفضاء الإلكتروني. وقد غلب على استخدام تنظيم القاعدة للفضاء الإلكتروني كوسيلة إعلام دولية الطابع في مقابل ضعف اهتمامه بتطوير أسلحة أو استخدام هجمات الفضاء الإلكتروني، ولكن هذا الاهتمام قد يتصاعد في المستقبل.
وأنه على الرغم من سعي الجماعات الإسلامية إلى أن تصبح قوة إلكترونية مهمة قادرة على إنزال الأضرار الجسيمة وأكثر بكثير من تلك التي قد يسببها هجوم إرهابي تقليدي، فإن هناك فجوة كبيرة بين طموحات تلك الجماعات وقدراتهم الفعلية على تحقيق هذه الطموحات. ورغم أنهم يدّعون نيتهم ورغبتهم في مهاجمة أهداف اقتصادية مهمة وأنظمة حكومية على الشبكة الإلكترونية ومواقع حساسة أخرى؛ بهدف تقويض الاقتصاد الغربي بشكل كامل، فإن شبكات المواقع الإسلامية لم تقدِّم أي أدلة إلى الآن على أن هجماتٍ من هذا النوع قد تم تنفيذُها. في حين يظهر لنا أن معظم المواقع التي هاجمها الإسلاميون كانت مواقع فاسدة أخلاقيًّا أو معادية للإسلام. إضافة إلى ذلك، فإن معظم الهجمات التي تمَّ تنفيذُها استُخدمت فيها طرق وأساليب غير متطورة، مما يعني أن هذه الطرق لا تشكل خطرًا فعليًّا ومهمًّا على المصالح الاقتصادية الغربية، أو البنية التحتية الحساسة لهذه الأنظمة.
على الأقل في هذه الفترة، لايزال الأمر يشكل إزعاجًا أكثر منه تهديدًا فعليًّا. ومن المتوقع أن يزداد قوة في المستقبل، خاصة أن قدرة المهاجمين على الدخول إلى شبكات الأنظمة الأمنية الحساسة وازدياد التواصل وتبادل الخبرات بينهم ستضيِّق من الفجوة بين أهداف هذه المجموعات وقدراتها الفعلية على تنفيذ أهدافها. بالإضافة إلى تحوُّل الجماعات الإرهابية من العمل الفردي إلى العمل الجماعي المنظم عبر الفضاء الإلكتروني.. مع انتشار الدخول للفضاء الإلكتروني عالميًّا وبما يشكل زيادة في خطورة تعرُّض الشبكات الإلكترونية والبنية التحتية الكونية للمعلومات للخطر.
وهناك نماذج لحالة استخدام الفاعلين من الدول للفضاء الإلكتروني في تطوير أسلحة إلكترونية، بل سعي الدول إلى تطوير ترسانة أسلحة إلكترونية وتخصيص ميزانيات لتطويرها، وبما يجعل العالم بصدد ظهور سباق تسلح الكتروني جديد .. بالإضافة إلى استخدام الفضاء الإلكتروني في عمل أجهزة الاستخبارات الدولية، ودوره المؤثر على عملها بتوفير بيئة جديدة لها وفاعلين جدداً وأدوات جديدة، وبما شكَّل ميزة إستراتيجية في تجنيد العملاء أو سرقة الأسرار، وشنِّ الحرب النفسية من خلال: نشر معلومات وبيانات مضللة، أو التحريض على الكراهية الدينية، أو التأثير على الرأي العام من أجل دفعه لموقف معين من خلال المنتديات الحوارية وبرامج الدردشة.
قد يقف جهاز استخبارات خلف موقع يبدو أنه معادٍ، ولكنه يستغله لـ: جذب المتعاطفين معه، جمع معلومات عنهم وفهم أفكارهم، الدعاية والترويج لسياسة الدولة عن طريق مواقع الإنترنت التي تتبناها أجهزة الاستخبارات بشكل مباشر أو وقوفها بشكل خفي خلف مواقع أخرى (التي غالبًا ما تكون مواقع خدمية كتلك التي تقدم خدمات بريدية أو دردشة عبر الإنترنت أو خدمة تنزيل البرامج المجانية)، المساعدة في جمع المعلومات الخاصة بالدول أو الجماعات المعارضة لها والتنقيب عنها سواء في الداخل أو الخارج بهدف: المساعدة في خلق رؤية واتجاه عام لديها بخصوصها والتعامل معها؛ الاستفادة من الإنترنت والاتصالات في خلق شبكة عملاء دوليين خارج حدود الدولة، المساهمة في إمدادها بشبكة معلومات عن الدولة التي يقيمون بها، تجنيدهم عن طريق مباشر بالإعلان عن حاجتها لمثل تلك الشبكات.
قد تستخدم الدول الإرهاب الإلكتروني أداةً في الصراع مع غيرها من الدول أو ضد فاعلين من غير الدول، أو قد تستخدمه لدعم جماعات ضد جماعات أخرى داخل الدولة أو بين جماعات عبر الحدود. وقد تمارس الدولة الإرهاب الإلكتروني على مواطنيها في صورة حجب مواقع الإنترنت أو انتهاك الخصوصية وحرية الرأي والتعبير.. بالإضافة إلى استخدام الفضاء الإلكتروني أداة للرقابة والتجسس على الدول والأفراد والجماعات، وتطوير أساليب جمع المعلومات. ويتميز ذلك الصراع بأهمية الطابع الفردي والمهارة الشخصية في استخدام الفضاء الإلكتروني للتنافس السياسي والاقتصادي والتجاري والعسكري والعلمي.
