أسرار الخليج ـ تطور أجهزة الخليج الاستخباراتية
📅 27-04-2015 02:36 ص |
👁️ المشاهدات: 855 |
كتب: ترجمات الدبلوماسى، أوستن لونج،أي. أس. أن.
لماذا طورت دول الخليج أجهزتها المخباراتية ووسعت من نطاق قدراتها؟ يرى أوستن لونج أن هناك تحولات استراتيجية ثلاث دفعت تلك الدول لذلك - تصاعد الإرهاب المتطرف، والخوف من انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية، وتنامي النفوذ الإيراني.
لماذا طورت دول الخليج أجهزتها المخباراتية ووسعت من نطاق قدراتها؟ يرى أوستن لونج أن هناك تحولات استراتيجية ثلاث دفعت تلك الدول لذلك - تصاعد الإرهاب المتطرف، والخوف من انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية، وتنامي النفوذ الإيراني.
مزقت الصراعات كلٌ من ليبيا واليمن - بالرغم من تأصل جذورها المحلية – حيث أصبحت تلك الصراعات حروب بالوكالة. لم يعهد الشرق الأوسط هذه الظاهرة الجديدة من قبل وبخاصة أن هوية أطراف النزاع في هاتين الحربين تؤكد حدوث تغييرًا كبيرًا في المنطقة. فقد تحولت دول الخليج (بشكل أساسي دولة قطر، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية) من أطراف داعمة – من خلال توفير الدعم المالي لحروب بالوكالة يقودها أخرون - إلى أطراف تمسك بزمام القيادة سرًا وعلانية.
ففي اليمن، أخذت المملكة العربية السعودية جنبًا إلى جنب مع دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر وحلفاء آخرين زمام المبادرة في دعم الحكومة المحاصرة. وعلى صعيد آخر، إيران هي من تدعم المتمردين الحوثيين الشيعة في اليمن والذين بدورهم يتحالفون مع المؤيدين للرئيس اليمني السابق. بينما في ليبيا، قطر هي الداعم الأول للإسلاميين في حين أن الإمارات العربية المتحدة هي الداعم الرئيسي للمعسكر المناهض للإسلاميين. وفي جميع الأحوال الولايات المتحدة الأمريكية تؤدي على الأفضل دور اللاعب المساند أو في كثير من الأحيان تتخذ موقف المتفرج. وحتى في الحروب الإقليمية حيث تلعب الولايات المتحدة دورا أكبر، كما في الحرب القائمة في سوريا والعراق – فإن لدول الخليج دورًا أساسيًا - أو ربما مستقلاً في بعض الأحيان.
هذه التحركات من دول الخليج بدءًا من تحرير الشيكات – كما فعلوا في دعم المجاهدين في الثمانينيات – إلى الحملات المنظمة كانت سببًا وأثرًا في التطور الكبير التي شهدته أجهزة مخابراتها. فأصبحت تلك الأجهزة أكثر احترافية استجابة للبيئة الأمنية المتذبذبة ولاسيما الأحداث التي جدت في عام (11 سبتمبر) 2001. سمحت القدرات المتزايدة لهذه الأجهزة أن يكون العمل السري أكثر عدوانية والذي تحول في بعض الحالات إلى تدخل عسكري.
التحولات الثلاث
يوجد ثلاث تحولات رئيسية مترابطة في المشهد الاستراتيجي والتي أدت إلى تطور أجهزة مخابرات دول الخليج. أولاً، خطر انتشار الإرهاب في دول الخليج والذي أصبح أكثر حدة بعد أحداث عام 2001. انطلقت في المملكة العربية السعودية - على سبيل المثال- سلسلة من الهجمات عامي 2003 و 2004 مما عجل بجهودها المبذولة في نظم أجهزة المباحث العامة، ووكالة المخابرات المحلية (والتي تعرف عالميًا باسم المباحث) بالإضافة إلى زيادة ميزانية هذه الأجهزة. وقد أدى حدوث هجمات مماثلة أو محاولات لشن هجمات مماثلة إلى زيادة التركيز على تطوير الأجهزة المخابراتية والأمنية في دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر أيضًا.
علاوة على ما سبق، الضغط الذي تمارسه أمريكا على دول الخليج للحد من دعم المواطنين الخليجين للمنظمات الإرهابية منح دول الخليج زخمًا إضافيًا لتحسين الاستخبارات الخارجية. بدأت دول الخليج الحد من (وإن لم يكن القضاء تماما على) التبرعات واستخدام المراكز المالية الخليجية على حد سواء لدعم الإرهابيين، والتي تتطلب قدرات استخباراتية متزايدة لتتبع تدفقات الأموال. علاوة على ذلك، كبح أجهزة المخابرات المحلية للإرهابين سيتطلب من أجهزة المخابرات الأجنبية إجراء عمليات استخباراتية عبر الحدود.
تجرى عمليات الاستخبارات عبر الحدود بالتعاون مع القوات المسلحة الخليجية بخاصة عناصر العمليات الخاصة. ومما لا شك فيه فإن الحدود الفاصلة بين أجهزة المخابرات والعمليات العسكرية الخارجية أقل بكثير عن تلك في العديد من الدول الديمقراطية الغربية. ولكن من الشائع وجود تنافس بين المنظمات المختلفة وقد تحسن التعاون مع العديد من دول الخليج بخاصة بعد أحداث 2001.
