تشير دراسات غربية إلى أن استخفاف الأهل والمربين بالعنف المتدفّق عبر الشاشات الرقميّة
تشير دراسات غربية إلى أن استخفاف الأهل والمربين بالعنف المتدفّق عبر الشاشات الرقميّة، يؤدي إلى تسطيح درجة تعاطف الطفل مع الضحايا وتضاؤل شعوره بالتضامن مع الغير. وخير دليل على ذلك ما نراه على شاشات التلفاز حاليّاً من جرائم وذبح، ما أدى إلى جعل تلك الصور عاديّة لجمهور واسع يشمل صغار السن.
كما تشير دراسات متنوّعة إلى أن مشاهدة ساعة من العنف على الشاشة تؤدي إلى إحداث تأثير في الأطفال، يتفاوت وفقاً لأعمارهم. وبالنسبة الى الأطفال بين 3 و 5 سنوات، يؤدي ذلك إلى مضاعفة احتمال حدوث اضطرابات مباشرة في السلوك عندما يصل الطفل إلى سن المراهقة، بأربعة أضعاف المعدل الاعتيادي.
وفي سن السابعة وبعدها بقليل، يستطيع الطفل إرسال ما يزيد على 50 رسالة نصيّة إلى أصدقائه في الصف، تشمل وصفاً لحال الصف ونميمة على الأستاذ والآخرين. وتسيء تلك الممارسات وأشباهها إلى عملية التعلّم بعمومها.
ومن البيّن أيضاً أن الأجهزة الرقميّة باتت تؤثر بشدّة في الأخلاق أيضاً.
إذ لم تغيّر السيّارة والهاتف والأدوات الكهربائيّة المنزليّة فعلياً في أخلاقيات الجمهور الواسع. وفي المقابل، ينكب اختصاصيّو النفس وعلم النفس العصبي والمحللون النفسانيّون، منذ 20 سنة تقريباً، على دراسة تأثير الأدوات الرقميّة في الأخلاق والسلوك. ومع انتشارها الذريع جماهيريّاً، ينفتح الباب واسعاً أمام ظهور آراء خاطئة بصددها، لعل أبرزها هو ربطها مع التطوّر والفعاليّة الاجتماعيّة.
صار من الصعب تمييز ما هو أخلاقي أو جيد عن ما هو سيّء وسلبي. ولا يجد الأطفال فرقاً بين الأغاني المقرصنة وغير المقرصنة، ولا بين شراء التطبيقات أو تحميلها من الإنترنت و»سرقتها»، إذ يميل المجتمع الاستهلاكي إلى جعلنا عبيداً له، بدل أن يكون مسخّراً لخدمتنا. ويعتقد بعض المهتمين أن كل ما يحدث في المجتمع الأستهلاكي هو نوع من «غسيل الدماغ» المتواصل والمُبَرْمَج.
كذلك تسهّل التقنيّات الرقميّة اخضاع الدماغ وترويضه لمصلحة منتجاتها. ولا شك في أن صنّاع التقنيّات يتحرّكون عبر تلك المقولة، كما يعملون على تكريسها عبر تهيئة الأطفال منذ الصغر على أن يكونوا مشاريع مستهلكين في المراهقة، من دون تفكير أو تردد. وبقول آخر، يعمل صُنّاع التقنيّات الرقميّة على جعل الأطفال مسلوبي التفكير!
يضاف إلى ذلك، ما يلاحظ على شبكات التواصل الاجتماعي من كتابات. وتتميّز بأنها تغذي «الأنا الأعلى» الافتراضيّة، سواء بصورة واعية أم لا، ما يؤدي إلى إرساء آراء مشوّهة لدى الأطفال.
ومن يتابع شبكات التواصل الاجتماعي يخرج بانطباع واضح مؤدّاه أن كل الناس يتفاخرون حتى لو اضطّروا إلى الكذب، من أجل أن تظهر الـ «آنا» عندهم مرتفعة إلى أقصى الحدود.

تخدير الجمهور!
على تلك الشبكات، باستطاعة أي شخص أن يكتب ما يشاء وينشره. في المقابل، تفرض تلك الوقائع أن يعمل المعنيون جميعهم على تنمية الفكر والمنطق لدى الأطفال، ودفعهم نحو التأني والتفكير برويّة قبل الإقدام على العمل، مهما كان نوعه.
من المؤسف أن المجتمع الرقمي حتى الآن لا يقوم إلا «بتخدير» الجمهور الواسع بطرق متنوّعة، أو أن ذلك ما تلاحظه العين الراصدة لتلك الظاهرة، لحد الآن. وبديهي التذكير بأن التفكير يحتاج الى أكثر بكثير من مجرد الضغط على فأرة الحاسوب ولمس الشاشة الرقميّة. ويتوجّب تعليم الأطفال تلك الأشياء، مع التشديد على أن الفكر ميّزة جوهريّة في الإنسان. والأرجح أن الوضع الحاضر يذكّر بقول أحد طغاة الإمبراطوريّة الرومانيّة الذي نصح بإعطاء الشعب «الخبز والألعاب» كي لا يثور!
وبقول مجمل، يفترض بالمعنيين في تربية الطفل التشديد على ضرورة قوننة الأوقات المخصصة لتفاعل الطفل مع الشاشات الرقميّة، مع الإشراف أيضاً على تأهيله لاستخدام الألعاب الإلكترونيّة والتقنيّات الرقميّة بصورة مجدية تخدم بناء الشخصيّة لدى أجيال المستقبل.