المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

المجال العام الافتراضي في الثورة السورية - الخصائص- الاتجاهات- آليات صنع الرأي العام

📅 08-02-2014 04:30 م | 👁️ المشاهدات: 863 | كتب: ACCR
تقدم هذه الدراسة تحليلا لدور شبكات التواصل الاجتماعي في الثورة السورية، وهي تحاول فهم تأثير وسائل الإعلام الاجتماعي في تكوين الكيانات التنظيمية وتقنينها ضمن المجتمع الافتراضي "الإنترنيت" وأثره في الواقع وسلوك الفاعلين،


تقدم هذه الدراسة تحليلا لدور شبكات التواصل الاجتماعي في الثورة السورية، وهي تحاول فهم تأثير وسائل الإعلام الاجتماعي في تكوين الكيانات التنظيمية وتقنينها ضمن المجتمع الافتراضي "الإنترنيت" وأثره في الواقع وسلوك الفاعلين، وقدرتها على إنتاج اتجاهات جديدة ضمن الرأي العام السوري افتراضيا وميدانيا. ويعتبر مؤلف الكتاب أن الحيز العام الافتراضي متمثلا بوسائل الإعلام التفاعلية، قد تقدمت وصارت تمتلك فاعلية شديدة قادرة على إنتاج حالة إجماع على قيم ورموز سياسية معينة.

وتنطلق الدراسة التي يقدمها المؤلف في كتابه، من فرضية أن وسائل الإعلام التي توجه الحيز العام في سورية، اختطفت من قبل الحيز العام الافتراضي، وبالتالي فإن الحيز العام الافتراضي يشكل المورد الأساسي للتفاعلات والتغيرات في القيم والرموز السياسية التي تنتج ضمن المجتمع السوري.

ويحاول المؤلف أن يفهم تأثير وسائل الاتصال الاجتماعي في تكوين الكيانات التنظيمية وتقنينها ضمن المجتمع الافتراضي "الإنترنيت" وأثره في الواقع وسلوك الفاعلين، وقدرتها على إنتاج اتجاهات جديدة ضمن الرأي العام السوري افتراضيا وميدانيا.

 في نظريات الإعلام ومفهوم المجال العام

يرى المؤلف أن مدارس علم الإعلام تذهب في تحديد مفهوم الإعلام وعلاقته بالاتصال إلى دينامية تفاعلية تقوم بين المرسلين والمستقبلين في السياق الاجتماعي، مؤكدا أن العملية الاتصالية تهدف بمضمونها إلى توجيه وكسب الاتجاهات الجديدة التي تنتج من الرأي العام وتبديل الاتجاهات القديمة، وبخاصة في ظل تكرسها نتيجة سيرورة تدفق المعلومات من خلال السياسات الإعلامية، التي ترتبط بمجموعة من الوظائف السياسية والاجتماعية والفكرية، ويرى المؤلف أن الطرف المرسل يعمل على إدامتها  في المجتمع بما يتوافق مع طبيعة النظام السياسي والاجتماعي القائم أو المعمول به.

أما في ما يتعلق بالعلاقة بين المجال العام والإعلام، فقد بدأ اهتمام علماء الاجتماع بنظريات الإعلام وتأثير وسائل الاتصال سوسيولوجيا منذ خمسينيات القرن المنصرم. ويعود إلى كل من هارولد إينس وهربرت مارشال ماكلوهن، الفضل في فتح المجال أمام التنظير لأنشطة الاتصال التي تترك آثارا قوية في تنظيم المجتمع. ويذكر المؤلف أن إينس قدم دراسة عن تأثير وسائل الاتصال في ما أطلق عليه "الحيز الاجتماعي"، وخلص إلى نتيجة مفادها أن تأثير وسائل الاتصال استمر على نحو محدود "تفاعليا" منذ آلاف السنين في حيز اجتماعي واسع، وبالتالي، فإن المجتمعات التي تقتصر على هذا النوع فقط من أوجه التواصل، تظل محدودة الاتساع والانتشار.

