تنقّل العالِم الأميركي- المصري يسري يوسف عزمي (مواليد القاهرة، 1956) بعد حصوله على بكالوريوس الهندسة النوويّة في جامعة الإسكندرية،
تنقّل العالِم الأميركي- المصري يسري يوسف عزمي (مواليد القاهرة، 1956) بعد حصوله على بكالوريوس الهندسة النوويّة في جامعة الإسكندرية، بين رحاب جامعات ومراكز بحوث أميركيّة شتى، سعيّاً لاكتساب مزيد من العلوم والخبرات المهنيّة. وساعده على ذلك أنه تلقى منحة دراسيّة في العام 1980 من جامعة «إلينوي» الأميركيّة، عقب نيله البكالوريوس في مصر. وفي «إلينوي»، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة النوويّة. وبعد الدكتوراه، عمل عزمي باحثاً لمدة 16 عاماً في مختبر أوك ريدج الوطني (الأميركي)» الذي ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره أحد أبرز مراكز البحوث الأميركيّة المعنية باستخدام الذرّة لأغراض مدنيّة. وفي عام 2002 انتقل إلى جامعة ولاية بنسلفانيا وعمل أستاذاً وباحثاً فيها. وبعد ست سنوات، استقر به المقام في جامعة نورث كارولينا، حيث يشغل منصف أستاذ أكاديمي، إضافة لكونه رئيساً لقسم الهندسة النوويّة في تلك الجامعة.
حوسبة العلوم النوويّة
في حوار مع «الحياة»، يبيّن عزمي أن بحوثه في الهندسة النوويّة تنطلق من معادلات رياضيّة وفيزيائيّة وحسابيّة معقدّة. ويضيف: «تهدف تلك المعادلات إلى التعرّف إلى آليات انتقال موجات الأشعة من مصدرها ومكان ولادتها إلى أمكنة أخرى. كما تسعى لقياس قوة تلك الموجات ومدى تأثيرها على الأشياء التي تقع عليها. ويجب أن أوضح أن تلك العمليات قابلة للبرمجة على الكومبيوتر، كما تتيح معرفة المجال الذي تتحرك فيه الإشعاعات النوويّة ضمن المناطق التي تحيط بمصدر معيّن للأشعة. وكذلك أعمل على بحوث تتيح للعلماء والمهندسين النووييّن تقدير مدى المشاكل التي يسبّبها الإشعاع. وفي خطوة تاليّة، نصل إلى تقديم حلول وتصاميم يمكن أن تستخدم في مفاعل ذري أو في أغراض أخرى متّصلة بالطاقة النوويّة السلميّة كالطب النووّي ومعالجة الأمراض السرطانيّة وغيرها».
وفي السياق عينه، أوضح عزمي أن بحوثه تتأسّس على «نظريّة النقل الإشعاعي». ووصف تلك النظريّة بأنها تعتمد طرقاً وحسابات رياضية تستخدم فيها نُظُم الحوسبة عبر مجموعة من الكومبيوترات المترابطة ببعضها بعضاً. وأضاف: «يجري العمل عبر سلسلة من التجارب التي تتكرّر المرّة تلو الأخرى، إلى أن تتضاءل نسبة الأخطاء فيها. وفي خطوة تالية، نصل إلى وضع تصاميم جديدة وحلول علميّة مبتكرة في معادلات النقل الإشعاعي، تكون متميّزة بالدقة والكفاءة الحسابية العالية». وفي نفسٍ مُشابِه، يؤكد عزمي أن تلك المعادلات وحلولها استحوذت على قسم كبير من مسيرته العلميّة في الجامعات ومراكز البحوث. ويؤشّر إلى ذلك ما ورد في إحدى وثائق مختبر «أوك ريدج» من تنويه بإنجازات عزمي، إذ تؤكّد الوثيقة أن «يسري يوسف عزمي عالِم في بحوث الفيزياء الحاسوبيّة ورئيس قسم الطاقة (في «أوك ريدج»)، جرى اختياره لمنصبه بناء على ابتكاره تقنيّات في حلّ معادلات النقل الإشعاعي وتحليلها وتطبيقاتها النوويّة المتعدّدة، إضافة إلى تنفيذها على أجهزة الكومبيوتر».