وتقسِّم أنماط الصراع داخل الفضاء الإلكتروني إلى نمطين: الأول، نمط الحرب الباردة، بمعنى الصراعات منخفضة الشدة التي تعبر عن صراعات اجتماعية ممتدة على أسس عرقية ودينية كـ: الصراع العربي-الإسرائيلي، الصراع ما بين الهند وباكستان حول كشمير، أو في حالة الخلاف بين روسيا وإستونيا في ابريل و مايو من العام 2007.. بالإضافة إلى صراعات ذات طابع تجاري وعلمي للحصول على السيادة والنفوذ. ويتميز هذا النوع من الصراع بأنه لا يتطور بالضرورة لمواجهة عسكرية تقليدية، ومثال ذلك حالة الصراع ما بين الصين والولايات المتحدة أو ما بين روسيا والغرب.
أمَّا النمط الآخر من الصراع الإلكتروني فيرتبط بنمط الحرب الساخنة أو الصراعات عالية الشدة، التي يكون فيها الصراع تعبيرًا عن حالة الصراع الآنية التي تكون ممتزجة باستخدام القوة التقليدية. ويتمُّ في شكل سلوك عنيف بـ: شنِّ هجمات إلكترونية ضد مواقع دولة معينة، أو قصف مادي مباشر للكابلات وخطوط الاتصال، أو استخدام القنابل الإلكترونية التي تشلُّ عمل الأجهزة، كما حدث في: الحرب ما بين يوغوسلافيا وحلف الناتو في العام 1999، الحرب الأمريكية على العراق في مارس من العام 2003، الحرب بين حزب الله وإسرائيل في يونية من العام 2006، الحرب الجورجية-الروسية في أغسطس من العام 2008.
أصبح الفضاء الإلكتروني وسيطًا للأعمال العدائية وعنصرًاً من عناصر القوة، يتمُّ استخدامها في حالات الدفاع أو الهجوم من قِبل جميع الفاعلين داخل مجتمع المعلومات العالمي. وتتسع عمليات هجمات الإرهاب الإلكتروني، وتتمدد ميدانيًّا لتطال الفاعلين كافةً. ويتم تجاوزُ الحدود الفاصلة بين ما هو مدني وما هو عسكري وما بين حالة الحرب وحالة السلام، وبما يجعل صراع الفضاء الإلكتروني وحرب المعلومات الأقل عنفًا ودموية عن الحروب التقليدية، وهي التي ستشكل أنماط حروب المستقبل وإحداث ثورة في الشئون العسكرية.
كما أن هذا النوع من الهجمات أو الصراع لا توجد له جبهة قتال محددة، بل تتسع جبهته باتساع الفضاء الإلكتروني. وإن الخطر غير الملموس لهجمات الفضاء الإلكتروني يكمن في أنه يُحدث ضررًاً أشد من الهجمات ذات الطابع المادي في الحروب التقليدية معلومة الملامح. في مقابل أن تدمير البنية التحتية للمعلومات تنتج عنه آثار غير ملموسة أو مرئية يصعب التعامل معها، مما يجعلها أقرب للعقوبات الاقتصادية في وقت السلم.
فرض ذلك إشكاليات قانونية؛ حيث إن القانون الدولي قد تعامل مع حظر استخدام القوة الصلبة التقليدية أو التهديد بها، في حين أن تلك القوة الجديدة "الإلكترونية" لا يوجد تكييف قانوني واضح لاستخدامها أو فرض قيود عليها أو تحدد ما هو استخدام مشروع أو غير مشروع لهذا النمط الجديد من القوة. ومن ثمَّ ظهرت فجوة تشريعية ما بين الأطر القانونية الدولية الحالية والموقف من استخدام هذا النمط الجديد من استخدام القوة، إلى جانب إشكالياتٍ تتعلق بطبيعة الهجوم الإلكتروني.
يرجع ذلك إلى أن التطورات التكنولوجية أدت إلى تحدي التغيير في قدرة الأطر القانونية الدولية الحالية على التعامل مع الظواهر التي فرضتها ظاهرة الإرهاب الإلكتروني التي فاقت في تطورها القدرة على صياغة إطار قانوني للتعامل معها، وبما شكَّل تحديًّا جديًّا للقانون الدولي؛ حيث غابت أطر قانونية واضحة للتعامل مع استخدام القوة في الفضاء الإلكتروني، أو تحديد استخداماته السلمية وغير السلمية، وعلاقة ذلك بمبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية الوارد في المادة 2 فقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة، ومدى إمكانية أن يتم تطبيق ذلك على هجمات الإرهاب الإلكتروني. وبما تطلب ضرورة التعامل وصياغة الأطر القانونية التي تحكم استخدام الفضاء الإلكتروني، شأنه في ذلك شأن غيره من المجالات التي يمارس فيها الإنسان نشاطه كالبر والبحر والجو والفضاء الخارجي؛ بحيث تحكمه القواعد العامة التي تحقق صالح المجتمع الدولي.
يفرض ذلك أهمية مواءمة الفضاء الإلكتروني بتقدُّم قانوني آخر يواكبه ويحافظ عليه ويكفل حمايته ويضع الحلول لما يطرأ عليه من مشكلات بسبب استخدامه؛ حتى يصبح أداة للبناء وأساسًا لكل تطور. وألا يقف دور القانون عند مجرد تنظيم العلاقات المترتبة على استخدام الفضاء الإلكتروني، بل يجب أن يمتد ليحمي القيم التي تحيط باستخدامه ويحدد المسار الصحيح الذي يجب أن يسلكه حتى لا يتخذه الإرهابيون -على اختلاف درجاتهم وشخوصهم- أداةً لتطوير وسائلهم.
يتطلب هذا أن يمتد القانون من خلال نصوصه إلى تلك الأنشطة الجديدة ذات الطابع غير السلمي للفضاء الإلكتروني من خلال: تحديد الوضع القانوني بشأن تلك الظاهرة، خاصة أنه لم تتمَّ الإشارة في أي من النصوص القانونية الدولية الحالية إلى مسألة استخدام الفضاء الإلكتروني أداةً من أدوات الصراع المسلح، وما يمكن أن يكون لهذا الاستخدام من تداعيات على البنية التحتية الكونية للمعلومات تتسم بالجسامة والخطورة على المجتمع الدولي قاطبة.