من جهة أخرى، يعتقد المؤلف أن هناك معطيات يمكن النظر إليها في إطار السلوك الجمعي المتوقع للأفراد مع بداية أزمة سياسية ما، إذ يتصرف الأفراد باغتراب عن النظام السياسي، وعندما تتعمق الأزمة يتحول الاغتراب إلى تيارات سياسية مؤيدة للتغيير، وفي غياب مرجعية فض الخلافات سياسيا بين دعاة التغيير ودعاة الحفاظ على الوضع القائم، تبدأ تصورات جديدة تظهر في المجتمع السياسي خارج المؤسسات السياسية القائمة، التي  لم تعد قادرة على مواجهة المشكلات والقضايا المتولدة عن البنى السياسية، وتبدأ عملية البحث عن أطر سياسية خارج البنى السياسية التقليدية.

ويرى المؤلف أن المتتبع للثورة السورية منذ انطلاقتها، يجد  أنها أنتجت عددا من القيم والرموز السياسية والاجتماعية، التي أحدثت تغييرا كبيرا في الرأي العام المحتج لجهة قضايا وطنية، كالتدخل العسكري الخارجي، ورموز سياسية كاعتماد علم الاستقلال وغيرها من رموز وأدبيات الخطاب السياسي، يضيف المؤلف، وهذا التغير مرده فرط وتطور هذه الوسائل التي تساعد على التفاعل في الإطار الجماهيري، والتي تنتج التغير بسرعة وفق النتيجة التي توصل إليها جون تومسون لدى دراسته المجال العام عند هابرماس، إذ رأى أن وسائل الإعلام الجماهيرية "تغير التوازن بين ما هو عام وما هو خاص في حياتنا"، وأن المجال العام لا يمكن أن يضيق، بل يتزايد بصورة أكبر مما كان عليه نتيجة الحداثة والتقنية الرقمية التي تفضي إلى تزايد المناقشات والمساجلات حول القضايا العامة.

الصفحات "التعبيرية" وتأثيرها في الرأي العام المحتج

يستعرض المؤلف في هذا الفصل ثلاث حالات من الصفحات التعبيرية، وهي صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد 2011، وشبكة شام وأوغاريت نيوز.

ويذكر الكاتب أن صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد، أنشأت في 18 يناير 2011،  من قبل ناشطين سوريين متمرسين بتقنيات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية شبه التفاعلية، ويرى أن نجاح جمعة الغضب في 28 يناير 2011 في مصر، مثل في أدبيات حركات الاحتجاج السياسية العربية حافزا كبيرا لها، وبدأت الصفحة تنتشر على حائطها عبارات تعبوية تطالب بالخروج في تظاهرات من الفيديوهات والأخبار من المواقع السورية والعالمية التي تستهدف  جمهورا افتراضيا معارضا اقتصر على ما يقرب من  ألفين مشارك في بداية تأسيس الصفحة. وتبنت الصفحة الدعوات التي أطلقت من بعض الناشطين في الفايسبوك وتويتر إلى "يوم الغضب السوري"، بتاريخ 5 فبراير 2011، في محاولة لمحاكاة تجربة مصر في 25 يناير 2011.

ويستعرض المؤلف بعض تفاصيل الصفحة وطريقة اشتغالها ومبادراتها خلال مراحل الثورة، ليخلص إلى أن الخطاب السياسي لهذه الصفحة التعبيرية لها افترق عن خطاب أغلبية المحتجين، الذين احتشدوا في درعا ودوما وحمص واللاذيقية، والذين جاءت مطالبهم إصلاحية وتراهن على رأس الهرم، كشخصية إصلاحية شبابية قادرة على أن تتفهم مطالبهم. ويرى أن القائمين على الصفحة أدركوا أن توجههم يتنافى مع خيارات المحتجين، فعمدوا إلى تنويع الخيارات بين عدة تسميات مختلفة، وبرزت منذ البداية آليات التوجيه الضمني للمستقبل التفاعلي من خلال حصره بخانة خيارات مغلقة تصب جميعها في خانة الرفض أو القبول.

ويعتبر الكاتب أنه على الرغم من الدور الذي أدته الصفحة في تهيئة المناخ الافتراضي لفرض شعار "إسقاط النظام" لدى المتابعين الافتراضيين، فإن هذا الدور لا يمكن فصله عن مسار تطور الأحداث في سورية، فقد ظهر الشعار لأول مرة كرد فعل غاضب على خطاب الرئيس بشار الأسد أمام مجلس الشعب، بتاريخ 25 مارس 2011، وأخذ الشعار في الانتشار بعد فشل الكلمة التوجيهية في امتصاص الغضب الشعبي.

