الأمن القومي لأميركا يفضح بطاقتك المصرفيّة
📅 26-04-2015 01:45 ص |
👁️ المشاهدات: 142 |
كتب: أحمد مغربي
إذا كنت تعتقد أن «وكالة الأمن القومي (الأميركي)» لا تهمّك، فكّر بتلك الوكالة مرتين عندما تستعمل بطاقتك المصرفيّة.
إذا كنت تعتقد أن «وكالة الأمن القومي (الأميركي)» لا تهمّك، فكّر بتلك الوكالة مرتين عندما تستعمل بطاقتك المصرفيّة. ففي تلك العمليّة، وكل المعاملات الحسّاسة على الانترنت، تعتمد إجراءات الأمن على تشفير المعلومات التي تعطيها بطاقتك، وهو تشفير يعتمد على رقم يجري تركيبه عشوائيّاً ليكون من أرقام كثيرة. وتجري عملية مُشابِهة عندما تُرسَل معلومات إليك، لنقل عن حسابك الشخصي. هل تعطي تلك الأرقام الكثيرة والعشوائيّة، أماناً كافيّاً؟ الإجابة: نعم. فعلى رغم أنه يمكن كسر شيفرتها، إلا أن ذلك يحتاج إلى عمل مجموعة ضخمة من الكومبيوترات، ربما تفوق ما تمتلكه أي دولة أو مجموعة على الأرض. كيف يجري تركيب تلك الأرقام الكبيرة والعشوائيّة؟ الإجابة: بواسطة نظام مؤتمت لتوليد الأرقام العشوائيّة. هناك مؤسّسة أميركيّة متخصّصة بذلك الشأن، إسمها المختصر هو «نيست» NIST. ويختصر الإسم العنوان الكامل للمؤسّسة National Institute of Standards & Technology، وترجمته الحرفيّة «المؤسّسة القوميّة للمقاييس والتكنولوجيا». ومنذ سنوات طويلة، دأبت مؤسّسة «نيست» على صنع نُظُم مؤتمتة لتوليد الأرقام الكبيرة العشوائيّة التي تحمي معاملات الجمهور على الانترنت. ولشدّة تمرّس «نيست» بذلك الأمر، يتعمد العالم بأسره عليها في تلك النُظُم. ويشمل ذلك البطاقات المصرفيّة والشخصيّة وعمليات البيع والشراء عبر الانترنت، وجوازات السفر الإلكترونيّة وغيرها. بالاختصار، تضمن نُظُم الأرقام التي تصنعها «نيست» أمن المعاملات الأساسيّة على الانترنت. على الأقل، ذلك ما كانه الأمر إلى وقت قريب. وفي الفترة الأخيرة، تصاعدت صرخة من علماء الرياضيّات في أميركا، تحديداً من البروفسور ديفيد فوغان، رئيس «الجمعية الأميركيّة لعلماء الرياضيات» وأستاذ الرياضيات في «معهد ماساشوستس للتقنية».
إذ طالب علماء يتقدّمهم فوغان بوقف التعاون بين علماء الرياضيّات في أميركا و«وكالة الأمن القومي»، لحين وضع ضوابط كافية تضمن شفافية فعليّة في عمل تلك الوكالة. ولم يكن من شيء أثار سخط أولئك العلماء الأميركيين، أكثر من التخريب الذي ألحقته «وكالة الأمن القومي» بمؤسسة «نيست» لنُظُم التشفير المؤتمتة. إذ تبيّن أن الوكالة عمدت إلى تسريب نُظُم عبر «نيست» تضمن استمرار اختراقها من قِبَل «وكالة الأمن القومي».
بقول آخر، وضعت الوكالة الاستخباراتيّة أمن الأفراد وبياناتهم وأموالهم وتعاملاتهم، في مهب الريح، مقابل الاحتفاظ بقدراتها على الوصول إلى ما تسعى إليه من معلومات.
بالاختصار، من المستطاع القول بأن «وكالة الأمن القومي» لم تكتف بالتجسّس على الدول كافة، بل خرّبت أمن الإنترنت نفسه. تلك هي خلاصة الأصوات التي تعلو في أميركا حاضراً مطالبة بكشف المدى الكامل للضرر الذي ألحقته تلك الوكالة بأمن شبكة الانترنت، وحتى بأجهزة الكومبيوتر التي يستخدمها الجمهور.
أبعد من البطاقات
الأرجح أن مشاهدي فيلم «لعبة المحاكاة» Simulation Game (إخراج: مورتن تيلديم، بطولة: بندكيت كومبرباتش- 2014)، لاحظوا تماماً العلاقة الوثيقة التي تربط أجهزة الاستخبارات بعلماء الرياضيات. (أنظر موقع «المُدُن»، مقال بعنوان «هل تفكر الآلات؟ سؤال روحي تطرحه السينما»، في 31 كانون ثاني (يناير) 2015).
