اثار وصول الشريط المنسوب الى قاعدة بلاد المغرب والذي يتضمن دعوة صريحة لارتكاب أعمال إرهابية بالمملكة المغربية بسرعة الى أحد المواقع الإلكترونية المغربية و"الباييس الاسبانية" تساؤلات حول مصدر هذا الشريط.
ويرى مراقبون انه من المعتاد ان يكون السبق لبعض المواقع الموريتانية في تداول التصريحات واشرطة الفيديو المرتبطة بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب نظرا لعامل القرب الجغرافي من شمال مالي ولوجود قيادات سابقة للقاعدة الأم في موريتانيا.
ويذهب الأستاذ الجامعي عبدالرحيم المنار اسليمي، إلى أن شريط التهديد المنسوب إلى تنظيم القاعدة ببلاد المغرب، ضد المغرب ومصالحه هو من إنتاج المخابرات العسكرية الجزائرية، التي انتقلت إلى إنتاج أشرطة تحريضية تقلد من خلالها أسلوب "القاعدة وأخواتها" في المشرق والمغرب العربي.
وقال رئيس المركز المغاربي للدراسات الأمنية وتحليل السياسات، في مقال سابقله بصحيفة "هسبريس" الإلكترونية "الجنرالات الثمانية عشر الذين يحكمون الجزائر تحت قيادة محمد مدين رئيس المخابرات أطلقوا ثلاث إشارات جديدة توضح أنهم باتوا مقبلين على مغامرة جديدة مع المغرب، الأولى هي إعلان مختار بلمختار الموالي للمخابرات الجزائرية عن تنظيم متطرف جديد تحت اسم 'المرابطون' يجمع كتيبة الملثمين وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا".
وأكد أن الإشارتين الثانية والثالثة ترتبطان بجمع ما يسمى بـ"رابطة علماء الساحل" في بومرداس ودفعها لإصدار "فتوى" إرهاب في شكل بلاغ يدعو الى عمليات عنفية ضد المغرب، ونشر معلومات استخباراتية عبر الصحف الجزائرية تتوقع ضربات إرهابية وشيكة في دول الجوار وتحديد الدول المعنية بهذه الضربة (تونس ومصر والمغرب وليبيا دون الإشارة إلى الجزائر).
وقدم قراءة تحليلية لشكل الشريط ومضمونه في ربطه مع السياق الإقليمي الذي يندرج فيه، مشيرا إلى ما وصفه بـ"بصمة مركز الاتصال والنشر التابع للمخابرات الجزائرية" هي من أصدر الشريط وليس تنظيم القاعدة.
ووقف اسليمي على أهم التناقضات الواردة في الشريط، والتي حددها في حجج اعتبرها كافية لتورط المخابرات الجزائرية في الوقوف وراء إصدار هذا الشريط الذي نشره أحد المواقع الإلكترونية المغربية وكذا موقع جريدة "الباييس الإسبانية" بالرغم من أن موقع "اليوتوب" قد حذفه بسبب الدعوة إلى العنف ونشر الكراهية.
زعزعزة استقرار الجيران لقلب موازين داخلية
وقال اسليمي "بات الجزائريون يحسون أن حدودهم الجنوبية والشرقية باتت مفتوحة أمام مخاطر التطرف وتجارة المخدرات والأسلحة، فالعسكريون شرعوا في بناء الخنادق والجدران لمراقبة الحدود، ويبدو أنهم يحصدون النتائج العسكرية السلبية للسنوات الماضية، فبعد التوتر الذي خلقته الجزائر في شمال مالي طيلة السنوات الماضية عن طريق المدعو 'مختار بلمختار'، وبعد تأمين نقل تنظيم 'مختار بلمختار' إلى الجنوب الغربي لليبيا أسابيع قبل التدخل الفرنسي، ودفعه إلى ارتكاب جرائم واقعة 'عين أميناس' في صراع داخلي برزت معالمه اليوم بين جناح "محمد لمين مدين" المعروف بـ "توفيق مدين" قائد المخابرات والجناح الرئاسي بقيادة 'عبدالعزيز بوتفليقة'، وبعد جمع شتات العائدين من مالي وتهجيرهم عبر الأراضي الجنوبية والشرقية الجزائرية وتوطينهم في جبال الشعانبي وإعلان الارهاب على القوات التونسية في صورة تذكر ببدايات وقائع مذابح العشرية السوداء في الجزائر، ينتقل العسكريون الجزائريين اليوم الى تجريب وصفة أمنية جديدة لزعزعة الاستقرار في المغرب، هذه الوصفة هي إنتاج شريط حول المغرب، يصادف ذكرى هجوم الحادي عشر من سبتمبر/ ايلول، تقلد فيه المخابرات الجزائرية أسلوب أشرطة تنظيم القاعدة المحرضة على الإرهاب".
