من يتعمد الخفاء متحديّاً أضواء الإنترنت؟
📅 24-04-2015 05:45 ص |
👁️ المشاهدات: 146 |
كتب: الحياة
هناك سؤال مقلق يُجرى تداوله في أوساط المهتمين بشؤون التقنيّة الرقميّة في الولايات المتحدّة حاضراً حول الإنترنت، بعد أن أضحت شمساً عملاقة مرهبة، لا تكف عن كشف الأفراد على امتداد الكرة الأرضيّة، في أسمائهم وسيرتهم ووجوههم وعلاقاتهم وأحوالهم وأفكارهم وغيرها.
من المستطاع صوغ السؤال على النحو الآتي: «هل يتناسب ما هو معروف عن أصحاب القوى الكبرى المهيمنة على الإنترنت، مع حجم انكشاف عموم الناس على تلك الشبكة»؟
في تسعينات القرن الماضي، ظهر سؤال مماثل عن الاختباء تحت الأنوار الساطعة والكاشفة لشمس التلفزة الفضائية، وهي كانت متألّقة وممسكة بمركز الإعلام العام: كيف استطاع الشخصان اللذان يملكان تلك السطوة الهائلة (وهما تيد تيرنر وجين فوندا) إخفاء حياتهما الشخصيّة «فضائحهما» التي أوصلتهما إلى حافة الطلاق، في وقت بدا كل شيء مكشوفاً تحت العدسات المعولمة لـ «سي أن أن»، إلى حدّ أن ما لا تلتقطه تلك الكاميرات يعتبر ليس موجوداً، وفق وصف المفكر الراحل جان بودريار الذي اعتبر أن حرباً لا ترصدها الـ «سي أن أن» لا تكون مندلعة أصلاً؟ وبسرعة فكّر البعض أن السير تيرنر وفوندا استطاعا الاختفاء من تلك الشمس، ببساطة لأنهما يملكانها. ومع مرور الزمن ومتغيّراته، اتّضح أن الإجابة ربما تكون أكثر تعقيداً.
هناك كتاب صدر في الولايات المتحدة في مطلع السنة الحالية، يسعى لرصد تلك الإشكالية تحديداً. يحمل الكتاب اسم «مجتمع الصندوق الأسود»Black Box Society («مطبعة جامعة هارفرد» - 2015). وضع الكتاب الأميركي فرانك باسكال، وهو أستاذ قانون شاب مختصّ بالخصوصيّة. ويتمحور الكتاب حول فكرة أساسيّة مفادها أن القوة الفعليّة في عصر الإنترنت، باتت متمركزة في أيدي قلّة من الأشخاص، وهم يهمينون على 3 مساحات رئيسيّة: السمعة الفردية، والبحث على الإنترنت، و... المال بالطبع.
وتحدّد السمعة الفرديّة والبحث الشبكي صورة كل فرد، كما ترسم تصوّره عن العالم الذي يعيش فيه. ومثلاً، يظهر استطلاع حديث أن الغالبية العظمى من الشركات تبحث عبر الإنترنت، خصوصاً محرّك «غوغل»، عن الأشخاص الذين يتقدّمون للعمل فيها، ما يعني أن المعلومات الموجودة عن الأفراد في صفحات «فايسبوك» وتغريدات «تويتر» وصور «إنستغرام» وغيرها، ربما تحدّد مسارهم مهنيّاً، بل مصيرهم الشخصي برمّته.
وتساعد المعلومات الماليّة في الإنترنت (أسعار السلع مثلاً)، الناس على اتّخاذ قراراتهم الماليّة، ما يجعل تلك المعلومات عنصراً فائق التأثير في مسار الاقتصاد.
وفي مقابل التضخّم المذهل في البيانات والمعلومات التي تذهب إلى أيدي القلّة القابضة على زمام الأمور في تلك القطاعات الثلاثة، خصوصاً بأثر الانتشار الهائل لشبكات التواصل الاجتماعي، تتضاءل الكتب والمقالات والكتابات التي تتناول تلك القلّة. لا تتصل المسألة بالمعلومات عن أشخاصهم، بل المعلومات عن الطريقة التي يديرون بها ما يمتلكونه من قوى. مثلاً، كيف يقرّر الممسكون بزمام «فايسبوك» سياسة الخصوصية الشخصيّة وحقوق الأفراد؟ كيف يغيّرون تلك السياسات، وهم يفعلون ذلك باستمرار، ويعطي نموذجاً عن ذلك الطريقة التي غيّر فيها «فايسبوك» تعامله مع صور الأشخاص على صفحاته.