وأنه إذا كانت تلك الأطر القانونية الدولية التي استقرَّت على مخاطبة الدولة باعتبارها فاعلا مهمًّا في العلاقات الدولية، فإن تلك القواعد يجب أن تنسحب أيضًا على الفاعلين من غير الدول؛ باعتبارهم أيضًا فاعلين داخل مجتمع المعلومات العالمي. كما يشير إلى أن الطابع العالمي للفضاء الإلكتروني يجعل من الإرهاب الإلكتروني قضية دولية وعالمية، ومن ثمَّ فإن من يتحمل المسئولية ليس الدول منفردة. ويعزز الطابع الدولي للقضية أهمية المنظمات ذات الطابع والنشاط الدولي، وأهمية بثِّ ثقافة مشتركة عالمية تحافظ على إرث الحضارة الإنسانية. ولكون ذلك الخطر عالمي الطابع والملمح، فإنه يتطلب تعاونًا دوليًّا كذلك.
يؤكد الباحث أن غياب اتفاقية واضحة على المستوى الدولي للتعامل مع ظاهرة الفضاء الإلكتروني وتنظيم استخدامها وتوضيح الحقوق والواجبات قد يجعل الدول لا تشعر بأي إلزام تجاه التعاون مع غيرها. ومن ثمَّ فإن عدم التعاون يشكل جزءًا مهمًّا من تعقُّد المشكلة وبما يؤثر على معرفة الهجوم ومواجهته؛ حيث إن هدف التعاون هو "حماية السيادة والأمن والمصالح الأساسية المشتركة". فتعرُّض الدول لهجمات الشبكات وقواعد البيانات يمثل تهديدًا لجزءٍ من مصالحها الوطنية ويؤثر في تطورها التكنولوجي وفي مساعيها لحماية أمنها وخصوصية مواطنيها. وتمثل القواعد القانونية ضغطًا دبلوماسيًّا على تلك الدول التي لا تدرك أو تعترف بأن هجوم الإرهاب الإلكتروني يُعَدُّ جريمة دولية. وهذا الضغط الدبلوماسي سيمهد الطريق لتعزيز الرؤى حول خطورة استخدام تلك الهجمات أداة من أدوات الصراع، وسيحتم ذلك تعاونًا جادًّا بين دول العالم.
يتمُّ النظر إلى الدول التي تتقاعس عن التعاون على أنها لا تسهم في دعم الأمن الدولي، ومن ثمَّ تشكّل خطرًا عليه. أو يُنظر إليها على أنها تقع في موقف الاتهام بالعمل على زعزعة الأمن والاستقرار الدولي أو بتجنيد من يقفون خلف هجمات الإرهاب الإلكتروني عن طريق تجنيد أفراد للقيام بهجمات بالنيابة عنها. وهذا ما يُعَدُّ عملا من أعمال الحرب وإضرارًا بالغًا بالطابع المدني والسلمي للفضاء الإلكتروني. كما أن وجود أطر قانونية دولية تتعامل مع تلك الظاهرة من شأنه أن يدعم الأطر الوطنية داخل كل دولة على حدة وعلى المستوى الدولي ككل.
ويمكن الاجتهاد في وضع حل لتلك المشكلة بالاستناد إلى العرف والقياس -بوصفه أحد مصادر القانون الدولي- من خلال: تعرُّضه إلى تلك الهجمات وخصائصها ومدى تعارُّض عملية استخدامها مع مبادئ قانون الحرب التي تنظم حالة استخدام القوة في الصراع المسلح، سواء في حالة النزاع المسلح أو في حالة الدفاع الشرعي. ومشددًا على أن هناك ضرورة لأن يركز المجتمع الدولي في معالجته لظاهرة الإرهاب الإلكتروني على نتائجها، بالإضافة إلى الناحية العملياتية أو الآلية التي تتم بها، والتي تتمُّ من خلالها عملية التأثير، وذلك بدلا من التركيز بصورة أكبر على إثارة الجدل حول توصيف الفعل داخل الفضاء الإلكتروني؛ حيث إنه من الأفضل أن تتم رؤية أي نشاط وتصنيفه على أنه سلمي أو غير سلمي.
للوقوف حول مدى مشروعية استخدام هجمات الإرهاب الإلكتروني باعتباره استخدامًا للقوة في العلاقات الدولية وعلاقة ذلك بمبدأ حظر استخدام القوة الوارد في المادة 2 فقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة، وفي محاولة للاستفادة الممكنة من الأطر القانونية الحالية وإمكانية تكييفها معها، وكذلك المصادر الأخرى الاحتياطية للقانون الدولي كالعرف والقياس. ومن هذا المنطلق يتم عقد مناظرة قانونية ما بين مبادئ قانون الحرب أو القانون الدولي الإنساني وما بين خصائص استخدام أسلحة الفضاء الإلكتروني، وكذلك الاستفادة من بعض الأطر القانونية في مبادئها العامة كـ: القانون الدولي لحقوق الإنسان، كذلك القانون الدولي للبحار، القانون الدولي للفضاء الخارجي والأجرام السماوية، بما أرساه من قواعد وأسس ترسخ: فكرة الحفاظ على حقوق الإنسان وتعزيز الأمن الجماعي والإنساني المشترك، وكذلك ترسيخ فكرة التراث المشترك للإنسانية. وكذلك استنار الباحث بموقف محكمة العدل الدولية من تجريم استخدام الأسلحة النووية حتى في حالة الدفاع الشرعي.
