بعد 35 سنة من القضاء على فيروس الجدري Small Pox، بمعنى أنه لم يعد موجوداً بين الكائنات الحيّة طبيعيّاً،
عد 35 سنة من القضاء على فيروس الجدري Small Pox، بمعنى أنه لم يعد موجوداً بين الكائنات الحيّة طبيعيّاً، يصر العلماء على الاحتفاظ بمخزون منه. ولأنه من الفيروسات الفتّاكة، يجرى الاحتفاظ به في مخازن محميّة بصورة مكينة في الدول الكبرى، بل يُحمى بأشد من حماية أسلحة الدمار الشامل.
هناك سؤال بديهي: لماذا الاحتفاظ بكميات من فيروس الجدري، على رغم انقراضه وخطورته؟ ثمة اتفاق واسع على أن الفيروس ربما ظهر فجأة. عندها، يكون المخزون منه بمثابة سلاح دفاعي. إذ يستطيع العلماء استخدام المخزون في صنع لقاحات للوقاية من انتشاره، لو حدث.
إذاً، هناك وضع إشكالي، إذ إن المخزون من فيروس الجدري ربما تسرّب من مخازنه المحمية جيّداً، لسبب أو لآخر. وبقول آخر، يمثّل المخزون بحد ذاته، تهديداً للبشر لكنه سلاحهم الوحيد المحتمل في حال حدوث انتشار غير متوقع لفيروس الجدري.
«جريمة» الجين الأخضر
تبدو هذه الأوضاع المتناقضة والإشكالية، مألوفة بشدّة لدى علماء الفيروسات. وتتجدّد النقاشات فيها بين الحين والآخر. وفي مثال لافت، ناقش بعض العلماء الأميركيين مع نظرائهم دوليّاً، مسألة زرع جين يشع باللون الأخضر عندما يختلط مع الماء، داخل المخزون الأميركي من فيروس الجدري. جوبِه الطلب برفض واسع. لم يتردّد علماء كثيرون في وصف الطلب بأنه «جريمة ضد الإنسانيّة»، على رغم أنه يهدف إلى سهولة التعرّف إلى فيروس الجدري في حال تسرّبه. ربما أدّت الظروف الدوليّة دوراً في هذا الرفض الواسع، لأنه لم يكن بعيداً من زمن الاحتلال الأميركي للعراق، واستخدام إدارة الرئيس جورج دبليو بوش مسألة علمية متّصلة بالأوبئة (من ينسَ القنينة الصغيرة من الأنثراكس يهزّها وزير الخارجية الأميركي كولن باول في الأمم المتحدة؟)، لتبرير الحرب والاحتلال. ولكن، في منحى علمي آخر، يقتضي زرع الجين إخراج مخزون فيروس الجدري من حال تجميده، وتفعيله كي يتلقى الجين. ومن يضمن ما يحدث في سياق هذا الأمر؟ يكفي أدنى حدّ من السهو أو التلوّث غير المقصود، لإطلاق جائحة جدري تجتاح العالم بسهولة مرور سكين في قالب من الزبدة.
وفي حال فيروس الإنفلونزا، حدث نقاش أشد مرارة، إذ طالب عالمان من الدنمارك والولايات المتحدة، أن يعطى لهما الحق في إجراء تجارب لإكساب فيروس «أنفلونزا الطيور» بعض السمات التي تزيد في انتشاره. وبصورة محدّدة، انصبت مطالبة العالمين على تجارب لإكساب فيروس «آتش5 أن1» خصائص تسهّل انتقاله من الطيور الى الحيوانات اللبونة والبشر.
حدث ذلك في سياق مؤتمر استضافته مالطا في العام 2011، حمل عنوان «مجموعة العمل الأوروبية عن الأنفلونزا». جوبه الطلب برفض قوي. وأثار نقاشاً قويّاً عن تجارب «اكتساب الوظائف» Gain of Function (اختصاراً «غوف» GOF) بصورة عامة. إذ تسعى هذه التجارب إلى إعطاء الفيروسات خصائص ليست لها طبيعياً، بل تحديداً كي تصبح أشد قوّة. وكما ورد آنفاً، يجري الدفاع عن تجارب «اكتساب الوظائف» بحجة أنها تعطي العلماء في المختبر فيروسات قويّة، ما يعطيهم القدرة على صنع أشياء تقاومها. هل الفيروسات القاتلة هي ضرورة أيضاً؟ النقاش ليس سهلاً.