لم تكتف واشنطن بالتجسس على أعدائها بل تجسست قبل ذلك على حلفائها: هم يتجسسون لرقي شعوبهم ونحن نتجسس لتدمير شعوبنا.
رحم الله زمناً كانت تسمى فيه مهمة الدبلوماسي لدى الدول الأخرى بالجاسوس الرسمي المعتمد، نظراً لطبيعة مهامه التي تختصر بكتابة التقارير عن كل شاردة وواردة في الدولة المضيفة. اليوم اصبحت كتابة التقارير من مخلفات القرون الوسطى، إذ لجأت الدول أو الأصح بعضها القليل إلى التجسس عبر تكنولوجيا المعلومات وصولاً إلى وسائل وأساليب يعجز العقل عن استيعابها بسهولة.
والتجسس في عالم العلاقات الدولية بات امراً معتاداً وأصبح شبه مقبول، لكن غير المقبول بين الدول ان تتم حالات التجسس بين الحلفاء والشركاء انفسهم، فماذا يعني ذلك؟ هل هي حرب ناعمة على الجميع دون استثناء الحلفاء قبل الاعداء!
ما قامت به الوكالة الوطنية للاستخبارات الاميركية لا يعتبر سابقة في هذا المجال تحديداً، فهي المرة الثانية التي يكشف فيها عن مثل تلك الأفعال، الأولى في حزيران الماضي والثانية قبل ايام نفذتها ضد فرنسا، ما يعني ان الاحتجاج الفرنسي الاول لم يكن سوى زوبعة في فنجان العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وبالتالي ان واشنطن لم ولن تقيم وزناً أو دوراً لحلفائها حتى في شؤونهم الخاصة التي لا علاقة لها في السياسة أو الامن.
فالتجسس الذي شمل سبعين مليون مخابرة وتبادل معلومات عبر الانترنت، تعني انها شملت اشخاصاً لا يشكلون خطراً على الامن القومي الاميركي، فمن المفهوم ان عمليات التجسس تتم عادة على فئات محددة أو شرائح بعينها، فهل وصل الامر بالاستخبارات الاميركية انها لم تعد تثق بأحد على الكوكب الذي نعيش فيه؟
والأمر لم يقتصر على الحليفة فرنسا، بل تعداها إلى حلفاء آخرين كالباكستان والهند وبعض الدول التي تصنف كأعداء مثل ايران التي تم تسجيل 14 مليار حالة اعتراض ضدها لرسائل ونصوص الكترونية في خلال شهر آذار الماضي اي في نفس الفترة التي تمت فيها عمليات التجسس على فرنسا.
والمفارقة الاميركية في هذا المجال ان عمليات التجسس وجمع المعلومات تتقاسمها الولايات المتحدة الاميركية مع ثلاثة حلفاء استراتيجيين بالنسبة إليها هم المانيا وبريطانيا وإسرائيل. حيث توفر لهذه الأخيرة معلومات عن كل ما يدب على هذا الكوكب.
فمن المعلوم والمعروف، ان ابرز وسائل ثقل القوة ان تمتلك معلومات دقيقة عن خصمك، وليس بالضرورة امتلاك قدرات مادية تفوقه، وهذا ما تحاول تطبيقه الولايات المتحدة على حلفائها وأعدائها في آن معاً. وسر هذا التفوق في النجاح هو امتلاك العلم والتكنولوجيا التي باتت امرا ضروريا للعيش بكرامة.
لقد تمكنت وكالات الاستخبارات الاميركية بكافة فروعها من تنظيم بيئة تكنولوجية فائقة الفعالية في اعتراض المكالمات الهاتفية ورسائل الانترنت وغيرها من وسائل الاتصال، عبر برامج مثل كي سكور وبريسم ما يتيح لها تعداد الشهيق والزفير لكل حي على كوكبنا. وطبعاً انها مقدرة لا عيب فيها، لكن العيب ان نقف مذهولين وحتى مشدوقين لما يجري حولنا.
طبعا ليست المرة الاولى ولا الثانية التي قامت بها الولايات المتحدة بالتجسس على غيرها، وطبعاً لن تكون الأخيرة، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه في هذا المجال هو، هل ان عظمة الدول وقدراتها المفرطة تجعل منها اسداً مجروحاً وبالتالي ايجاد الاعذار والمبررات لما تقوم به من اعمال تعتبر خروجاً على الشرعية الدولية وبخاصة ميثاق الامم المتحدة.
والمفارقة الأغرب في سجل الولايات المتحدة انها عممت هذا النوع من اسلوب العمل في التجسس الخارجي منذ العام 2007، وفي الداخل الاميركي منذ العام 2001 بعد تفجير البرجين، حيث بات المواطن الاميركي خاضعاً لشتى صنوف الرقابة بما فيها تعداد دقات القلب في الدقيقة الواحدة!
في المحصلة انها تطبيق عملي لنظرية الحرب الناعمة التي ابتدعها المفكر الاميركي جوزف ناي، وهي ان تكسب المعركة بصفر خسائر، انها عمليات التجسس على الحلفاء قبل الاعداء. فأين نحن العرب من كل ذلك المعلوم قبل المجهول؟ هم يتجسسون لرقي شعوبهم ونحن نتجسس لتدمير شعوبنا؟ فعلاً انها مفارقة!