ماذا لو نظر المواطن إلى بياناته الشخصية ورسائله الإلكترونيّة وتدويناته على مواقع الشبكات الاجتماعية، وتغريداته عبر «تويتر»، ونصوصه المتنوّعة على «واتس آب»،
ماذا لو نظر المواطن إلى بياناته الشخصية ورسائله الإلكترونيّة وتدويناته على مواقع الشبكات الاجتماعية، وتغريداته عبر «تويتر»، ونصوصه المتنوّعة على «واتس آب»، وصوره وأشرطته المصوّرَة، هي نتاجات يملك حقوقها الفكريّة بصفة شخصيّة؟ في هذه الحال، يصير التجسّس على هذه المعلومات انتهاكاً لقوانين الملكية الفكرية، إضافة إلى كونه عملاً متنافيّاً مع حقوق المواطن في النُظُم الديموقراطية. تعطي هذه الكلمات فكرة عن تنوّع النقاشات المتداولة بشدّة في الولايات المتحدة، عقب تفجّر فضيحة برنامج التجسّس الإلكتروني الشامل الذي تستعمله «وكالة الأمن القومي» في أميركا للحصول على المعلومات من جهات الأرض كلها.
جاء نموذج آخر عن هذه النقاشات أثناء جلسة للجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي حول الرقابة الحكوميّة، قبل بضعة أسابيع.
في تلك الجلسة، ضغط أحد النوّاب على نائب مدير «وكالة الأمن القومي» جون إنغليس، ليصرّح عمّا إذا كانت الوكالة استمعت إلى اتصالات هاتفية لمواطنين أميركيين أو اطلعت على رسائلهم الإلكترونية والنصيّة. وردّ إنغليس بالقول: «نحن لا نستهدف محتوى اتصالات أي شخص أميركي في أي مكانٍ على وجه الأرض، من دون تخويل قضائي».
بين «حول» و «موجّه إلى»
في سياق متّصل، أفاد تيموثي إدغار المسؤول السابق في الاستخبارات في إدارتي جورج بوش وباراك أوباما، بأن القانون الأميركي يتناول عمليات جمع المعلومات «حول» شخصٍ ما تستهدفه المراقبة الحكوميّة، لكنه لا ينطبق على تجسّس «موجّه إلى» ذلك الشخص. وأثار هذا التمييز نقاشاً داخلياً كبيراً.
وأشار إدغار الذي يعمل أستاذاً زائراً في «جامعة براون»، إلى وجود التباس في القانون حول معنى «استهداف شخص» برقابة حكوميّة. وأضاف: «لا يمكن على الإطلاق استهداف شخصٍ ما عمداً داخل الولايات المتحدة. هذه هي العبارات التي كنا نبحث فيها. وأكثر ما كان يقلقنا هو التأكد من جعل الإجراءات تطاول الاتصالات التي يتواجد أحد أطرافها خارج الولايات المتحدة».
وأفضت نقاشات الكونغرس إلى الاتفاق على صيغ قانونيّة في نهاية المطاف. ووافقت عليها «محكمة مراقبة الاستخبارات الخارجية». وتنص على إلزام «وكالة الأمن القومي» لدى تنصّتها على محادثات لأجنبي مستهدف بالرقابة، أن تتأكّد من وجود أحد المشاركين في هذه المحادثة خارج الولايات المتحدة، كي توجّه المراقبة فنياً نحو الطرف الخارجي.
ونصّت هذه القوانين على أن معالجة الاتصالات الأميركية التي تخضَع للتحليل من الرقابة، يجب أن تتفق مع القوانين المتّصلة بحماية الخصوصية.
وتنصّ القوانين على حذف المعلومات ذات الطابع الشخصي عندما تكون غير مهمة بالنسبة إلى الاستخبارات الخارجية.
وفي حين أن الفقرة المتعلقة بالمراقبة لم تحظَ بانتباه يُذكر إلا أن «اتحاد الحريات المدنيّة الأميركي» تنبّه إلى صيغ متعلّقة بالكلام وصيغه، في هذه القوانين.