ويحلل الكاتب عددا من نتائج الاستطلاع التي عرضتها الصفحة، ويناقشها  وكيفية تقديمها من طرف القائمين على الصفحة، ليخلص إلى أن للصفحة دورا مؤثرا في الرأي العام المحتج، من خلال، أولا "انتفاء وجود وسائل إعلامية على الأرض قادرة على تغطية الأحداث في ظل الحجب المفروض عليها من قبل الحكومة"، وكذا لوجود "عدد محدود للصفحات الناشرة للخبر، التي اقتصرت بداية على صفحة "الثورة السورية" وشبكة "شام" الإخبارية و"أوغاريت نيوز" المحدودة التغطية"، ثم لكون "الخطاب التصعيدي الذي كانت تطرحه الصفحة، والذي يتناول رأس الهرم مباشرة والنظام السياسي ككل".

ويلخص المؤلف دور الصفحة في الفضاء الافتراضي في كونها  أكبر جسم افتراضي  يعمل في الحيز العام الإعلامي السوري خارج النظام. فعلى الرغم من فرط التنسيقيات وتوافر عدة هيئات تنظيمية وقيادية، فإن المتابعين لها ضمن الفضاء الافتراضي الفايسبوك لا يزال الأكبر، إذ يبلغ نحو 326 ألف متصفح، كما يعتبر أن الصفحة لا تزال الموجه الأكبر للأدبيات السياسية للمحتجين افتراضيا حتى الآن، باحتكارها حتى الآن تسميات فعاليات أيام الجمعة وأيام التصعيد الثوري. ويذهب الكاتب إلى القول بأن "الصفحة ابتعدت عن تبني أي رمزيات أو أدبيات خطابية ذات بعد طائفي"، كما تبنت الصفحة منذ الأشهر الأولى في الثورة السورية، أدبيات خطاب سياسي أخذت أفكاره تتبلور وتتطور في الفضاء السياسي السوري المعارض عشية التهيؤ الأمريكي لغزو العراق واحتلاله عام 2003. وأخيرا ساهمت الصفحة في تكريس الخطاب الإسلاموي "الشعبي" في الثورة، من خلال تبني واقتراح تسميات قريبة مثل "جمعة الله معنا" و"جمعة الله أكبر"..

ويستعرض أخيرا المؤلف اتجاهات الرأي العام في الإطار التفاعلي للصفحة، ويرى أنه تمت معاينة أربع ملاحظات أساسية، وهي:

أ‌-          خلال الأشهر الثلاثة الأولى كان الاتجاه العام للتفاعل داخل الصفحة يتركز أساسا على مصطلحات الحرية والديمقراطية والإصلاح، إضافة إلى الحوار ومحاسبة المسؤولين عن القتل، والمصطلحات السياسية المتعلقة بالنظام الأمني وضرورة إنتاج التغيير الديمقراطي والمصطلحات التضامنية مع المدن المحاصرة، ومثل هذا الاتجاه ما يقارب 50 بالمائة من التوجهات التفاعلية لمحبي الصفحة.

ب‌-      خلال الفترة الممتدة من 1 يونيو إلى 15 أغسطس 2011، تراجع الاتجاه السائد الذي حكم الإطار التفاعلي للمتابعين خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الثورة، وتركزت التفاعلات ضمن الحيز العام للحدث، فتجلت باتجاه التركيز على رأس الهرم في النظام وشتمه وظهور مصطلحات يصنفها عادة علماء الاجتماع ضمن شعارات الكراهية.

ت‌-       منذ ظهور سبتمبر 2011، انشغل متابعو الصفحة في تعليقاتهم على روابط الصفحة بمفردات كانت تتناسب بالمجمل مع المسارات السياسية والإجرائية للأحداث في سورية، أبرزها السخط على المعارضة والدعوة إلى توحيدها وانتقاد افتراقها وتخلفها عن "نبض الشارع المحتج"، وانتقاد تعدد مؤتمراتها وعجزها عن الوصول إلى صيغة سياسية تؤلف من خلاله الجسم السياسي الداعم للثورة.

