لبنان ينشغل بألعاب الفيديو ويرنو إلى «بيروت الرقميّة»
📅 10-04-2015 05:56 ص |
👁️ المشاهدات: 119 |
كتب: الحياة
في محطة القطار القديمة في حي «مار مخايل» البيروتي العريق، ظهر مشهد مملوء بالدلالات، عندما ذهب المشاركون في مؤتمر «ميغا 2015» MEGA 2015 للألعاب الإلكترونيّة لتناول طعام الغذاء، إذ اصطفّت مجموعات شبابيّة مشرّبة بذائقة عصر المعلوماتية والاتصالات المتطوّرة، قرب بسطات خشبيّة ارتصفت عليها مأكولات لبنانيّة متنوّعة.
وبقرب تلك البسطات والجموع، رقدت خارج خطوطها، مركبات القطار القديم الذي كان عند غرّة القرن العشرين، يمثّل تقنيّة متطوّرة تماماً في المواصلات، وهي وسيلة الاتصال المباشر بين البشر. وفي تاريخ لبنان، أن جزءاً من صراعات الدول الكبرى في المنطقة تمحورت حول تلك التقنيّة، التي لم تكن أجهزتها وخطوطها المخترقة للبلدان والأقاليم والقارات، أقل تأثيراً في زمانها مما تفعله الإنترنت وأليافها الضوئيّة التي تشرنق الكرة الأرضيّة حاضراً.
ولعل القطار القديم النائم على خطوط صدئة تراكم عليها عشب الزمن، من الشواهد على زمن صراعات الدول الكبرى في المنطقة، على شبكات التقنيّات المتطوّرة. ومنذ مطلع القرن العشرين إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، شكّل الصراع على شبكات تسير على خطوطها تقنيات التواصل والاتصال، كخط سكّة بيروت- دمشق- الحجاز وكركوك- بغداد- البصرة، إحدى أهم مساحات التنازع على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، بين الدول الكبرى.
والأرجح أن ذلك القطار الصدئ يحفز على سؤال «صامت» عن الصراعات التي تحملها خطوط الألياف الضوئيّة للإنترنت وشبكات الخليوي، في القرن الـ21.
تجربة «الطيور الغاضبة»
بين تقنيتين لهما شبكات وخطوط، ارتصفت بسطات عليها مأكولات لبنانيّة شعبيّة معروفة تحمل هوية المطبخ اللبناني المحمّل أيضاً بتأثيرات إقليمية، خصوصاً المطبخين التركي والمصري. وتضمّخ الهواء بروائح الشاورما والفلافل والمناقيش، إضافة إلى السَلَطة والباباغنّوج والفتّوش والتبّولة اللبنانيّة المعروفة. ومع شباب مشبّع بذائقة العولمة، بدت الهويّة المحليّة لتلك المأكولات، على تناقض لا يخلو من الدلالة مع العولمة التي تعتبر الشبكات الرقميّة إحدى أقوى رافعاتها، إضافة لكونها مساحة مفتوحة للتعبير عن تلك التناقضات.
وفي ردهات مؤتمر «ميغا 2015» المُخَصّص لصناعة الألعاب الإلكترونيّة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENA Games Conference & Exhibition، حضرت الهويّة أيضاً بتعبيرات متنوّعة، بل كانت وثيقة الصلة بصناعة ألعاب الفيديو في المنطقة.
ففي جلسة حوار أدارها ستين سلاندر الخبير الإسكندينافي في الألعاب الرقميّة، طرح سلاندر سؤالاً عن أهمية الاستثمار في ألعاب مخصّصة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وعلى المنصة، وقف سلاندر الذي يعتبر من مؤسّسي ألعاب الفيديو في السويد، بثياب خفيفة ملوّنة تذكّر بملابس شباب الـ»هيبز» في ستينات القرن الماضي، ليحاور نخبة من صنّاع الألعاب الإلكترونيّة في المنطقة. وأظهر غير محاور استخفافاً بمسألة صنع ألعاب تخاطب هوية المنطقة وذائقتها. وسرعان ما اصطدم ذلك الاستخفاف بما أثاره الخبير التركي ياريش أوزيشتك، وهو المدير التنفيذي لشركة «نت ماربل» Netmarble المتمرّسة في الألعاب الإلكترونيّة. وتتعامل «نت ماربل» مع مروحة واسعة من صُنّاع الألعاب الإلكترونيّة في المنطقة، انطلاقاً من مقرّها الإقليمي في الإمارات الذي يعمل بالتنسيق مع مقرين رئيسيين في كورية الجنوبيّة وتركيا.