بعد دراسة لتلك المواقف والمواثيق الدولية ننتهي إلى نتائجَ ارتكزت على أسس عملية وأخرى نظرية مفادها أن عدم وجود أطر قانونية واضحة تتناول الموقف من استخدام هجمات الإرهاب الإلكتروني لا يشكل مبررًا لاستخدامها؛ حيث إنها تتناقض بل تتعارض تعارضًا بيِّنًا مع الأطر العامة للقانون الدولي ومبادئ القانون الدولي الإنساني. ومن ثم فإن استخدامها أو التهديد بها يُعَدُّ غير قانوني، ويمكن أن يرتب عليه المسئولية القانونية. كما أنها تمثل: تهديدًا للأمن الجماعي الدولي، تهديدًا للبنية التحتية الكونية للمعلومات بتعرُّض الفضاء الإلكتروني للخطر؛ لما يمثله من أهمية إستراتيجية للمجتمع الدولي.
هناك صعوبة في تحديد أشكال الإرهاب والحرب داخل الفضاء الإلكتروني وإمكانية اعتبارها نوعًا من ممارسة "القوة أو الحرب أو العدوان". فوفق المنطوق التقليدي للقانون الدولي فإن ذلك لا يعني أولا: أن الأطر القانونية الدولية لم تحمل حتى في أطرها العامة ومقاصدها حماية ضد تلك الهجمات، وثانيًا: أن الاختلاف في توصيف تلك الهجمات -مع تنوُّعها- يجب ألا يمنع المجتمع الدولي من التركيز على أضرارها وتداعياتها فيما يتعلق بالطابع السلمي للفضاء الإلكتروني ككل، وما يتعلق بذلك من تعرُّض المصالح الدولية للخطر. خاصة أن الفصل السابع من الميثاق أعطى الصلاحية لمجلس الأمن بشأن ما قد يرتأيه مهددًا للسلم والأمن الدوليين وحشد الجهود الدولية في مواجهه العدوان. فحتى إذا ما تم اعتبار كثير من هجمات الإرهاب الإلكتروني جزءًا من "استخدام القوة" أو "العدوان"، فإنه يمكن اعتبارها بكل تأكيد أخطارًا تهدد السلم الدولي. وحتى إذا كانت مقتصرة فقط على تهديد الحكومات الوطنية، فإنها تُعَدُّ كذلك مهددًا للسلم الدولي.
من ثمَّ فإن هجمات الإرهاب الإلكتروني هي نوع من أنواع ممارسة القوة في العلاقات الدولية؛ حيث يمكن استخدام تلك الهجمات لمهاجمة مراكز التحكم والسيطرة للهجوم على شبكات الطاقة وعلى أنظمة التسلح، فينتج عن تلك الهجمات تدمير مادي ونتائج وآثار تدميرية توازي ما ينتج عن استخدام الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، وذلك عن طريق توظيف هجمات شبكات الكمبيوتر في المستويات العملياتية أو الإستراتيجية. وأن ما يترتب عن هجمات الفضاء الإلكتروني من آثار مادية ونفسية لا حدود له، وما تمثله من خطورة لعمل وكذا فيما يختصُّ بما تمثله من خطورة على عمل البنية التحتية الكونية للمعلومات، وبما يجعل البشرية جمعاء (بأسرها) هي محل الاعتداء؛ نظرًا للطابع الدولي للفضاء الإلكتروني.
وتُستخدم هجمات الإرهاب الإلكتروني في شكل عمليات للدفاع أو الهجوم. وإذا كان الدفاع أمرًا شرعيًّا ويمثل مقاومة ودفاعًا شرعيًّا عن النفس، فإن الهجوم قد يحمل أيضًا مدلولات العدوان؛ حيث يتم استخدامُها وفق مشروعية الموقف أو الدافع وراءها. وقد تشنُّ الدول هجمات الفضاء الإلكتروني باعتبارها جزءًا مما تعتبره دفاعًا شرعيًّا عن النفس الذي يبيحه القانون الدولي. ويأتي هذا مع بروز ظاهرة المقاومة الإلكترونية التي تقوم بها الجماعات من غير الدول في إطار الدفاع ضد العدوان.
وتنطلق آليات وإستراتيجيات استخدام الفضاء الإلكتروني في المقاومة الإلكترونية عبر نمطين، يتعلق الأول منهما بالاستخدام والتوظيف الإعلامي للفضاء الإلكتروني بوصفه وسيلة إعلام دولية الطابع عن طريق: استخدام أدوات الرأي والتعبير كافة عبر الإنترنت للتعبير عن وجهات النظر والتأييد، جمع التوقيعات الإلكترونية واستطلاعات الرأي الإلكترونية التي تبرز مواقف المشاركين من طرفي النزاع، غرف الدردشة والمنتديات في الإنترنت للقيام بحوارات وتكوين رأي مناصر، تكوين التحالفات السياسية، نشر أفكار المظاهرات والاحتجاجات، إنشاء مواقع إنترنت لنشر الأفكار والرؤى الخاصة بالموقف الاحتجاجي للحصول على تأييد الرأي العام وتجنيد الموالين والداعمين.
أما عن النمط الثاني فيتعلق برد الفعل العنيف عن طريق: التحوُّل من لغة الحوار والإقناع إلى التدمير والإقصاء عبر القرصنة والاختراق لشلِّ وتعطيل وتدمير الموقع ووقفه عن العمل وإغراقه بآلاف الرسائل الإلكترونية. وقد يحمل بعضها فيروسات تؤدي لعرقلة عمل الموقع واختراقه وسرقة المعلومات ونشر الفيروسات، وإرسال كمٍّ كبير من الرسائل الاحتجاجية لجميع الأطراف المعنية بصورة ضاغطة ومزعجة عن طريق البريد الإلكتروني.
