المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

مصر: «سلفي الرئيس» سلط الضوء على شباب في الظل

📅 23-03-2015 09:41 ص | 👁️ المشاهدات: 463 | كتب: القاهرة – أمينة خيري
«سلفي» الرئيس المصري مع الشباب لم يكن خروجاً على البروتوكول، أو خرقاً للمتوقع،

«سلفي» الرئيس المصري مع الشباب لم يكن خروجاً على البروتوكول، أو خرقاً للمتوقع، أو قلباً للصورة، بل تحول ليلقي الضوء ليس فقط على مجموعات الشباب والشابات التي وجدت نفسها مدعوة للصعود إلى مسرح مؤتمر «دعم وتنمية الاقتصاد المصري» بل على شريحة من الشباب المصري المنسي والمتجاهَل المنزوي كل في جامعته أو مدرسته أو عمله. هي شريحة شبابية، على الأرجح تمثل الغالبية، من الشباب «السادة»، أي منزوعي الأيديولوجيا، وربما المؤدلجين لكن من دون إفراط، غير ميالين إلى خلط الدين بالسياسة، وإن كانوا ملتزمين دينياً.

حين خرج الرئيس عبد الفتاح السيسي عن المألوف في ختام المؤتمر الاقتصادي ودعا الشباب والشابات الذين قاموا بمهمة تنظيم القاعة وإرشاد المشاركين للالتفاف حوله أثناء كلمته، صعد الشباب على خشبة المسرح وكان رد فعلهم الأول هو الإسراع في التقاط صور «سلفي» مع الرئيس. لحظات قصيرة كشفت جوانب كبيرة يجول بها المشهد الشبابي المصري منذ فترة طويلة من دون أن يتلفت إليها أحد لأنها تمر يومياً مرور الكرام، ولا تجد من يسلط عليها الضوء في الإعلام لأن صوتها ليس عالياً، أو أنها لا تجذب الانتباه في الدوائر الحكومية لأنها لا تنظم تظاهرات أو تشارك في مسيرات، أو تتحدث عنها منظمات محلية ودولية أو لأنها لا تجيد ممارسة الضغوط أو التلويح بورقة فضح البلاد في الأروقة الأممية ولدى الجمعيات.

أحد الشباب المنظمين ممن سارع إلى التقاط صورة «سلفي» مع الرئيس حمل الصور على صفحته على «فايسبوك» لتتفجر آلاف التعليقات من أصدقائه وزملائه وأهله أغلبها يتسم بروح التفاؤل والدعابة وبعضها يصفه بـ «المتسلق» أو «المنبهر على الفاضي» أو «عدو الإسلام». القاعدة العريضة من أصدقاء الشاب الذين نقروا «لايك» على الصورة أو تكبدوا عناء مشاركتها أو علقوا تعليقات مثل «ليتني كنت معكم» أو «ماذا قلت للرئيس؟» أو «ماذا قال لك الرئيس؟» أو «أحلى سلفي مع أحلى رئيس» عبرت عن فئة عريضة من الشباب المصري ممن آثروا الصمت واختاروا الانزواء واتخذوا قراراً بعدم التعبير الجهوري عن موقفهم الداعم للدولة. وهؤلاء لم يعبروا أيضاً عن موقفهم الذي يرى القيادة السياسية الحالية قيادة وطنية حقيقية، خوفاً من التعرض لسخرية «الثوريين» وبعض المنتمين لتيارات سياسية خصوصاً يسارية، أو خوفاً من الوقوع تحت طائلة قانون الإسلاميين الذي يتراوح بين الشجب والتشهير على مواقع التواصل الاجتماعي أو التكفير والتخوين.

هوى قطاع من الشباب في مصر ظل كامناً ساكناً على مدار أشهر ماضية، لا سيما بعد ثورة 30 يونيو التي أطاحت بحكم الإسلاميين وأتت بعبد الفتاح السيسي رئيساً. أولئك وجدوا أنفسهم مدفوعين إلى الانزواء في ركن الصامتين المحرجين من المجاهرة بآرائهم الرافضة للإخوان، والمعارضة للسلفيين، والمختلفة من التوجهات التي استمرت على ثوريتها على مدار ما يزيد على أربع سنوات مضت وتحديداً منذ اندلاع ثورة يناير 2011.