ث‌-      دخلت الثورة مع بداية عام 2012، مرحلة جديدة اتسمت ببروز الظاهرة المسلحة "الجيش الحر". وبغض النظر عن تكوينات هذا الجيش وأفراده، إلا أن الاتجاه العام للتعليقات جاء بدعم هذه الظاهرة وتبنيها وتشجيع ظاهرة المدن "المحررة" التي برزت  في مناطق من سورية كما في بعض قرى إدلب وريف دمشق وبخاصة الزبداني وبعض أحياء حمص.

الصفحات التحريضية الدينية والظاهرة العرعورية

يرى الكاتب أنه لا يمكن دراسة الثورات العربية على نحو معمق إلا من خلال استقراء الظواهر السوسيولوجية التي رافقتها، فالأنظمة العربية تتشابه من حيث هيكلتها وتركيبها البنيوي على الرغم من اختلافها من الناحية الدستورية في شكل النظام وطبيعته، لكن عند دراسة الحالات الثورية العربية، يجب التوقف عند خصوصية المجتمعات العربية واختلافاتها وتوزيعاتها على الرغم من الجامع المشترك بينها، وهو "التوق إلى الحرية"، الذي يمثل متغيرا تابعا لطبيعة الأنظمة الاستبدادية العربية في الدول كافة.

ويرى الكاتب أن الظاهرة الدينية أو "البعد التأثيري للخطاب الديني"، إحدى أبرز الظواهر التي رافقت الثورات العربية، على الرغم من تأخر الحركات الإسلامية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية، عن إطلاق الثورات وتفاجئها، ومن ثم ركوب الموجة واللحاق بها ليصار إلى قياداتها في كثير من الأوقات. ويذكر الكاتب أنه في سورية، كان مشهد الخطاب الديني معقد جدا، لجهة التنوع الإثني والطائفي وخصوصية النظام والمجتمع السوري.

ويستعرض الكاتب ثلاث أنواع من الخطابات الدينية، وهي الخطاب القرضاوي والخطاب المعقلن والخطاب المتسلفن.

الخطاب القرضاوي:

برز الخطاب القرضاوي حسب الكاتب، أمام حالة الثورات العربي وامتدادها السريع، وذلك كخطاب مؤيد لجميع الثورات العربية، وكما كان لمصر وليبيا واليمن نصيب من خطابات القرضاوي، نالت سورية حصتها لكنها جاءت بنتائج ارتدادية وعكسية على المجتمع السوري. ويرى الكاتب أن خطاب القرضاوي أسهم في زيادة حدة الاستقطاب الذي بدأ يظهر آنذاك، إذ أذكى خطابه نوعا من الانحياز والتهجم اللفظي على الأقلية العلوية التي ينتمي إليها الرئيس، والتي تتحكم فيه ضد الأغلبية الدينية "السنية". وقد أنتج هذا الخطاب تفاعلا ولغطا تقسيميا جرى تداوله ضمن الرأي العام، وبخاصة في ظل الرواية الرسمية عن الأحداث الخاصة بمجموعات إرهابية ومسلحين ومندسين مرتبطين بأجندات خارجية تهدف إلى إنتاج الفتنة الطائفية في سورية.

الخطاب المعقلن أو المرشد:

مثل هذا الاتجاه بعض الرموز الإخوانية القديمة ذات الخطاب العقلاني المعتدل، وأبرز ممثليه رئيس اتحاد علماء المسلمين السوريين الشيخ علي الصابوني، والشيخ محمود الحامد، وعصام العطار. وقد دعم هذا الاتجاه الثورة بمفرداتها التي أنتجتها، وفي مقدمتها الحرية والكرامة، كما دعم الاتجاه السلمي للثورة ودعا إلى الالتزام به كنهج. وأكد على ضرورة التزام المعايير الوطنية الجامعة ورفض الطائفية وما من شأنه أن يدفع بالثورة إلى مسارات فرعية تخالف السبب الذي قامت من أجله.

الخطاب المتسلفن:

يخضع هذا الخطاب لعدة إشكاليات، وبخاصة أنه يحظى بمتابعة متزايدة ضمن الوسط الإسلامي الشعبي في سورية، ولمحاولة فهم هذا الخطاب، يقول الكاتب أن لابد من التوقف عند تفاصيل  المحددات التي تحكمه وتساهم في تكريسه وإشاعته كخطاب مرافق للخطاب السياسي الثوري في سورية.