من منطلق أن عملية استخدام هجمات الإرهاب الإلكتروني تتعارض مع مبادئ وقواعد القانون الذي يتناول النزاع المسلح، وبالنظر إلى الاعتبارات الإنسانية التي تُخضع الأعمال المسلحة لعدد من المطالب والشروط؛ فإن وسائل الحرب وطرقها (التي ربما تعمل على إزالة التمييز ما بين الأهداف المدنية والعسكرية، والتي قد يترتب على استخدامها آلام أو أضرار لا مبرر لها للمحاربين) يصبح محرمًا استخدامها. وبالنظر كذلك إلى خصائص أسلحة الفضاء الإلكتروني فإنها تجعل من نتائج استخدامها كارثية وبما يجعلها تخضع للاعتبارات القانونية التي يتمُّ التعاملُ بها، وخاصة قواعد النسبية والضرورة والوسطية والتمييز والحياد والإنسانية والمدنيين والمنشآت المدنية.
من ثمَّ فإن استخدام تلك الأسلحة عبر الفضاء الإلكتروني في حالة النزاع المسلح يمثل انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي. وحتى إذا لم يتم اعتبار هجمات الفضاء الإلكتروني وحرب المعلومات شكلا من أشكال الحرب، فإنه حينئذ لا يسري القانون الدولي الإنساني عليها؛ نظرًا لأن تلك الهجمات يمكن اعتبارها والنظر إليها بوصفها إجراءات غير مباشرة للحرب أو نوعًا من الأعمال العدائية غير العسكرية، من قبيل: غلق الممرات المائية أو فرض العقوبات التجارية والاقتصادية. ومن ثمَّ فإن التصرف الذي يمكن أن تقوم به الدولة يمكن النظر إليه على أنه يمثل حقًّا شرعيًّا لها.
أمَّا عن مشروعية استخدام تلك الأسلحة في حالة الدفاع الشرعي -على الرغم من إمكانية إباحته- فإنها قد تنطوي على مخاطر بانتهاك مبادئ القانون الدولي التي تتعلق بـ: الحفاظ على السلم والأمن الدولي، الحفاظ على حيادية الفضاء الإلكتروني باعتباره وسيلة إعلام دولية ومرفقًا دوليًّا يحمل أهمية إستراتيجية للمجتمع الدولي. ومن ثمَّ فإنْ كان هناك اتجاه لمشروعية استخدامه في الدفاع الشرعي، فإنه يجب العمل على عدم اتساع ذلك الحق؛ لأنه قد يجلب من الأضرار أكثر مما يجني من فوائد، وخاصة الإضرار بقيمة حرية الرأي والتعبير وقيمة الأمن
بالنظر إلى الجهود الدولية للحدِّ من انتشار الأسلحة التقليدية وأسلحة الدمار الشامل فإنه يمكن النظر إلى هجمات الإرهاب الإلكتروني باعتبارها تقع تحت مسمى "الوسائل الإلكترونية للتدمير الشامل Electronic Means of Mass Disruption (EMMD)"، وتكون تداعيات هجمات الإرهاب الإلكتروني عشوائية وبعيدة الأثر التدميري وبشكل يجعلها تقترب من توصيف أسلحة الدمار الشامل التي تفتقد القدرة على التمييز وعلى محدودية إصابة الهدف؛ حيث تتسبب في أضرار بالغة وكارثية علىكلا الجانبين المدني والعسكري. ومن ثم فإن أسلحة الفضاء الإلكتروني تتسم بأنها: لا تمتلك القدرة على التمييز، عابرة للحدود، ذات علاقة بالبنية التحتية الكونية للمعلومات.. بما يتسبب في الإضرار بالمدنيين أو البيئة أو المنشآت التي تحتوي على خطورة خاصة. ويفرض ذلك الطرحُ الحاجةَ للاتفاق حول قانون دولي جديد يتعامل مع الوسائل الإلكترونية للتدمير الشامل (EMMD).
وبالاستناد على موقف محكمة العدل الدولية من استخدام الأسلحة النووية في حالة الصراع المسلح المتعلق بتجريم استخدامها حتى في حالة الدفاع الشرعي، في عملية تطوير موقف قانوني من هجمات الفضاء والإرهاب الإلكتروني. ولكي يتم اعتبار أن نتائج هجمات الإرهاب الإلكتروني يمكن أن يتمَّ التعامل معها وفق المحكمة الجنائية الدولية، على اعتبار أنها تمثل شكلا من أشكال العدوان، بالاستناد إلى تعريف الجمعية العامة للأمم المتحدة له، وبما قد يُدخلها ضمن ثلاثة أنواع من الجرائم: جرائم ضد الإنسانية، جرائم الإبادة الجماعية، جرائم الحرب. ولاسيما مع صعوبة تطبيق اتفاقيات الحدِّ من التسلح على الأسلحة الإلكترونية؛ حيث ضعف القدرة على مراقبة نقل أو تطوير أو استخدام أو تخزين الأسلحة الإلكترونية.
أما عن موقف العلماء المسلمين من استخدام الإرهاب الإلكتروني فإن جانبًا من الفقهاء يُجمعون على تحريم العدوان، وأن استخدام تلك الهجمات قد يكون مشروعًا في حالة التعرُّض للعدوان أو الدفاع الشرعي. وتميل الدراسة إلى الاتجاه الآخر الذي يرى أن الإسلام قد سبق القانون الدولي الإنساني في وضع قواعد للحرب والقتال بغية عدم الإضرار أو الإفساد في الأرض، والتشديد على التمييز بين المحاربين وغير المحاربين. ومن هذا المنطلق فإن انتفاء هذا التمييز تصبح معه عملية شنِّ هجمات الإرهاب الإلكتروني غير مشروعة تبعًاً لخصائصها المعروفة.