هناك مثال لا يقل أهمية، ويحدث بلايين المرّات يوميّاً، من دون أن يكون هناك نقاش كبير بشأنه: عمليات البحث على محرك «غوغل». كيف يقرّر المحرّك ترتيب النتائج التي يعطيها ردّاً على ما يطلب البحث عنه؟ بصورة أكثر تفصيلاً، كيف توضع الآليات والجداول الرياضيّة والعمليات الحسابيّة التي تؤدي إلى ترتيب الأجوبة عن البحث؟ كيف تعطي تلك الآليات أولوية لإجابة على حساب أخرى، ما يعطيها أيضاً موثوقيّة أكبر؟
في الولايات المتحدة، كشفت الأزمة الاقتصادية أن عدداً كبيراً من مؤسّسات المال والاقتصاد، يتعمد إخفاء كثيراً من أسماء مالكي تلك المؤسسات وأصحاب الحصّص الرئيسيّة في أسهمها. هل يتّفق ذلك مع صورة الإنترنت باعتبارها شمس الشفافيّة في العالم المعاصر؟
التعاون مع الاستخبارات
يضرب باسكال مثلاً مؤثّراً عن الخفاء المقلق لأسياد الإنترنت، عبر استعادته ما تكشف في سياق فضيحة التجسّس الإلكتروني الشامل الذي تمارسه «وكالة الأمن القومي» الأميركيّة التي فجّرها خبير المعلوماتيّة الأميركي إدوارد سنودن، إذ تبيّن أن الشركات الكبرى في المعلوماتية والاتصالات المتطوّرة (تشمل قائمتها الطويلة «فايسبوك» و «تويتر» و «مايكروسوفت» و «لينكدن» و «إنستغرام» و «غوغل» و «آبل»...)، تعاونت مع تلك الوكالة، وقدّمت لها كميات مذهلة من المعلومات المتراكمة لديها، عن الناس والمؤسّسات والأعمال وغيرها. ويرى باسكال أن السؤال المقلق هو: كيف اتُخِذ القرار عن ذلك التعاون؟ كيف تحدّدت أمديته، ومن الذي حدّدها؟ ويذكّر باسكال بأن التعاون بين الشركات الكبرى والمؤسّسات الحكوميّة في شأن البيانات، خصوصاً عن الأفراد، استُهِلّ في ستينات القرن العشرين، لكن فورة من الاعتراضات أوقفته حينذاك. وبعد 9 - 11، انهارت تلك الاعتراضات، فتفلّتت المؤسّسات الاستخباراتيّة في عمليات جمع المعلومات من القطاع الخاص وشركاته، في ظل صمت واسع. ويستعيد باسكال أيضاً أن المعارك المبكرة لحماية الخصوصيّة الفرديّة، شدّدت على أن انكشاف المعلومات أمام أعين الاستخبارات، يحدث خللاً ضخماً في التوازن بين الجمهور العام وقوة السلطات الحاكمة. وحينذاك، كرّس نشطاء الدفاع عن الحريّات مبدأ عدم الحصول على معلومات عن الأفراد إلا بعد موافقتهم الموثّقة. ومع عصر الإنترنت، انهار ذلك المبدأ كليّاً. إذ بات باستطاعة الأجهزة الأمنيّة الحكوميّة الحصول على سيول من المعلومات عن الأفراد ونشاطاتهم في الحياة اليوميّة (من دون أدنى حاجة للموافقات الفرديّة)، من شركات الإنترنت، ما يعني أن كل ما تبقى على أجهزة الأمن فعله هو «ربط النقط»، أي ربط المعلومات الآتية من شركات مختلفة، لرسم صورة تفصيليّة عن كل فرد في العالم... تقريباً!
لا تفوت باسكال الإشارة إلى تمايز اجتماعي آخر في عصر الانكشاف تحت شمس الإنترنت، هو المال، إذ يستطيع الأثرياء في أميركا توكيل محامين بارعين كي يحموا خصوصية معلوماتهم على الشبكة، ما يجعل الشركات ترهب تسريبها!
ولأن تلك الفئة من الأثرياء لا تمثّل سوى شريحة صغيرة، يخلص باسكال إلى القول أن الصراع من أجل الحرية الفردية والخصوصيّة الفردية، بات شأناً جماعيّاً، بالأحرى مجتمعيّاً، بحكم الواقع. ويشدّد على ضرورة انخراط الجمهور الواسع في مقاومة القوى المهيمنة على الإنترنت ومعلوماتها، بل إن الجمهور يستطيع أن يستخدم الشبكات الاجتماعية في صنع وسائل ضغط متنوّعة كي تحمي خصوصيّته وحريّاته الفرديّة، خصوصاً على المستوى القانوني.
لم يترجم كتاب «مجتمع الصندوق الأسود» إلى العربيّة، على رغم أن معاناة الناس من الاستخبارات وأجهزة الأمن هي أوسع وأشد قسوة بما لا يقاس، مما هو موجود في الولايات المتحدة والدول الغربية. هل هناك «مجتمع صندوق أسود» يعمل في الخفاء عربيّاً، وليس من مصلحته ترجمة الكتاب؟ ربما!