ي القرن الواحد والعشرين، برز ميل إلى تبدد الحدود بين حال الحرب وحال السلم. ولم تعد ثمة حاجة إلى إعلان الحرب، وهذه تندلع وتدور خارج أطر مألوفة ومتعارف عليها. وأظهرت النزاعات العسكرية - ومنها تلك الوثيقة الصلبة
في القرن الواحد والعشرين، برز ميل إلى تبدد الحدود بين حال الحرب وحال السلم. ولم تعد ثمة حاجة إلى إعلان الحرب، وهذه تندلع وتدور خارج أطر مألوفة ومتعارف عليها. وأظهرت النزاعات العسكرية - ومنها تلك الوثيقة الصلة بما يسمى ثورات ملونة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط -، أن دولة مزدهرة قد تتحول في أشهر قليلة أو أيام، ساحة نزاع مسلح محتدم وتقع فريسة التدخل الأجنبي، وتغرق في شباك الفوضى والكارثة الإنسانية والحرب الأهلية.
دروس «الربيع العربي»
ومن اليسير القول إن حوادث «الربيع العربي» ليست حرباً، وإن لا عِبَرَ قد يستقيها الخبراء العسكريون منها. لكن القول هذا يخالف الواقع، فهذه الحوادث هي نموذج الحرب في القرن الواحد والعشرين. وعلى مقياس عدد الضحايا والدمار-أي النتائج الكارثية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية-، أوجه الشبه كبيرة بين هذه النزاعات الجديدة ونتائج حرب فعلية. ولا شك في أن «قواعد الحرب» تغيرت.، وتعاظم دور الوسائل غير العسكرية في بلوغ أهداف سياسية واستراتيجية، وفاقت نجاعة دورها الفائدة التي ترتجى من قوة السلاح. ورجحت كفة الجمع بين توسل أدوات غير عسكرية، أي سياسية واقتصادية ومعلوماتية وإنسانية، وقدرة الشعوب على التظاهر. ودعمت هذه الوسائل وسائط عسكرية مضمرة، منها شن هجمات أو مناوشات معلوماتية وعمليات القوات الخاصة. ولا يُلجأ إلى القوة الصريحة، على رغم أنها تتستر بقوات حفظ السلام أو إدارة النزاعات، إلا في مرحلة معينة من النزاع، أي بعد تحقيق إنجازات.
ولكن ما هي الحرب الحديثة؟ وما الذي يعد الجيش لمواجهته؟ وكيف يسلح؟ يقتضي تطوير القوات المسلحة على الأمد الطويل جواب هذه الأسئلة وإدراك أشكال استخدام القوة ووسائطه. واليوم، تطور أسلحة غير تقليدية جنباً إلى جنب الأسلحة التقليدية. وبرز دور المجموعات المسلحة المتحركة والمختلطة التي تتحرك كوحدة استخباراتية– معلوماتية متنقلة، تعتمد على أنظمة الرقابة والتحكم المتطورة. والنشاطات العسكرية تميل، أكثر فأكثر، إلى السرعة والدينامية. وفي الحروب الحديثة، لا حاجة إلى تجميد العمليات التكتيكي والعملاني. فالعدو قد يستغل مرحلة تجميد النزاعات أو تعليقها. والتكنولوجيا المعلوماتية الجديدة قلّصت الهوة المكانية والزمنية والمعلوماتية بين القوات المسلحة والهيئات الضابطة والناظمة لها. وأفلت المواجهات «وجهاً لوجه» بين أعداد كبيرة من القوات، وهي تنقلب لتصبح من ذكريات الماضي البعيد. والسبيل إلى بلوغ أهداف الحرب هو أفعال تنفذ من بُعد، من غير مواجهة، وتلحق الهزيمة بالعدو من عمق أراضيه. والحدود تتلاشى بين المستويات الاستراتيجية والعملانية والتكتكية، شأن الحدود بين العمليات الهجومية والدفاعية، وتغلب كفة السلاح الفائق الدقة.
صارت العمليات غير المتكافئة- ومنها عمليات القوات الخاصة والمعارضة الداخلية التي تشكل جبهة مواجهات دائمة في قلب الدولة العدو والعمليات المعلوماتية- شائعة. وهي تطيح تقدم العدو في النزاعات المسلحة، وهذه التغيرات ماثلة في عقائد الدول الرائدة.
عام 1991، في عملية «عاصفة الصحراء» في العراق، التزم الجيش الأميركي مفاهيم أو رؤى مثل «اكتساح شامل، قوة شاملة» و «عمليات جوية– برية». وعام 2003 في عملية «حرية العراق»، التزم الجيش الأميركي مبدأ «سينغل بربسبكتيف 2020» (رؤية أحادية). واليوم، ترمي مفاهيم مثل «ضربات شاملة» و «صواريخ دفاع شامل» إلى تدمير أدوات العدو في ساعات، انطلاقاً من أي مكان، وتفادي أضرار رد العدو. وتلتزم الولايات المتحدة عقيدة دمج العمليات الشامل التي ترمي إلى إنشاء قوات صغيرة سريعة الحركة ومختلطة. وفي النزاعات الأخيرة، برزت سبل جديدة ليست عسكرية صرف لكنها تدرج في سياق عمليات عسكرية. وخير مثل هو العمليات في ليبيا: إرساء منطقة حظر جوي وبري والاستعانة بمقاولين عسكريين من القطاع الخاص تولوا التنسيق من كثب مع مجموعات المعارضة المسلحة. ولا مفر من الإقرار بأن فهم أشكال الحرب غير المتكافئة عسير، على خلاف الأفعال العسكرية التقليدية.
