المُتابع للإصدارات المرئيّة التي تنتجها "داعش" من فترة لأخرى، يُلاحظ هذا التطوّر الرهيب في الأداء. من "صليل الصوارم"، إلى "شفاء للصدور" مروراً بـ "لهيب الحرب"، و"ولو كره الكافرون"، بالإضافة لأفلام أخرى.
المُتابع للإصدارات المرئيّة التي تنتجها "داعش" من فترة لأخرى، يُلاحظ هذا التطوّر الرهيب في الأداء. من "صليل الصوارم"، إلى "شفاء للصدور" مروراً بـ "لهيب الحرب"، و"ولو كره الكافرون"، بالإضافة لأفلام أخرى.
الأكيد لدي، أن هذه الإنتاجات فائقة الجودة لم تعد تتم بشكل عشوائي. وأن التقنية المستخدمة والفنّيات المتسارعة يوماً بعد يوم، تتيح لنا استنتاج واحد، هذه الفيديوهات صُنعت على يد شباب درسوا الإخراج والمونتاج. هذه أقولها بكل ثقة. والتي قد تقودنا إلى إستنتاج آخر، أن هؤلاء الشباب هم على الأغلب من مسلمي أوروبا المنتمين لداعش.
لكن هذا ليس معرض حديثنا اليوم.
في فيلم "ولو كره الكافرون"، توقفت كثيراً أمام أحد أكثر المشاهد الأكثر إتقاناً على الإطلاق، حسب مشاهداتي الكثيرة لإنتاجات الجماعات الجهاديّة. يبدأ المشهد بعدد من جنود الدولة الإسلامية، بجنسيات مختلفة كما هو واضح من ملامحهم. يمسك كل فرد منهم برقبة رجل آخر. الأسرى محنيون إلى الأمام، يُساقون كما تُساق الخراف إلى ذابحها. ويظهر على جانب الشاشة، صندو خشبي يبرز منه عدد من السكاكين الجديدة. يمر كل جندي داعشي إلى جوار الصندوق، يسحب سكينه دون النظر حتى إلى الكاميرا. يسير الجميع في طابور حتى تنتهي السكاكين.
في المشهد التالي يتم رصّ الأسرى على الأرض جالسين على ركبتهم. وفوق كل منهم ذابحه الخاص. بحرفيّة عالية، وبأكثر من ثلاث كاميرات على الأغلب، نشاهد لعب الجنود بسكاكينهم بين أصابعهم. ونظرات التيه على وجوه الأسرى. بينما يبدأ أحد المنتمون لداعش بالكلام باللغة الانجليزية. ثم يبدأ المشهد الأكثر إتقانا عبر تاريخ التصوير الجهادي على الإطلاق. مشهد الذبح.
يمكنك أن تسمع صوت الهواء، عندما تنكتم كل الأصوات، ويبقى فقط صوت الهواء، ثم تبدأ السكين عملها على رقبة الأسير. يمكنك سماع صوت قطع اللخم بوضوح. بعدها تتدفق الكثير من الدماء، يمكنك سماع تدفقها أيضاً. بقليل من "السلو موشن" ينظر إلينا زعيم الذبّاحين، نظرة لا تتكرر كثيراً، لا معنى لها إلا الموت، فقط، هذه هي نظرة الموت. ثم يكمل عمله في رقبة الرجل، قبل أن تصطف كل الرؤوس على أجسادها الميتة.
انتهى المشهد.
في فيلم "شفاء للصدور"، الذي يظهر فيه إعدام الطيار الأردني "معاذ كساسبة" حرقاً داخل قفص حديدي. نشاهد تطور نوعي جديد على مستوى الإنتاج المرئي لدى الجماعات الجهادية، داعش خصوصاً.