تبقى مسألة التعاون الدولي مهمة وحتمية؛ حيث إن الأخطار الإلكترونية ذات طبيعة عالمية، وتحتاج بالتالي إلى حلٍّ عالمي. وهذه التحديات تحتاج إلى الكفاية والتدابير القانونية والتقنية المتخَذة. وعلى الرغم من عدم وجود اتفاق دولي ينظم التعامل مع الفضاء الإلكتروني، فإن هناك وعيًا متزايدًاً داخل بلدان العالم بشأن تلك الأخطار، التي دفعت بعض البلدان إلى تبني تشريعات خاصة بالجريمة الإلكترونية. ومن نافلة القول أن نؤكد أن الأهمية الإستراتيجية للفضاء الإلكتروني للمجتمع الدولي تدفع أولا إلى أن يضطلع بدور في إدارته تحت مظلة الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية المتخصصة كالاتحاد الدولي للاتصالات، على اعتبار أن الفضاء الإلكتروني مرفق دولي تقع به مصالح جميع الدول، ويتجاوز الحدود القومية والسيادة التقليدية للدول.
يقود ذلك إلى وجود صعوبة تتمثل في: عدم استطاعة الدولة بمفردها السيطرة عليه، أو أن تتحمل بمفردها مسئولية حل مشكلات الأمن الإلكتروني، وبما يستلزم ضرورة إيجاد طرق جديدة للتعاون الإقليمي والدولي، وبما يحمل من آثار إيجابية فيما يتعلق بـ: تشجيع أنشطة الحماية الرئيسة وتنمية المستويات الدولية لها، التنسيق بين النظم القضائية في العالم، العمل على مساعدة الدول النامية. ومن شأن ذلك أن يعمل على إحراز تقدُّم في مجال مكافحة هجمات الفضاء الإلكتروني. وتؤكد الدراسة في هذا السياق أهمية التعاون الدولي في مواجهة الأخطار التي تأتي أو تؤثر في الفضاء الإلكتروني. كما أن الدول التي لديها قابلية أكبر للتعرُّض لمثل تلك الأخطار أصبحت في حاجة ملحَّة للتعاون مع الدول التي ليس لديها مثل تلك القابلية؛ نظرًا لأن ذلك الخطر يتميز بطبيعته الشاملة وتأثيره الممتد العابر للحدود بين الدول؛ حيث يتمُّ شنُّ هجمات الفضاء الإلكتروني من أي مكان وفي أي زمان، وهذا ما يستلزم وجود ائتلاف دولي لمواجهة هذا الخطر.
من ثمَّ فإن أي إجراءات أمنية تتعلق بالحماية من خطر التعرُّض للإرهاب الإلكتروني تنفذها الدول فرادى لا تكون فعالة بالدرجة نفسها إذا ما تمَّت على المستوى الدولي أو الثنائي (على الأقل). وتتطلب الحماية تعاونًا داخل الدولة بين جميع الهيئات المعنية والقطاعين العام والخاص والشركات العاملة في مجال تكنولوجيا الاتصال والمعلومات من أجل وضع إستراتيجية موحدة للأمن الإلكتروني. وقد تكون الآليات الرسمية فعالة في بعض الدول، إلا أنها قد لا تكون فعالة في أخرى تحت تأثير البيروقراطية. كما أن إدراك الأخطار التي تهدد أمن الفضاء الإلكتروني -سواء القائمة أو المحتملة- من شأنه أن يدفع الدول إلى اتخاذ خطوات مهمة في سبيل المواجهة، التي قد تشمل إجراءات قانونية وتقنية أو سياسية، إلا أنها قد لا تكون فعالة في الدول الأخرى في مواجهه الإرهاب الإلكتروني. الأمر الذي يتطلب أهمية عقد اتفاقيات ثنائية.
هناك أهمية لنشر الوعي على المستويات المحلية والدولية بشأن الإرهاب الإلكتروني والجريمة الإلكترونية وغيرها من الأنشطة التي تُعَدُّ انتهاكًا للاستخدام السلمي للفضاء الإلكتروني، وكذلك تحمل انتهاكًا لمبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية التي يمكن أن تساعد الأطراف المعنية على العمل مع الدول الأخرى لتعزيز التعاون المشترك، وتحديث الأطر التشريعية لسدِّ الفجوة في التعامل مع الإرهاب الإلكتروني، للحد من تلك الظاهرة والسيطرة على الفوضى داخل الفضاء الإلكتروني. وعلى الرغم من إمكانية استثمار ما تمَّ التوصل بشأنه من خلال الأمم المتحدة، مثل القوانين المنظمة لحالة الحرب فيما يُعرف بقانون الحرب، فإن هناك حاجة ملحَّة إلى إنشاء قواعد قانونية جديدة واتفاقيات على كل من المستوى الثنائي والإقليمي والدولي وفي إطار الأمم المتحدة لتحديث القانون الدولي وجعله يلائم التطورات الجارية على الصعيد الدولي، سواء في طبيعة الظواهر الجديدة أو ما يتعلق بدور الفاعلين داخل مجتمع المعلومات العالمي وعبر أحد مظاهره وهو الفضاء الإلكتروني.
يجب أن تتمَّ مواجهة الإرهاب الإلكتروني عالميًّا من خلال ثلاثة مستويات، أولها: المستوي الرقمي الذي يتمُّ عبر انتهاج سياسة تقنية لأمن المعلومات للمنشآت الحيوية والمكافحة الأمنية للمواقع التي تحضُّ على الإرهاب والكراهية أو التي توفر معلومات مساعدة للعمل الإرهابي. أما الثاني فيتمُّ من خلال العمل على مكافحة الإرهاب المادي، فلكي يتمُّ نجاح المكافحة على الفضاء الإلكتروني لن يكون منفصلا عن مواجهته على ارض الواقع، والعمل على تأمين شتى المنشآت الحيوية أمنيًّا، وتدريب المسئولين عن مكافحة الإرهاب على التعامل مع السياسات الأمنية الإلكترونية. ويأتي المستوى الثالث وهو الأهم على اعتبار أن الفكرة هي التي تحرك القوة، ومن ثمَّ فتتمُّ المواجهة اللينة مع الإرهاب من خلال دحضِّ أفكاره وعزله عن المجتمع بـ: بث أفكار مضادة لما يروج له الإرهابيون، إتاحة الفرصة لحرية التعبير حتى يتمَّ عزلُ تلك الأفكار المتطرفة ومنعُها من تضخيم حجمها وحجم المؤيدين لها، الحدِّ من استخدام الفضاء الإلكتروني في بثِّ الكراهية الدينية وازدراء الأديان.