«اتحاد الحريّات المدنيّة الأميركي»
في هذا الصدد، أشار جميل جعفر، المحامي الكبير في «اتحاد الحريات المدنية الأميركي»، إلى أن الأوضاع الحاليّة في المراقبة الحكوميّة، تلحق ضرراً بحرية الاجتماع وحق الأفراد في الحصول على المعلومات، لأن الأشخاص الذين يعرفون أن اتصالاتهم ستكون مراقبة سيغيرون سلوكهم. «سيتردّد هؤلاء قبل زيارة المواقع الإلكترونية المثيرة للجدال أو مناقشة المواضيع الإشكاليّة أو البحث في المسائل الحساسة على الصعيد السياسي»، بحسب قول جعفر الذي يعتقد أن حالات التردّد ستبدو غير مهمة إذا لم ينظر إليها على مستوى إفرادي، إلا أن تراكمها مع مرور الوقت يغيّر علاقة المواطنين مع بعضهم بعضاً ومع الحكومة كذلك».
في المقابل، اعتبر مسؤول استخباري رفيع المستوى، أن من الخطأ اتهام «وكالة الأمن القومي» بأنها تجري تجميعاً إجماليّاً لمحتويات الاتصالات. «إنّ التجميع الإجمالي يعني جمع المعلومات والاحتفاظ بها لفترة من الوقت تتيح للوكالة إجراء تحليل إسترجاعي لها. إلا أن الوكالة لا تفعل هذا الشيء حاضراً، وبالتالي لا يعتبر نشاطها بمثابة تجميع إجمالي»، بحسب كلمات هذا المسؤول.
في هذا الصدّد، أشار ستيوارت بايكر، المستشار العام السابق في «وكالة الأمن القومي»، إلى أن المراقبة ربما تفيد في تحديد إرهابيين غير معروفين سابقاً أو جواسيس داخل الولايات المتحدة كشفوا أنفسهم عن غير قصد. واستشهد بحال أفضت إلى التعرّف الى عزم «القاعدة» استخدام رقم هاتف محدّد أثناء تنفيذها أحدى عملياتها. وأضاف: «في حال أرسل شخص ما هذا الرقم عبر اتصالاته، فعندئذٍ ثمة احتمال أن يكون مشاركاً في مؤامرة معيّنة. وأريد أن أكتشف الأشخاص المشاركين فيها».
ولفت هذا المسؤول الاستخباري الكبير الى أن المراقبة «المتعلقة بالهدف» تكون مجدية في معظم الأحوال. إلا أنه اعترف بصعوبة تحديد مسارات الأعمال الإرهابية. وأضاف أن المراقبة شكّلت إحدى الوسائل المستخدمة لتجميع «فسيفساء» من المعلومات في سياق تحقيقات موسّعة. كما لفت إلى استعمال المراقبة لأنواع أخرى من التجميع، تشمل معلومات أجهزة الاستخبارات في دول صديقة.
يُذكر أن «محكمة مراقبة الاستخبارات الخارجية»، وهي مجموعة صغيرة من الحقوقيين يناط بها مراقبة مجتمع الاستخبارات الأميركي، لم تفصح عن القوانين التي استندت إليها أثناء تقويمها قانون «مراقبة الاستخبارات الخارجية» في العام 2008، ولم تشر إلى البند الرابع في الدستور الأميركي الذي يتيح إجراء بحوث «حول الهدف» على محادثات الأميركيين عندما تعبر حدود بلادهم.
يشار إلى أن المستشار القانوني في وزارة العدل وقّع في العام 2009 على إجراءٍ يتضمّن رصد محادثات الموظفين الفيديراليين من دون مذكرة قضائية، وذلك للتأكّد من عدم احتوائها شيفرة رقمية خبيثة. وهناك رأي آخر صدر عن ستيفن برادبوري، رئيس مكتب المستشار القانوني في عهد بوش، يمكن أن يكشف عن التحليلات القانونية التي لا تزال سرية، إذ كتب هذا الأخير أنه نظراً إلى أن هذا النظام المُسمى «آينشتاين 2.0» يتفحص المحادثات بحثاً عن الرموز الخبيثة للكومبيوتر حصريّاً، من دون تصريح قضائي مسبق فهذا الأمر بأنه يمثّل عبئاً على الحق المشروع في الخصوصية.