وينكبّ عزمي راهناً على إيجاد طرق رياضيّة حديثة للوصول إلى ما يسمّيه «حل المسألة العكسيّة»، والمقصود من ذلك هو «معرفة مصدر الإشعاع بتفاصيله كافة، استناداً إلى عدد محدود من القياسات الإشعاعيّة». ويشير إلى أن نجاح البحوث سوف يمكّن المهندسين النوويين، على سبيل المثال، من تقدير مدى التلوث النووي الناجم من حادث نووي مماثل لانفجار مفاعل «فوكوشيما» في اليابان، أو التوصّل إلى المصدر في حال حدوث هجوم إرهابي تستخدم فيه مواد مشعّة. كذلك يعمل عزمي على صنع نماذج على الكومبيوتر تحاكي الأجهزة النوويّة، عبر استخدام معادلات رياضيّة وأساليب الحوسبة الرقميّة، في حلّ معادلات النقل الإشعاعي بطريقة تعطي أفضل شكل هندسي لمكوّنات الجهاز النّووي.
الإنجازات... بإيجاز
يوجز عزمي مجمل ابتكاراته العلميّة والنوويّة على النحو التالي:
- اكتشاف نوع من الطرق الحاسوبية لحل معادلات النقل الإشعاعي بطرق فائقة الدقّة، وهي تسمّى علميّاً «النسق العالي في النقل الاعتباطي». ويجري ذلك بواسطة نوعين من أشكال الهندسة، تشمل الأشكال الهرميّة.
- استنباط معادلات رياضيّة تتعامل مع ضرورة التكرار في حل معادلات النقل الإشعاعي.
- التوصّل إلى طُرُق عالية الكفاءة في تحليل الأخطاء الحسابية التي تظهر في سياق حل معادلات النقل الإشعاعي.
- تحليل أداء نُظُم الكومبيوتر التي تستخدم عدداً كبيراً من الحواسيب أثناء العمل على حل معادلات النقل الإشعاعي.
وإضافة إلى ذلك، نشر عزمي ما يزيد على 164 بحثاً في العلوم النوويّة، نشر بعضها في مجلات علميّة متخصّصة، فيما عُرِض بعضها الآخر في مؤتمرات دوليّة متخصّصة، كان آخرها عام 2011 في مدينة «ريو دي جينيرو» البرازيليّة. كما نشر عزمي كتاب»حوسبة العلوم النوويّة»: مراجعة لعلوم قرن» (صدر في 2010، 485 صفحة). وساهم في تأليف الكتاب ثمانية علماء من مشاهير الاختصاصيّين في العلوم الحاسوبية النوويّة في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي الفترة التي ولد فيها علم الطاقة النوويّة واستخداماتها السلمية والحربيّة»، وفق كلمات عزمي.
ويحتوي الكتاب على مجموعة كبيرة من البحوث والدراسات والتطبيقات العمليّة التي تتمحور حول تطور علوم الكومبيوتر والهندسة النوويّة والنظريات الرياضيّة والفيزيائيّة المتّصلة بتلك العلوم. ويُعتَبَر الكتاب مرجعاً للباحثين وطلاب الجامعات. كما أشرف عزمي على عشرات طلاب الماجستير والدكتوراه في مختبر»أوك ريدج» ومجموعة من الجامعات الأميركيّة.
وتقديراً لمكانته العلميّة والمهنيّة، حاز عزمي جوائز تقديريّة عدّة تشمل درجة الزمالة من «الجمعية النوويّة الأميركيّة»، وجوائز عن «أفضل أطروحة دكتوراه»، و»أفضل بحث في الرياضيات وهندسة الحوسبة النوويّة»، و»أفضل عالم شاب- 1995».
كذلك شارك عزمي في عدد من النشاطات العلميّة والنوويّة، جاءت في سياق عضويته في «الجمعية النوويّة الأميركيّة»، ورئاسته «البرنامج التقني للحوسبة الرياضيّة النوويّة»، وعمله مستشاراً للطاقة الذريّة في كندا في مؤسسة حكوميّة تتعاون مع «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية». وساهم عزمي في تحرير عدد من المجلات العلميّة، أبرزها مجلة «العلوم النوويّة وهندستها»، ومجلة «التقدّم في الطاقة النوويّة».