ويرى الكاتب أن أدبيات هذا الخطاب تنسب إلى رجل الدين الإسلامي "السني" عدنان العرعور، الذي ولد في مدينة حماه السورية، ودرس فيها قبل تخرجه في كلية التربية في جامعة دمشق. ولا يعود تأثير الظاهرة العرعورية وامتدادها في سورية إلى مرحلة انطلاق الثورة السورية، أي في شهر مارس 2011، لكن الظاهرة بدأت تجد انتشارها منذ عام 2008، أي منذ انطلاق قناتي صفا والوصال، اللتين حملتا خطابا دينيا متطرفا ضد الشيعة والصوفية. ويتساءل الكاتب، أين وجدت هذه الظاهرة تقاطعاتها مع بعض أوساط الإسلام الشعبي في سورية؟ ويقول الكاتب أن انتشار هذه الظاهرة وتقبلها، كان نتيجة ثلاثة معطيات أساسية، وهي التشيع والصوفية الغنائية ومظاهر العلمنة المستفزة. فبعض المناطق شهدت نشاطا تشيعيا قامت به بعض المرجعيات العراقية والإيرانية واللبنانية، وقد بدأت هذه الظاهرة بالاتساع في المناطق القريبة من السيدة زينب التي تمثل أحد الأرياف العشوائية الفقيرة في ريف دمشق. كما برز سنة 2011، اتجاه إسلامي مثلته قناة الصوفية، فلقي هذا الاتجاه شيوعا كبيرا في عدد من المدن السورية أبرزها دمشق وريفها القريب وحماه وريفها وريف حمص ودير الزور. وأخيرا تجلت مظاهر العلمنة المستفزة في مجموعة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية في 17 تموز 2010، أبرزها توجهات وزير التعليم العالي بمنع دخول المنقبات إلى حرم الجامعات السورية.

ويذكر المؤلف في نهاية هذا الفصل، أنه في الحيز الافتراضي كان هناك إطار يحتضن هذا الخطاب تمثل في صفحة فايسبوكية تحت مسمى، "الصفحة الرسمية للشيخ عدنان العرعور"، أما الصفحة التفاعلية التي تمرر رموز الخطاب السياسي والإعلامي الذي يتبناه العرعور، فتمثل بشبكة "سوريا المجد"، وهي صفحة إخبارية تقوم بتغطية تطورات الأحداث.

الواقع الافتراضي – الميداني وتأثيره في الثورة السورية

خصص المؤلف هذا الفصل إلى الحديث عن التنسيقيات وما تمثله، وكذا طريقة تشكيل القيادات المحلية، واشار إلى تأثر الثورة السورية بأدوات ووسائل الثورتين المصرية والتونسية، إذ كان لمواقع التواصل الاجتماعي والصفات الناشرة التي تبلورت مع بدء الحراك النصيب المهم في التأثير في الحراك السوري.

ويرى الكاتب أنه مع استمرارية الاحتجاجات وتوسعها جغرافيا وعدديا لجهة المنخرطين فيها، كان من الطبيعي أن تفرز بؤر الاحتجاجات قيادات محلية أخذت على عاتقها تنظيم الحراك ونقل معطياته الإعلامية عبر "اليوتوب" أو على مواقع الصفحات الناشرة لتنقل إلى وسائل الإعلام وفق حركة دائرية ليعاد ضخها كرموز جديدة في المجتمع.

وعلاقة بموضوع تشكل القيادات الجديدة، يرى الكاتب أن الحراك الشعبي حكمته "العفوية" كسمة رئيسية بداية التبلور لكنها ليست هرمية، لكن مع استمرار هذا الحراك، ظهرت الحاجة ذاتيا إلى نوع من التنظيم يحدد مواعيد انطلاق التظاهرات أو أماكنها.

وعرفت التنسيقيات نفسها بوصفها "منظمات غير حكومية"، تعنى بالمجتمع المدني في سورية، وتشير بوضوح من خلال اسمها إلى الرغبة والتعطش لدى شبان التنظيم السلمي، وتحشيد الطاقات والإمكانيات لدى المجتمع في أعمال متناسقة متكاملة،  كما هي حال المعارضات التقليدية، وإنما تسعى لإنجاز أعمال جماعية تتسم بالتآلف والانسجام لتحقيق هدف  أساسي صريح، وهو تفكيك النظام الأمني وإسقاط النظام.