وأكد اسليمي أن المخابرات الجزائرية وظفت بلمختار في حادثة "عين اميناس" لإضعاف دور الجناح الرئاسي لعبد العزيز بوتفليقة لفائدة جناح المخابرات بقيادة الجنرال محمد مدين في الصراع على السلطة الذي انطلق قبل المرض الأخير للرئيس.
ويرى الخبير الامني ان "المخابرات العسكرية الجزائرية، انتقلت إلى إنتاج أشرطة تحريضية وباتت تقلد أسلوب القاعدة الأم وأخواتها في المشرق والمغرب العربي، شريط قدم بأنه صادر عن "مؤسسة الأندلس للإنتاج الإعلامي" ، لكن تحليل شكله ومضمونه والسياق الإقليمي الذي يندرج فيه، يشير بوضوح الى بصمة مركز الاتصال والنشر التابع للمخابرات الجزائرية، هذا الشريط الذي انطلقت بعض التحليلات في ربطه بتنظيم القاعدة، يبدو واضحا أنه لا يحمل بصمات القاعدة بل يرتبط بالمخابرات الجزائرية".
مقاطع فيديو محترفة
ويقدم اسليمي الحجج التي تعلل ما ذهب اليه، اذ يرى "ان أغلب الصور المعروضة في الشريط حول المغرب مأخوذة عن نشرات أخبار وبرامج قناة الجزيرة بعضها يرجع لثماني سنوات ماضية، صور وتصريحات واضحة مأخوذة من المصدر مباشرة، ومن الصعب جدا على تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الوصول إليها مباشرة، فالأمر يتعلق بدور كبير للمنتجين الجزائريين المشتغلين داخل قناة الجزيرة الذين لهم علاقة كبيرة بمخابرات "توفيق مدين" وبمركز الاتصال والنشر داخل مديرية المخابرات الجزائرية".
ويؤكد اسليمي انها "ليست المرة الأولى التي تسرب فيها بطريقة مباشرة صور حول المغرب إلى المخابرات الجزائرية، فخلال المرحلة الأولى لوجود قناة الجزيرة في المغرب كان المنتجون الموجودون في الرباط يسربون صورا مباشرة عن المغرب إلى المخابرات الجزائرية، وهذه من أسباب الصراع مع فرع القناة في الرباط، مع ملاحظة أن التصريحات المصورة المنسوبة لقادة القاعدة في الشريط تبدو رديئة من حيث الصوت والصورة، بما فيها تصريحات 'عبدالمالك دوردكال'، إذا ما قورنت باللقطات المصورة المأخوذة عن قناة الجزيرة.
ويضيف "وبالعودة الى مضمون وشكل الشريط، لا يمكن لأحد ان يتصور أن تنظيم قاعدة "عبدالمالك دوردكال" المحاصر في الشمال الشرقي ووسط الجزائر، والذي أعلن الجيش عن بداية مطاردته في الأسابيع الماضية، سيكون مهتما بإنتاج شريط حول المغرب مدته الزمنية تفوق أربعين دقيقة، يعود فيه إلى التاريخ ويحلل التحولات الإقليمية في المنطقة بلغة عربية لا علاقة لها بعربية "أسامة بن لادن" او "أيمن الظواهري" او "عبدالمالك دوردكال"، وإنما بعربية قريبة من النطق الموريتاني الصحفي المتأثر بالقنوات المشرقية، وهو صوت بات يتردد في العديد من المواقع، أضف الى ذلك، أن اختيار نسب الشريط إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بقيادة "عبدالمالك دوردكال" لم يكن في محله، ويتناقض مع المعلومات الأمنية الجزائرية التي أشارت منذ شهر إلى توقع عمليات إرهابية من طرف تنظيم المرابطين ضد المغرب وليبيا وتونس".
والحجة الثانية للخبير الامني هي "ان الشريط يتناول في إحدى مقاطعه أجزاء كبيرة مما تنشره بعض الصحف الجزائرية، ومنها السلسلة التي نشرتها منذ ثلاثة شهور جريدة الشروق ،القريبة من "توفيق مدين" ومركز الاتصال والنشر داخل المخابرات، حول حرب الرمال بين المغرب والجزائر، فالشريط يقف حول هذه الحرب ويمرر فكرة لا أحد يمكن أن يصدقها، وهي أن إسرائيل ساعدت المغرب في حرب الرمال، فالجيش الجزائري بات مقيدا بتهم وجود إسرائيل فوق الأراضي الجزائرية في شكل شركات أجنبية للطاقة وإنتاج التمور في الجنوب".
اصابع المخابرات الجزائرية
ويواصل اسليمي تقديمه الحجج التي تؤكد ما ذهب اليه قائلا "يشير الشريط الى قضية رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، وليس هناك ما يفيد ان تنظيم القاعدة معني بدور الدول العربية في حماية القدس، فالتنظيم يدعو مباشرة الى حمل السلاح لتحرير القدس، وبذلك فالطرف المعني بلجنة القدس هو الجزائر، وهنا يمكن العودة الى الدور الذي لعبته الجزائر في تحريض دولة قطر على إنشاء آلية او مؤسسة في مواجهة بيت مال القدس خلال بداية هذه السنة".