وكمن يرسم خطّاً فاصلاً، شدّد أوزيشتك على أهمية الثقافات المحليّة في صناعة الألعاب الرقميّة، مذكّراً الخبير سلاندر بأن تلك الصناعة نجحت في البلدان الاسكندينافيّة، بفضل انغراسها في الثقافة المحليّة لتلك البلاد. ولفت أوزيشتك إلى أن المحليّة والعالميّة ليستا متناقضتين في عصر العولمة، بل أن الثقافة المحليّة مدخل فعلي للانخراط في العولمة وعالميتها. وضرب مثلاً على ذلك النجاح المعولم للعبة «الطيور الغاضبة» Angry Games المستوحاة من الثقافة الاسكندينافيّة. وإذ أقرّ الخبير سلاندر الذي يملك خبرة 37 سنة في الألعاب الإلكترونيّة، بما خلص إليه أوزيشتك التركي، ساد جو آخر على منصة النقاش. وتبنى غير متحدث أهمية الثقافة المحليّة وذائقاتها في صناعة الألعاب الإلكترونيّة، بل أن بعضاً ممن استخفّ بأهمية البعد الثقافي «تراجع» عن ذلك الاستخفاف!
(من المستطاع متابعة مجريات مؤتمر «ميغا 2015» ومعرضه على الموقع الإلكتروني menagames.com)
«منطقة بيروت الرقميّة»
في المعرض الذي رافق «ميغا 2015»، ظهرت أعلام لدول عربيّة كتونس والمغرب ومصر ولبنان، إضافة إلى دول الخليج العربي. وترافق الحدث مع «عاصفة الحزم» في اليمن، ما جعل الحضور الخليجي كثيف الدلالة.
وعلى الطاولات التي توزّعت في الردهة الرئيسيّة لـ«ميغا- 2015»، تحاور الجمهور مع مجموعة من صُنّاع الألعاب الإلكترونيّة العربيّة التي تشمل قائمتها ألعاب «فلافل» Falafel و«طماطم غايمز» Tamatem Games و«غايم باور 7» Game Power 7، و«بلاي عربي» Play3arabi، و«غايم كوكس» Game Cooks، و«رابطة مطوّري الألعاب في المغرب»، و«ويكسل استوديوز» Wixel Studios وغيرها. وامتدت حوارات مماثلة مع مجموعة من ممثلي الشركات الصانعة للألعاب الإلكترونيّة العالميّة كـ»الرابطة العالميّة لمطوّري الألعاب» (اختصاراً «آي جي دي إيه» IGDA)، و«غايم فورج 4دي» Gameforge 4D، و«شانغ يو» Changyou، و«بـلــــوبـــايت» BlueByte، و«بارادوكس إنترأكتيف» Paradox Interactive وغيرها.
وفي زاوية واسعة، برزت «بيروت الرقميّة» (عنوانها على الإنترنت beirutdigitaldistrict.com) الـــتـي تحدّثت عن نفسها عبر مشهدية ثلاثيّة الأبعاد، عُرِضَت على طاولة غطاؤها الزجاجي كناية عن شاشة من الكريستال السائل، تعمل باللمس. وحاضراً، تنهمك العاصمة اللبنانيّة في صنع «منطقة بيروت الرقميّة» التي تشبه «مدينة دبي للإنترنت» في ملامح كثيرة، كاحتوائهما على مقرّات للشركات الكبرى للمعلوماتيّة والاتصالات. وفي منطقة «الباشورة» القريبة من «ساحة الشهداء» الشهيرة في بيروت، تنهض مجموعة من المباني قيد الإنشاء، يتوقّع أن تكون مقرّاً لتلك المنطقة الرقميّة. ومن الشركات المعلوماتيّة الكبرى المشاركة في «بيروت الرقميّة»، ترد أسـمــاء «أوبـر» Uber و«وامادا» Wamda و«تـــرانـسـتـيـرامـيـديـــــا» Transterramedia و«يوكي ليبانون» UK lebanon «تيك هاب» Tech Hub و»ليب فانتشرز» LEAPventures و«إن ديفور» en DeavoR. ويرد في البال أنها قريبة من «سوليدير- وسط البلد»، وهو المشروع العمراني الضخم الذي يعتبر من أبرز منجزات رئيس الوزراء اللبناني الشهيد رفيق الحريري، وهو من رافق مرحلة دخول الإنترنت وانتشارها في لبنان. وتذكيراً، امتلك الراحل الحريري مشروعاً رؤيويّاً عما يشبه مدينة للمعلوماتية في لبنان (راج كثيراً أن مدينة الدامور كانت مقرّها المنتظر)، تترافق مع مدينة مفتوحة للإعلام. وأحبطت السياسة ورمالها المتحركة تلك الرؤى ومشاريعها، قبل أن تغتال الحريري نفسه. إذن، لعل كثيراً من اللبنانيين يعقدون أصابع الرجاء، كي تتحقّق «بيروت الرقميّة» فتتناغم مع «سوليدير- وسط البلد»، وتساهم في نهضة بيروت مجدداً من كبوة متعدّدة الأبعاد، ما زالت خيوطها تزداد تشابكاً وتعقيداً.