وعمت فكرة التنسيقيات مختلف المحافظات والمناطق، وتكاثرت عدديا بصورة مفرطة، وغدت إحدى أدبيات الحراك، ومثلت أرشيفه الدائم بحسب توزعها الجغرافي، كما تجذرت الفكرة كأحد أساليب التنظيم للحراك من قبل الشباب المحتج، واضطلعت بالوظيفتين التعبيرية والتكوينية، وعكست هذه التنسيقيات أحد أوجه انخراط الفئات الوسطى في المستوى التفاعلي الافتراضي للحركات الاحتجاجية، وبخاصة أن مجموعة من التنظيمات الافتراضية كانت قد أنشأت قبيل اعتماد مسمى التنسيقية وألفت أنوية شبه منظمة لإدارة هذا الحراك، مثل "حركة 17 نيسان للتغيير الديمقراطي".

وانتقل الكاتب إلى الحديث عن بداية تشكل التنسيقيات، حيث تأسس اتحاد تنسيقيات الثورة السورية بعد شهرين من انطلاق الثورة السورية، أي في مايو 2011، الذي صدر بيانه التأسيسي في فاتح  يونيو 2011، ومثل الاتحاد بحسب ما جاء في بيانه التأسيسي، اجتماع ممثلي عدد من التنسيقيات المحلية للثورة السورية في مدينة دمشق وريفها ودرعا ودير الزور وحمص، على أن يضم مستقبلا تنسيقيات الثورة السورية الإعلامية والميدانية كافة.

وأسهمت فكرة الاتحاد وما تمخض عنها في ترشيح التنسيقيات لممثلين لها في الداخل، وفي إدماج الشبان في العمل السياسي بمرتكزاته ومضامينه كافة. وبالتالي كان لا بد من إنتاج آلية لفرز الأشخاص الفاعلين داخل التنسيقيات وترشيحهم بحسب كفاءتهم وقدرتهم على التعاطي مع أدبيات المرحلة السياسية للعمل داخل الاتحاد، الأمر الذي مثل نقلة نوعية في وضع هؤلاء على محك الاختبار الإجرائي للممارسة السياسية، وبالتالي لقدرتهم على صوغ رؤية سياسية تمثل خطوطا عامة وملامح أساسية لحراكهم، وهو ما جعل الحراك الثوري ينتقل من المرحلة العفوية إلى مرحلة أكثر تنظيما.

وواجه الاتحاد بعد إعلان بيانه التأسيسي مجموعة من العقبات أبرزها افتقار الشباب إلى الخبرة السياسية، وافتقادهم القدرة على ضبط الحوار الذي كان ينشأ داخل الاتحاد حول عدد من القضايا المستجدة، إضافة إلى مشاكل ذات إطار شخصي كرغبة كل قائد مجموعة على مستوى التنسيقية في أن يكون الممثل في محافظته أو منطقته من دون اللجوء إلى الأدوات الانتخابية، لكن الاتحاد استطاع تجاوز  بعض هذه العقبات مع زيادة الخبرة الميدانية والإعلامية لمثلي التنسيقيات في الاتحاد. 

ويرى  الكاتب أن هذه الهيئات الافتراضية الميدانية مثلت أبرز ما أفرزه الحراك الثوري الجديد في سورية من خلال انخراط فئات سياسية شبابية كانت مغيبة عن العمل السياسي، وميزت نفسها من المعارضة التقليدية واستطاعت على الرغم من قلة خبرتها السياسية أن تجد ما يؤطر الحراك ويقوده ويكون واجهة سياسية على الصعيد الميداني، بيد أنها فشلت حتى الآن في تأسيس كيان ميداني متماسك يستطيع أن يفرض معالم المرحلة السياسية في الثورة الحالية أو المقبلة، وقد عانت أيضا الاختلافات الأيديولوجية بين أعضائها، وتأثرهم بقوى المعارضة التقليدية التي نقلت مشاكلها إلى جسم الهيئة العامة، وبخاصة في ما يتعلق بقضايا إشكالية مثل الجيش الحر والتدخل الخارجي. كما أنها لم تستطع حتى الآن مواجهة الصفحات الناشرة التعبيرية على الرغم من انضوائها تحت مظلتها، لتفرض عليها أدبيات سياسية من الداخل السوري، بل رضخت إراديا أو بصورة غير مقصودة لتوجهاتها في رسم معالم الشعارات   السياسية في الثورة ولاسيما صفحة "الثورة السورية ضد بشار الأسد".