إذ قدّم الفيلم نموذجاً عن تلك العلاقة، عبر استخدام الاستخبارات البريطانيّة فريقاً علميّاً قاده عالِم الرياضيات آلن تورينغ، بهدف تفكيك شيفرة الجيش النازي في الحرب العالميّة الثانية. ولأن التشفير يعتمد على التلاعب بالأرقام والحروف، وهما رموز لها أنماط معيّنة، يستطيع علماء الرياضيّات وحدهم التعرّف على الشيفرات. ومنذ تأسيس «الجمعية الأميركية لعلماء الرياضيات»، نسجت «وكالة الأمن القومي» علاقات وطيدة معهم، تمتد إلى الجامعات، بل حتى إلى المدارس الثانوية.
وعندما عمدت «وكالة الأمن القومي» إلى التجسّس على شيفرات الاتصالات عالميّاً، كان لعلماء الرياضيات اليد الطولى في تلك العملية. وفي الآونة الأخيرة، تضافرت صرخة رئيس «الجمعية الأميركية لعلماء الرياضيّات»، مع اكتشاف مجموعتين تعملان على اختراق الكومبيوترات الشخصيّة عبر برامج تصعب إزالتها من الكومبيوتر، كما ثارت شبهات قويّة من قِبَل خبراء الأمن المعلوماتي، كالاختصاصي كلوديو غورنيري، أن المجموعتين تتصلان بـ»وكالة الأمن القومي»، وفق مقال نشره غورنيري مع آخرين لم يكشفوا هويتهم، في مجلة «فوربس» الشهيرة للأعمال والاقتصاد.
قبل التفاصيل، يمكن رسم صورة عامة عن نشاط المجموعتين، وهما «إكويشن غروب» Equation Group و»غراي فيش» Grayfish، على النحو التالي: صنع برامج تستقر في القرص الصلب للكومبيوتر، وتدمج نفسها مع الملفات الأساسيّة المثبّتة من قبل الشركات التي تصنع تلك الكومبيوترات. مهما جرت محاولات لتنظيف الكومبيوتر، كأن تكون «فرمتة» القرص الصلب ووضع نظام تشغيل للكومبيوتر، لا تزال الملفات التي تثبّتها الشركة لأنها هي التي تضمن أن الكومبيوتر يستمر في العمل حتى إذا أزيل نظام التشغيل ووُضِع نظام آخر. مهما تبدّل أمر الكومبيوتر، تبقى تلك ملفات الشركات الصانعة للحاسوب ثابتة. استهدفت مجموعتا «إكويشن غروب» و»غراي فيش»، الملفات التي تثبّتها الشركات الصانعة للحواسيب في الأقراص الصلبة، ربما كي تسهّل لـ«وكالة الأمن القومي» اختراق أي كومبيوتر، عندما تقتضي الحاجة!
ومن المعتقد على نطاق واسع، بأن «إيكويشن غروب» نشرت برامجها الخبيثة في كومبيوترات 42 دولة. والمفارقة أن المجموعة اشتقت إسمها من الرياضيات، لأن كلمة «إيكويشن» تعني «معادلة رياضيّة» في اللغة الإنكليزيّة.
وفي مؤتمر متخصّص بالأمن المعلوماتي نظّمته في مدينة مكسيكو في منتصف شباط (فبراير) 2015، كشف خبراء الأمن المعلوماتي في شركة «كاسبارسكي» Kaspersky الشهيرة، ما لديهم من معلومات عن مجموعة «إكويشن غروب». وتمحورت تلك المعلومات حول برنامج «إيراتمونك» IRATEMONK، المصنّف بأنه يصنع من قِبَل «وكالة الأمن القومي».
وفي عرضه لعمل المجموعتين، أوضح كوستن رايو، مدير «فريق التحليل والبحوث الدوليّة» في شركة «كاسبارسكي»، أن «غراي فيش» تعمل بصورة مماثلة لـ«إكويشن غروب»، بل أن معلومات مستمرة جمعت عن الأولى منذ العام 2013.
وفي مزيد من التفاصيل، يعتقد أن البرامج التجسسيّة التي تصنعها مجموعتا «إكويشن غروب» و»غراي فيش»، تفتح لنفسها مساحة على القرص الصلب لتجميع المعلومات المطلوبة. وحتى لو أرسلت الشركة الصانعة شيفرة جديدة إلى القرص الصلب للكومبيوتر المُصاب بالبرامج الخبيثة للمجموعتين التجسّسيتين، وحتى مع «فرمته» وتثبيت نظام تشغيل جديد كليّاً مكانه، فالأرجح أن تلك البرامج ستستمر في العمل!
إلى أين تسير تلك المسألة الشائكة عن أمن الأفراد وخصوصياتهم على الانترنت في العصر المعلوماتي؟ لحد الآن، ينتقل الأمر من تعقيد إلى تعقيد أشد منه.