خلال تغطيتها الاحتجاجات في مدينة فيرغسون الأميركية، التي اندلعت إثر تبرئة شرطي أبيض من تهمة تعمد قتل شاب أسود، سلَّطت قناة فوكس نيوز الضوء على أمر آخر
سلَّطت قناة فوكس نيوز الضوء على أمر آخر، على هامش تغطية اندلاع المواجهات بين المحتجين والأمن. وهو موقف الرئيس الأميركي باراك أوباما من الحادثة والتحقيقات في القضية.
أعادت «فوكس نيوز» نشر فيديو يُظهر مجموعة خطابات مقتطعة لأوباما، يؤكد في الأول عدم رغبته في التعليق على قضية يجري النظر فيها من القضاء، ثم في أحاديث صحافية لاحقة، يُبدي وجهة نظرة حول الحادثة، تارة بالتعاطف مع أسرة الضحية «الأسود»، وتارة أخرى بالحديث عن اهتمامه الشخصي بالمسألة وتحقيق العدل. وهو ما اعتبرته القناة تناقضاً صارخا من الرئيس وتدخلاً في مجرى النظر في القضية...الخ.
قناة فوكس نيوز، ومن خلال تركيزها على موقف الرئيس الأميركي، تريد أن تستغل الموقف؛ بالنيل من صدقية أوباما شخصياً، من خلال إظهاره بمظهر المتناقض، والمتعاطف مع السود ضد البيض بسبب نزوعه العنصري، كما كانت تفعل خلال حملاتها ضد أوباما إبان الانتخابات الرئاسية. الرئيس الأميركي الذي صرح مرة لمجلة «نيويورك تايمز» عام 2008، بأنه يخسر نقطتين إلى ثلاث نقاط في استطلاعات الرأي، بسبب تأثير قناة فوكس نيوز، كان يعي تماماً تأثير القناة على شعبيته في أوساط معينة من الجمهور الأميركي.
غالباً ما كان ينظر إلى «فوكس نيوز» باعتبارها قناة مجنونة، تقود الأميركيين بشكل عام إلى التعصب والكراهية، بينما يجادل آخرون بأنها ليست سوى تجربة مراهقة، لا يمكن لها أن تنافس قنوات عريقة مثل «بي بي سي» أو وسائل إعلامية ليبرالية عمرها قرن أو يزيد، مثل «واشنطن بوست» أو «نيويورك تايمز».
الحقيقة أن كل وجهتي النظر هنا قابلة للجدل والأخذ والرد. فقناة فوكس نيوز، التي انطلقت سنة 1996 تصل اليوم إلى قرابة ثلث المنازل الأميركية. وهذا رقم كبير جداً بالنسبة إلى قناة لم يمر على تأسيسها سوى أقل من عقدين من الزمان. الأهم أن القناة تملك تأثيراً في الرأي العام الأميركي، لكنه محدود، وهذا أمر محتاج إلى بعض تفصيل.
في عام 2006 نشرت دراسة لستيفانو ديلافيجنا وإيثان كابلان، حول تأثير قناة فوكس نيوز في التصويت خلال الانتخابات الرئاسية وانتخابات الكونغرس. قارن الباحثان بيانات المشاركة والنتائج في قرابة 900 بلدة أميركية بين انتخابات 1996 و2000، أي قبل دخول قناة فوكس نيوز لهذه البلدات وبعده. لتثبت أن هناك زيادة في التصويت للجمهوريين والمشاركة في الانتخابات، وهو ما يثبت إحصائياً أن القناة أثرت في نتائج الانتخابات لمصلحة الجمهوريين. ولتجنب أي لغط حول الدراسة، راجع الباحثان بيانات أعوام 1992 و1988، ليجدا أن لا تغيير يذكر في النتائج والمشاركة الانتخابية، وهو ما يجعل دخول «فوكس نيوز» المتغير الوحيد.
في السياق ذاته، تتم أحياناً المبالغة في تأثير القناة والحديث عن توجهاتها المتطرفة. فعلى سبيل المثال، توصف عادة بأنها قناة منحازة بشكل كامل للحرب على العراق، وأن موقفها هذا هو امتداد لموقف مالكها روبرت ميردوخ (البليونير الأسترالي-الأميركي)، عندما عبر علانية عن دعمه لإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش، والحرب على صدام حسين، معتبراً أن الجميع سيربح من النفط الرخيص الناتج من الحرب. إن القناة كانت متطرفة في دعم الحرب على العراق، لكنها لم تكن الوحيدة، فمعظم الإعلام الأميركي «الليبرالي» كان متبنياً لسردية الإدارة الأميركية عن الحرب.
عام 2009 صدر كتاب بعنوان: Ugly War, Pretty Package،
يقارن المؤلف فيه موقف قناة فوكس نيوز «المحافظة» بقناة سي إن إن «الليبرالية»؛ ليثبت أن القناتين تقاسمتا الموقف ذاته من الحرب على العراق، الداعم لإدارة الرئيس بوش، خلال بدايات انطلاق الحملة العسكرية. تغطية القناتين وجهتا من خلال رقابة وزارة الدفاع الأميركية، وتبني سرديتها عن الحرب وأهدافها ونتائجها، ونقص المعلومات القادمة من أرض المعارك، بسبب عدم وجود عدد كافٍ من الصحافيين الميدانيين.
لقناة فوكس نيوز تأثير في السياسة الأميركية، وتوجه الرأي العام، لكن هذا التأثير محدود، بسبب طبيعة الشريحة التي تستهدفها القناة. فالقناة يشاهدها الجمهور المحافظ الأميركي أكثر من استهدافها جمهوراً متعدد التوجهات الفكرية. فلها نفوذ كبير في أوساط الجمهوريين، بينما تأثيرها يكاد يكون معدوماً في الديموقراطيين أفراداً. حتى إن أحد المعلقين عبَّر مرة بأن الجمهوريين لا يصدقون أي شيء إلا «فوكس نيوز»، بينما يصدق الديموقراطيون كل شيء ما عدا «فوكس نيوز». أهمية الحديث عن «فوكس نيوز» يتزايد في المجال العربي، لا بسبب مواقفها من الحرب على الإرهاب والحرب على العراق، الذي تبدو فيه أكثر تطرفاً وانحيازاً وتبنياً لرؤى عنصرية وصور نمطية عن العرب والمسلمين، بل لأننا في العالم العربي نعيش هذا التجاذب بين وسائل إعلامية مختلفة متناقضة في المواقف والتوجهات، في ظل نقص في دراسات رصينة حول تأثير هذه القنوات على المجتمع العربي. ولاسيما منذ انطلاق الثورات العربية عام 2011، إذ تنامت حدة الاستقطاب في العالم العربي والتباين بين الحكومات والشعوب، وهو ما يكسب الدراسات الإعلامية أهمية مضاعفة، لكشف تحيزات الإعلام وتأثيراته.