دور العلوم العسكرية
ثمة فائدة تُرتجى من احتساب التجارب الروسية في مناقشة النزاعات العسكرية، وعلى وجه التحديد سوابق التوسل بوحدات موالية في «الحرب الوطنية العظمى» ومكافحة التشكيلات غير النظامية في أفغانستان وشمال القوقاز. ففي حرب أفغانستان، استخدمت القوات الروسية قوات غير نظامية سريعة الحركة وقوات تطويق عرقلت مشاريع العدو وألحقت به خسائر كبيرة.
وتخلف المعدات العسكرية الحديثة المؤتمتة وبحوث الذكاء الاصطناعي أثراً بالغاً في وسائط النزاعات المسلحة الحديثة، فاليوم تجول طائرات «الدرون» في الأجواء، وغداً ستنتشر روبوتات طائرة وزاحفة ومجوقلة في أرض المعركة. وفي المستقبل القريب، يتوقع أن تتولى القتال فرق مؤتمتة تشن عمليات عسكرية، ولكن ما أشكال القتال في مثل هذه الظروف، وما الأسلحة الناجعة في مواجهة عدو آلي؟
حيز المعلومات يشرّع الأبواب أمام إمكانات غير متكافئة في تقليص قدرات العدو القتالية. ففي شمال أفريقيا، استخدمت التكنولوجيا للتأثير في بنى الدولة والسكان من طريق الشبكات الإلكترونية. وأماطت عملية إلزام جورجيا بالسلام، اللثام عن الافتقار إلى مقاربة موحدة في استخدام القوات المسلحة خارج الفيديرالية الروسية. وتبرز الحاجة إلى إنشاء نظام دفاع مسلح يحمي مصالح الدولة في الخارج. وسلطت حوادث مثل هجمات أيلول (سبتمبر) 2012 على القنصلية الأميركية في بنغازي الليبية، وانبعاث نشاطات القرصنة وأزمة الرهائن في الجزائر، الضوء على الحاجة هذه.
السيطرة على الأراضي
وفي النزاعات الحديثة، تتعاظم الحاجة إلى الدفاع عن الشعب وممتلكاته ووسائل اتصالاته في مواجهة القوات الخاصة. وقبل 2008 (حرب جورجيا)، فاق عدد جنود الجيش في وقت الحرب أكثر من 4.5 مليون جندي، ووقع على عاتق القوات المسلحة الدفاع عن الأراضي الروسية. لكن الأحوال لم تبقَ على حالها. واليوم، يقتضي صد وحدات الاستطلاع والقوات الإرهابية تعاون كل أجهزة الأمن. وسلطت العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق الضوء على ضرورة تحديد دور القوات المسلحة في مرحلة ما بعد النزاع، وتحديد الأولويات وسبل تفعيل القوات ورسم حدود اللجوء إلى القوة.
الأفكار والقيادة
لا تقوم قائمة لمقارنة العلوم العسكرية الروسية اليوم بنظيرتها عشية الحرب العالمية الثانية. آنذاك عرفت هذه العلوم النظرية ازدهاراً وغنى، ولا يخفى أن توليد الأفكار والنظريات عند الطلب محال، ولست أنا صاحب هذا القول. ويعود الفضل في ازدهار العلوم العسكرية الروسية عشية الحرب العالمية الثانية إلى شخصيات لامعة استثنائية من أمثال جورجي إيسيرسون، وليس إلى حَمَلَة شهادات عالية أو خريجي أكاديميات بارزة وكليات عسكرية. واليوم، يكثر حَمَلَة الشهادات العالية، ويُفتقر إلى مثل تلك الشخصيات البارزة. وفي كتابه «أشكال القتال الجديدة»، كتب إيسيرسون، المنظر السوفياتي العسكري الذائع الصيت: «لن تعلن الحرب (في المستقبل). ستبدأ بين قوات عسكرية، والتجييش والتجميع لن يأتيا في مرحلة ما بعد الحرب على نحو ما حصل في 1914، بل أن العمل بهما يبدأ في وقت مبكر قبل الحرب...». و«نبوءة السلف» هذا كانت في محلها. ومنيت روسيا بخسائر كثيرة نتيجة إهمالها خلاصات إيسيرسون، وليس احتقار الأفكار الجديدة والمقاربات غير النمطية وآراء الغير، في محله، وهو غير مقبول في العلوم العسكرية. ولا أدعو إلى استنساخ التجارب الأجنبية والاحتذاء بدول رائدة، بل إلى التفوق عليها والارتقاء إلى مصاف قدوة رائدة.
* قائد أركان قوات الفيديرالية الروسية، «في بي كي» الروسية، 27/2/2013، ونقل موقع «هوفينغتون بوست» الأميركي المقال إلى الإنكليزية في 3/9/2014، إعداد منال نحاس.