خاتمة

يخلص المؤلف إلى أن حرية الإعلام لم تكن في سورية خارج الواقع الذي فرضته أنظمة الاستبداد العربية، فعلى الرغم من سماح السلطات الجزئي بعمل الإعلام الخاص خارج المؤسسات الإعلامية التابعة لها، فهي أحاطت هامش الحرية الجزئي بقيود رقابية ومتابعة استخبارية وأمنية، وهو ما جعل وجود الإعلام الخاص جزءا من نمذجة نيو-ليبرالية حاول النظام الاستبدادي إرساءها في ظل التغييرات في المنظومة الأيديولوجية العالمية بسيادة نمط ليبرالي سياسي واقتصادي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وشيوع نمط التنظير الغربي عن هذه القيم التي حاولت الأنظمة الاستبدادية التكيف معها في إطار تكييف الاستبداد معها.

ويرى الكاتب في خلاصاته أن وجود الإعلام الخاص لا يعني بالضرورة وجود إعلام مستقل أو إعلام حر، وبخاصة عندما تخضع المؤسسات الإعلامية والمواقع الإلكترونية والصحف الخاصة، في طريقة عملها لقانون الإعلام الذي تفرضه السلطة الحاكمة. كما أن هامش الحرية الممنوح تم تأطيره في المجال  الاقتصادي والاجتماعي المبسط من دون تطرقه إلى الجانب السياسي، وهو ما جعل شرائح كبيرة من المجتمع السوري تجد في بعض القنوات العربية "الأكثر استقلالية" مصدرا لاكتساب المعلومة والخبر بحرية، وحظيت هذه القنوات بنسبة متابعة عالية، وبخاصة تلك التي عايشت الحراك الشعبي وتبنته وأيدته خلال الثورات العربية، (الجزيرة، العربية، فرانس 24، بي بي سي العربية).

ويرى الكاتب أنه، وبنظرة عامة مسطحة، نجد أن المواطن العربي في متابعته لهذه الوسائل، لم يكن يبحث عن موضوعيتها أو استقلاليتها أو مهنيتها في طريقة تغطية الحدث، وإنما وجد في تميزها عن إعلامه المراقب والمضبوط أمنيا وسياسيا لجهة تغطية الحدث الذي هو في جزء منه، في أحيان كثير، منبرا داعما له حتى في حالات مغالطتها وتحيزها وابتعادها من الموضوعية، وهذا يعكس حالة الاغتراب الاجتماعي والسياسي الذي عاناه المواطن العربي خلال عقود طويلة من الاستبداد.

ويرى الكاتب أخيرا أن جزءا من الانحرافات التي شهدتها الثورة السورية والتي تم تبنيها، يعود في الأصل إلى انحراف النقاشات ضمن المجال العام الافتراضي، وبخاصة أن من يتحكم فيه يعيش خارج جغرافية سورية، وهو غريب ميدانيا عن طبيعة الاحتجاجات، وهو أحيانا متعصب فكريا لخلفيته السياسية والعقائدية، فانطلق في تحوير مدخلات الحركة الاحتجاجية ومطالبها، إلى مخرجات تتناسب ورؤيته الفئوية قصيرة النظر، الأمر الذي أدى إلى تعاظم هذه الانحرافات وتبلورها كظواهر لم يعد في الإمكان تغطيتها على الرغم من إلباسها لبوسا سياسيا منمقا، ونتيجة تجذر هذه الانحرافات في تفكير المستقبل لها، لم يعد تأثيرها مرحليا أو محصورة تداعياته في حدود الثورة وحسب، وإنما ستتكرس كوعي مجتمعي زائف في مراحل لاحقة تتعدى ظرفها الزمني الآن. ويختم الكاتب بالقول، أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تغطيتها مع الثورة الشعبية، في إنتاج سياقات جديدة لعملية التحول الاجتماعي لا تستطيع الدولة برقابتها التحكم فيها، وهذه التحولات فرضت نفسها كحوافز أو كعوائق للنسق المجتمعي في بحثه عن احتمالات إنجاز التغير الديمقراطي في سورية، والتي انطلقت من أجل ثورة الكرامة.


© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)