ويضيف "يشير الشريط المصور إلى فكرة التعاون العسكري المغربي الأميركي وما يسمى بمناورات الأسد الإفريقي، فالعديد من التقارير تقول إن المخابرات الجزائرية تحس بخيبة أمل كبيرة في الشهور الأخيرة من جراء تراجع الموقف الأميركي في أبريل(نيسان) لصالح المغرب، فمخابرات "توفيق مدين" صرفت أموالا كبيرة لدفع المنظمات المدنية الأميركية 'روبيرت كينيدي' ومولت جولات 'أميناتو حيدر' من الميزانية المخصصة للملحقة العسكرية الجزائرية الخامسة المسماة بالبوليساريو".
ويقول الخبير الامني "والمثير للاستغراب، هي وجود بعض الصور في الشريط لا علاقة لها بالمغرب بل لها ارتباط باحتجاجات أحياء الصفيح في الجزائر العاصمة واحتجاجات الشباب 'البطالين' في ولاية ورغلة خلال السنتين الأخيرتين يتبادل فيها شبان جزائريون الحجارة مع رجال الامن".
ويؤكد ان "اختيار لقطات مصورة من مجلس النواب المغربي لمداخلة مطولة للسيدة "بسيمة الحقاوي" النائبة السابقة في حزب العدالة والتنمية الإسلامي والوزيرة الحالية في حكومة بنكيران، ...لا أعتقد ان 'عبدالمالك دوركال' وأصدقاؤه المحاصرين في الشمال الشرقي الجزائري سيكون لهم الوقت الكافي لمتابعة أعمال مجلس النواب المغربي، فالأمر يتعلق بعمل استخباراتي جزائري، لأن الجزائر هي الأكثر متابعة للإنتاج والتغطيات الإعلامية المغربية".
الجزائر تكتوي بنار اشعلتها
ويرى اسليمي ان مخابرات "محمد لمين مدين" المعروف بـ "توفيق مدين"، الرجل الأول في الجزائر، قادت سيناريوهات متعددة لزعزعة الاستقرار الأمني في المنطقة المغاربية والساحل والصحراء، ويبدو اليوم أن هذه السيناريوهات تنقلب على الجزائر نفسها، فتصريحات الرئيس الفرنسي "اولاند" بخصوص وضع السلطة في الجزائر أثناء فترة علاج "بوتفليقة " في باريس وتحذيرات الولايات المتحدة للجيش الجزائري ولقاء "الغنوشي" الأخير بالرئيس "بوتفليقة" والتعديلات الأخيرة التي أجراها "بوتفليقة" بالانقلاب على "توفيق مدين" وإنهاء التحالف الذي انطلق منذ سنة 2004، كلها مؤشرات تبين أن دول المنطقة والقوى الإقليمية المؤثرة باتت لا تقبل بالمغامرات المخابراتية لجزائر"محمد مدين".
ويؤكد ان القيادات الجزائرية تتصارع داخليا وتوظف الخلايا الإرهابية في صراعاتها وقد تنقلها نحو المغرب، فلا أحد يصدق أن "مختار بلمختار" يجول ويصول في جنوب الجزائر وشمال مالي والحدود الجزائرية الليبية لمدة ستة عشر سنة دون القدرة على اعتقاله إذا لم يكن تحت حماية المخابرات الجزائرية، فالجزائر تلعب لعبة التنظيمات الإرهابية لضمان التوازن الإقليمي لصالح المؤسسة العسكرية داخليا وإقليميا، توازن ينهار تدريجيا ويرتب مخاطر على الجزائر ودول الجوار أمام تشعب التنظيمات الإرهابية التي لم تعد المخابرات الجزائرية تعرف الموالية لها من المعارضة لها.
ويرى الخبير اسليمي ان تراجع دور الجزائر في منطقة الساحل منذ التدخل الفرنسي شمال مالي جعل من جنوبها وشرقها فضاء جغرافيا واسعا لالتقاء شريطين للإرهاب، الأول الممتد من الحدود الموريتانية المالية إلى سيناء مرورا فوق الأراضي الليبية، والثاني من مثلث جنوب الجزائر وجنوب ليبيا وشمال تشاد إلى الأراضي الصومالية مرورا بجماعة بوكوحرام النيجيرية انطلاقا من جنوب الجزائر وجنوب ليبيا.
ويؤكد اسليمي ان الوضع الداخلي في الجزائر المقبل على صراعات داخلية والوضع الإقليمي الذي تظهر فيه الجزائر مفتوحة الحدود أمام كل الجماعات الإرهابية العابرة والموطنة فوق الأراضي الجزائرية، يجعل المغرب مستعصيا أمام محاولات الاختراق الجزائرية التي بدأت تنهج أسلوب التحريض الإعلامي.