تتوقف فاعلية مستويات المواجهة تلك على حيادية الأداة أو الآلية المنوطة بها المكافحة وذلك بعيدًا عن محاولات تسييسها، سواء أكانت في إطارها داخل الدولة أم على المستوى الأهم وهو المستوى الدولي من خلال: العمل في إطار الأمم المتحدة على إيجاد جهة دولية محايدة ذات طابع استقلالي تمارس هذا الدور.
ويفرض ذلك على ميثاق الأمم المتحدة، تحدي إعادة تعريف مفهوم القوة والهجوم المسلح والعدوان ليتواكب مع استخدام الإرهاب الإلكتروني، بما يساعد على وضع التكييف القانوني له، وبما يؤثر بالتالي على طرق المواجهة والتعاون الدولي، وأهمية دور الأمم المتحدة في عقد اتفاقيات لحماية البنية التحتية الحرجة لأنظمة المعلومات بوضعها خارج إطار الهجمات أو وضعها تحت وصايتها خلال الأزمات. ويمكن أن يتم وضع الإرهاب الإلكتروني وحرب المعلومات ضمن اتفاقيات الحدِّ من التسلح، والعمل على الموازنة بين متطلبات الأمن فيما يتعلق بعمليات الدفاع وعمليات الهجوم في مواجهة الإرهاب الإلكتروني.
تتطلب زيادةُ الوعي بخطر التعرُّض لهجمات الإرهاب الإلكتروني والجريمة الإلكترونية تنمية الوعي لدى المستويات المحلية والدولية؛ حتى يتمَّ تبني إستراتيجية أمنية دولية داخل المجتمع الدولي، وبما يكفل أهمية التعاون بين الحكومات والشركات من القطاعين العام والخاص وحتى من الأفراد في مجال المكافحة وذلك تبعًا للبعد الدولي للخطر والطابع الفردي في حدوثه. وأيضًا أن تكون هناك صلات ما بين المستويات المحلية والدولية عن طريق الاتفاقيات الثنائية أو الإقليمية أو الدولية، وذلك لكون الإجراءات القانونية تلعب دورًا مهمًّا في مواجهة الإرهاب الإلكتروني وذلك تبعًا لطبيعة الجريمة متعدية الحدود وخصائصها الجديدة. وتشكل في الوقت نفسه أرضية دولية للتعاون في مجال الإجراءات التحقيقية والجنائية بين الدول الأخرى. والعمل على خلق إطار تشريعي وقانوني دولي يتعامل مع الإرهاب الإلكتروني باعتباره جريمة سياسية، وفي الوقت ذاته مواجهة جميع مظاهر الاستخدام الضار وغير القانوني للفضاء الإلكتروني المتمثل في استخدامه في الجرائم ذات البعد الداخلي أو الدولي.
ويتم تقسيِّم الجهود الدولية المبذولة في مكافحة الإرهاب الإلكتروني إلى عدة أنماط: النمط الأول يتعلق بالعمل من جانب الدول على إدخال تلك الجرائم ضمن الجرائم الإلكترونية، والعمل على إصدار تشريعات وطنية تكافح تلك الظاهرة. ويتبلور النمط الثاني في: سعى عدد من الدول أو التكتلات الإقليمية إلى التعاون فيما بينها في مكافحة الإرهاب والجريمة عبر الانترنت. أما النمط الثالث: فهو العمل على حثِّ الأمم المتحدة على القيام بدور في المكافحة عن طريق فرض سيطرتها على إدارة الإنترنت.
وأصبح المجتمع الدولي بحاجة إلى: وضع إستراتيجيات وأطر للمواجهة تتوافق مع الطبيعة العالمية لهجمات الإرهاب الإلكتروني في شكل مواجهة عالمية، تبادل الخبرات الأمنية بين الدول من أجل دعم قدرتها على الدفاع والحماية ضد الهجمات، الحاجة لتضافر الجهود لإعادة تشكيل نظم سيادة الدول مع ظهور الشبكات الدولية من خلال: دعم تجانس القوانين، التعاون في مجال الاستخبارات، الحماية من تعرُّض البنية التحتية الكونية للمعلومات لخطر التهديدات.
يتطلب هذا دورًا واضحًا ومحددًا للأمم المتحدة، مع أهمية الموازنة بين حدود الحرية والأمن في استخدام الفضاء الإلكتروني، وذلك إما عن طريق: إقامة منظمة دولية خاصة بالأمن الإلكتروني، أو اتفاقية دولية بشأن الفضاء الإلكتروني، أو إنشاء منظمة عالمية متخصصة لشئون الفضاء الإلكتروني باستقلال كامل عن هيئة الأمم المتحدة تتولى وضع القوانين المنظمة لاستخدامه، أو العمل على تعزيز دور الأمم المتحدة من خلال منظماتها المتخصصة كاليونسكو أو الاتحاد الدولي للاتصالات وغيرها من سائر الوكالات الدولية المتخصصة التابعة للأمم المتحدة التي تهتمُّ بشئون الفضاء الإلكتروني كل في حدود اختصاصها. وهذا ما يفرض الحاجة إلى نظام قانوني يعمل على تقليص درجات التهديد التي يمثلها استخدام القوة غير المشروع في الفضاء الإلكتروني، والعمل على حماية الدول من خطر التعرُّض لهذا الاستخدام.