يشترك الفيلم بالمقدمة المعتادة في كل الأفلام السابقة، عن جحيم المستعمر وهلاك أعوانه. هذه المرة تظهر صور للملك الأردني الذي يرافق ظهوره كميّة كبيرة من المعلومات والصور عن الجيش الأردني ومساهمته في التحالف العالمي للقضاء على "داعش". يتبع ذلك ظهور الطيار الأردني وهو يسرد قصّة وقوعه في يد قوات الدولة الإسلاميّة. يرافقه مونتاج هوليوودي ينتمي على الأقل.. إلى شاشة تلفزيون أمريكي متطور.
يعتبر السرد الطويل الذي يقوم به الطيار الأسير، عنصر دعم نفسي مهيب، حيث يذكر الرجل جميع الأسباب التي تدعو لقتله. حيث يدرك المُشاهد، وقبل اكتمال الفيلم، أن الرجل لابد وان يموت. هذا مما لا شك فيه.
لكن كيف؟
يتقدم الطيّار، وقد ارتدى الرداء الأحمر، ويبدو أنه في حالة من الضياع، أو الاستسلام ربما. يتخلل مشيته الغريبة الجدا، مشاهد "فلاش باك" وهي التي يقوم بها المخرج بدمج المشهد الحالي، مع مشاهد لأحداث حصلت في زمن سابق، وتستخدم على الأغلب لربط القصة الحالية بمثسبباتها السابقة. فنرى هنا استخدام التبرير الأخير من داعش للمشاهدين. حيث اعتدت على أمر واحد لديهم، كلما زادت المقدمات والتبريرات، كلما كانت النهاية أفظع...
يظهر الطيار، بين ركوبه للطائرة وقصفه للاهداف، وبين وقوفه السينمائي المهيب أما مجموعة من الجنود الذين يظهرون بالزي الموحّد، والذي يشبه الزي الذي ظهر على الجنود الذي قاموا بأسره أوّلاً عندما سقطت طائرته. يحملون الرشاشات المتطابقة بالشكل.
يقف الرجل، لا نعلم بما يفكر، قد انتهى كل تفكيره، نضب تماماً على ما يبدو. لا يمكنني تفسير هذه الحالة الاستسلامية الرهيبة لدى كل من تقوم داعش بإعدامهم. هذا فعلاً من الأمور التي تحتاج لتفسير حقيقي.
مشاهد لجثث ميتة، حولها جنود داعش. ثم وجه الطيّار ببدلته الحمراء، تائها، ومحاطاً بكل هؤلاء المسلحين. يكتم "المونتير" الصوت، ليظهر فقط صوت الهواء، وبعض الأنفاس. مع صور لوجوه المسلحين الغاضبة، ووجه الطيار المستسلم.
فجأة. الطيار داخل قفص، ملابسه مبللة. رأسه للأسفل. يمارس صانع الفيديو هنا مهارة عالية في القطع والتوليف. بين الطيار في وجهه الحائر، والطيار المبلل والذي ينظر نحو قدميه. ثم هنالك الجنود، دائاً هنالك الجنود. ولا صوت إلا صوت الهواء.
تبدأ أغنية بالظهور في الخلفية، لتعلو شيئاً فشيئاً. هنا قمة البراعة في الدمج بين الصوت وتسارع الصورة. حيث حان وقت الإعدام. سيحترق الآن "الكساسبة". نعرف ذلك لإن أحد الجنود يشعل النار الآن. ترصده الكاميرا من زاوية علوية. تستخدم هذه الزاوية لأول مرة في الفيلم.
بعدها.. المشهد لا يمكن وصفه.. علي أن أقف هنا.. من اجل صحتي النفسية.. ومستقبلي العقلي.. فقط..
بالنهاية وبالمختصر الفيديو يمثل عمليّة إخراج سينمائي بحت (بغض النظر عن الخطاب الذي يدعمه).يمكن ملاحظة ظهور أشعة الشمس بشكل واضح بعد فترة من وقوف الطيّار. التصوير استغرق وقت لا بأس به.