وعلى رغم أن الغالبية المطلقة من أولئك الشباب آمنوا بثورة يناير وأهدافها، بل هناك من شارك فيها فعلياً، إلا أنهم تركوا العمل الثوري بعدها وعادوا إلى حياتهم العادية. فمنهم من عاد إلى دراسته بعد أيام الثورة الـ18 معتقداً أن القادم – على رغم كل مساوئه- أفضل مقارنة بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك. ومنهم من ظل مشاركاً في فعاليات ثورية لأشهر على سبيل الضغط لتغيير مجرى الأمور، لكنه عاد لحياته العملية أو الدراسية يمارسها في شكل طبيعي بعد عام. ومنهم من استشرف صعود الإسلاميين للحكم، فاتخذ قراره بهجر السياسة والاكتفاء بمتابعة شوؤنه اليومية إلى أن يأذن الله أمراً كان مفعولاً. ومنهم من رأى الأمر المفعول موشك على التحقق في حزيران (يونيو) 2013، فشارك في خلع الإخوان ثم عاد أيضاً لحياته بعد نجاح ثورة يونيو. وبين هؤلاء من يرى في الرئيس السيسي أمل مصر المنشود وطوق نجاتها المأمول، ومنهم من يعتبره رئيساً كغيره من الرؤساء، قصد يخطئ وقد يصيب والعبرة بالنتائج. ومنهم من كان يفضل أن يكون رئيس مصر الجديد من خارج المؤسسة العسكرية، لكنه سلم برغبة الناخبين، والقائمة طويلة.

لكن طول القائمة لم يشفع لأولئك الشباب ليجدوا وسيلة أو منصة أو طريقة يعبرون خلالها عن أنفسهم. أحمد الطاهر (26 سنة) (مهندس) يقول أنه يرى في الرئيس السيسي شخصية وطنية وقيادة مصرية ممتازة في ضوء خطواته السياسية والاقتصادية والعسكرية. وعلى رغم ذلك فهو لا يجاهر بموقفه إلا أمام أسرته التي توافقه الرأي. ويقول: «لو كتبت على فايسبوك أو تويتر كلمات مؤيدة لأي خطوة رسمية فإن العاقبة ستكون شتائم من اليمين ولعنات من اليسار حيث معارفي وأصدقائي – وأحياناً أشخاص لا أعرفهم أصلاً- يتهمونني بالخنوع أو الاستكانة وأحياناً بمعاداة الله ورسوله. ولأن هذه المهاترات لا تسفر عن شئ، فقد أقلعت عن التعليق الإلكتروني تماماً».

لكن كنزي فتحي (21 سنة) (طالبة جامعية) تفعل النقيض. فهي تمعن في كتابة تغريدات وتدوينات تعكس تأييدها الكامل للحكم الجديد في مصر. «لا تهمني شتائم المعارضين أو تهديداتهم لي لمجرد أنني أبدي مواقف داعمة للنظام السياسي في مصر. وكم من مرة تمت سرقة صفحتي على فايسبوك، لكنني أعاود تفعيلها مجدداً». وعلى رغم ذلك، فإن كنزي تعترف إنها تفضل ألا تتحدث عن مواقفها مع زملائها في الجامعة لأن «المناقشات من هذا النوع تنتهي إما بوصف اليساريين لي بخيانة الثورة أو وصف الإسلاميين لمواقفي بالعلمانية التي تستوجب العقاب الإلهي وربما الدنيوي».

وبين عقاب السماء والأرض، وربما ثوابهما، يختفي قطاع عريض من الشاب المصري في أروقة حياته العادية الطبيعية، حتى ليظن المتابع للشأن المصري أنهم غير موجودين. صحيح أن أصواتهم لا تجلجل في المقابلات التلفزيونية ليلاً, وصحيح أن محافل المؤتمرات الحزبية لا تكتظ بوجودهم في كواليسها أو مؤتمراتها, وتخلو منهم مسيرات الإخوان أيام الجمعة، لكنهم موجودون. إنهم كما يقول المثل الشعبي «تحت النظر»... وهؤلاء من أظهرهم «سلفي» الرئيس.


© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)