ونخلص إلى تأكيد أهمية الاستخدام السلمي للفضاء الإلكتروني من أجل الحفاظ على تقدُّم واستقرار المجتمع الدولي الذي أصبح لصيق الصلة به، بما يستدعي أهمية إعلان استقلال الفضاء الإلكتروني والعمل على إخلائه من خطر التسلح والعسكرة والحيلولة دون تحويله إلى ساحة للصراع الذي وإن كان لا تنتهي مظاهره، إلا أنه يمكن تحجيمه وتطويعه لصالح البشرية جمعاء، على اعتبار أن الفضاء الإلكتروني مرفق دولي وتراث مشترك للإنسانية؛ حيث يجب النظر إليه من منظور كونه وحدة واحدة متكاملة ومجالا دوليًّا يحمل خصائص المرفق الدولي.
يمكن النظر كذلك إلى الفضاء الإلكتروني من منطلق كونه وسيلة إعلام دولية يجب أن تتمتع بحرية الرأي والتعبير وتلعب دورًا في السلام والحوار. مع الأخذ في الاعتبار الموازنة بين مسألة الحفاظ على الأمن في مقابل الحرية التي يجب أن يتمتع بها كحق من حقوق الإنسان. ويستتبع ذلك أهمية وجود ثقافة عالمية لنبذ العنف واجتثاث جذور الصراع والكراهية والفقر والظلم والجهل التي تشكل بيئة دولية لتوالد العنف والإرهاب والحرب، بما يوفر بيئة آمنة للاستخدام السلمي للفضاء الإلكتروني باعتباره يعزز من أهمية الأمن الجماعي والإنساني المشترك الذي يتعلق في أحد عناصره الجديدة بالأمن الإلكتروني الدولي.
في سبيل تعزيز دور الفضاء الإلكتروني في دعم السلم الدولي من خلال ثقافة عالمية للأمن الإلكتروني ومكافحة الاستخدامات غير السلمية وإقامة نظام دولي وقانوني لحمايته يوصي بـ:
أولا: إدراك حقيقة أن مواجهة الإرهاب الإلكتروني تدفع إلى أهمية التعاون المتعدد بين دول العالم. فالقضايا بطبيعتها دولية، ومن ثمَّ لكي تتمَّ مواجهتها بفاعلية، يتطلب ذلك: التنسيق بين جميع مستويات المكافحة المحلية والدولية، التعاون مع جميع الفاعلين داخل مجتمع المعلومات العالمي.
ثانيًا: ضرورة العمل على وضع قواعد دولية تحكم حالات الحرب والنزاع المسلح في الفضاء الإلكتروني، وأن يتمَّ فكُّ الغموض والالتباس القانوني، وتحديد المفاهيم ذات الصلة التي تتعلق باستخدام القوة في الفضاء الإلكتروني مثل: مفهوم "الهجوم المسلح" ومفهوم "القوة" ومفهوم "العدوان"، وإدخال العدوان الإلكتروني ضمن أشكال العدوان من أجل دعم الاستخدام السلمي للفضاء الإلكتروني.
ثالثًا: أن يتمَّ العمل على تحديد القطاعات التي تتعلق بالبنية التحتية الكونية للمعلومات، وتحديد مفهومها وأطرها وأهميتها في خدمة الأمن الدولي، ووضع الأمن الإلكتروني ضمن إستراتيجيات الأمن القومي للدول.
رابعًا: أن يتمَّ العمل على استقلالية الفضاء الإلكتروني وإخلائه من خطر التسلح أو العسكرة أو تحويله إلى ساحة للصراع من أجل تحقيق الأمن والسلام في مجتمع المعلومات العالمي.
خامسًا: الحاجة للقيام بمزيد من التوعية والتثقيف؛ لإعلاء القيم الأخلاقية؛ وخلق ثقافة عالمية للأمن الإلكتروني بين الفاعلين داخل مجتمع المعلومات العالمي كافة؛ وتبني إستراتيجية دولية مستمرة عبر منظمات الأمم المتحدة المتخصصة كالاتحاد الدولي للاتصالات.
سادسًا: وجوب ألا تقتصر مواجهة الإرهاب الإلكتروني فقط على المواجهة الأمنية، بل يجب أن تشمل جوانب أخرى تبحث في مسببات عدم الأمن كمعالجة مسببات الصراع والإرهاب والحرب، والعمل على توفير بيئة آمنة للاستخدام السلمي للفضاء الإلكتروني.
سابعًا: استنهاض دور الأمم المتحدة للقيام بدورها في: تطوير النظام القضائي لهجمات الإرهاب الإلكتروني، تنظيم استخدامه وفق مبدأ حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية.
ثامنًا: أهمية اعتبار الأمن الإلكتروني الجماعي الدولي أحد أشكال الأمن الجماعي والإنساني الجديد، وخاصة مع الدور المستقبلي المنتظر لبروز الفضاء الإلكتروني ساحة حرب غير تقليدية.
تاسعًا: أهمية اعتبار الفضاء الإلكتروني وسيلة إعلام دولية الطابع يجب أن يتمَّ استخدامُها في: تعزيز الأمن والسلم، دعم الحرية وحقوق الإنسان، احترام التنوُّع الثقافي والحضاري، أهمية الموازنة ما بين معيار الأمن والحرية.
عاشرًا: السعي إلى التوصل لاتفاقية دولية عالمية للأمن الإلكتروني وأمن الفضاء الإلكتروني، والعمل على إنشاء بيئة قانونية تنظر إلى العدوان الإلكتروني باعتباره نوعًا من أنواع العدوان وإخلالا جسيمًا بالنظام القانوني الدولي