ثانيًا، التحول الرئيسي الثاني في المشهد الاستراتجي هو تدخل الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط تدخلاً كبيرًا. فالخوف من الإرهاب على سبيل المثال اتاح للولايات المتحدة التدخل في الخليج منذ عقود. بخاصة بعد أحداث 2001 زاد تدخل الولايات المتحدة بشكل كبير تلاه غزوها للعراق وأفغانستان ومن ثم بدأ تدخلها يقل تدريجيًا وغادرت القوات المنطقة. هذا التحول في تواجد الولايات المتحدة الأمريكية مقرونًا بتواصلها مع إيران وموقفها السلبي الملحوظ في سوريا وإعلان السياسة الخارجية الأمريكية إعادة تركيزها على دول آسيا أدى إلى أن كثير من دول الخليج أعادة تقييم اعتمادها على الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها الأمنية.
ساهم الربيع العربي أيضًا في إعادة هذا التقييم، كما سلط الضوء على احتمالية وجود اضطرابات وثورات بالإضافة إلى إداراك الخليج (صحيح أو خطأ) بتناقض التزام الولايات المتحدة مع حلفائها الإقليميين. كما خلق أيضًا فرصًا جديدة للتأثير حيث ضعف نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية وسقطت أنظمة كانت مستقرة في السابق، وبعض تلك التأثيرات كان منها على مسمع ومرأى من الجميع (مثل المساعدات الأمريكية لمصر أو الدعم العسكري للبحرين) في حين كان بعضها سرًا ونفذته أجهزة المخابرات.
وفي الوقت ذاته، لا تزال العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ترى على أنها مهمة وأن التعاون الاستخباراتي هو أحد الأصول الرئيسية التي يوفرها الحلفاء في الخليج للولايات المتحدة. فنتج عن ذلك حملة لتحسين القدرات الأحادية لدول الخليج والتي بالرغم من ذلك توضح أهمية ذلك للولايات المتحدة. وقد يبدو ذلك أنه غذى احترافية وتوسع نطافق الأجهزة المخابراتية الخليجية.
أحد أبرز الأمثلة في هذا الصدد هي دولة قطر. في عام 2004، أعادت دولة قطر تجهيز أجهزتها المخابراتية من جديد ودمجتها في وكالة واحد أطلقت عليها "أمن دولة قطر" والتي أصبحت في وقت لاحق منظمة احترافية والتي يجسدها العميد غانم الكبيسي. فمن جهة، احتل أسم الكبيسي عناوين الصحف لمساعدته في الإفراج عن الصحفي الأمريكي من أيدي المسلحين السوريين – يزعمون دون دفع فدية - مما يدل على جدوى جهاز المخابرات القطري للولايات المتحدة الأمريكية. وفي الوقت نفسه، نظم جهاز المخابرات القطري – وفقًا لتقارير صحفية- شبكة لتقديم الأسلحة والمساعدات المالية للثوار السوريين، والذين يحوطهم الكثير من الشك في الغرب.
ثالثًا وأخيرًا، السبب وراء التطوير لأجهزة المخابرات الخليجية هي إيران، والتي زاد نفوذها الإقليمي بعد أن أقصت الولايات المتحدة الأمريكية الأنظمة المعادية لها في كلٍ من العراق وأفغانستان. نمت أجهزة المخابرات الإيرانية بصورة كبيرة في تلك الفترة. وينطبق ذلك بصفة خاصة على قوات الحرس الثوري الإيراني المسؤولة عن شن حرب بالوكالة ضد الولايات المتحدة في العراق وإلى حد ما في أفغانستان. ويزعم أن الهجوم الإلكتروني عل شركة أرامكو السعودية في عام 2012 شنته إيران مما شدد على ضرورة تعزيز تقنيات القدرات المخابراتية الخليجية. زيادة قدرات الاستخبارات الإيرانية وقدرات العمل السري دفعت دول الخليج لاتخاذ تدابير مضادة لمواجهتها.
على الرغم من مواجهتها لعدوًا مشترك قابع في إيران تتنافس الدول الخليج مع عدو آخر. في الوقت الراهن يتمثل في جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من الإسلاميين في المنطقة. سعت قطر منذ فترة طويلة احتضان هذه الجماعات. بينما ترى دول خليجية أخرى بخاصة الإمارات هؤلاء الإسلاميين بنظرة مريبة وتعتبرهم أعداءً. يوافق معظم دول الخليج بشكل عام على مناهضة الحوثيين في اليمن وحليفهم الإيراني بشار الأسد في سوريا ولكنهم يدعمون طرفين متناقضين في الحرب الليبية. توفر أجهزة المخابرات ليس فقط التعاون ولكن كذلك التنافس، ولكن خفية ووراء الكواليس أكثر من كونه من خلال مواقف عسكرية معلنة.
صعود دولة الإمارات العربية المتحدة
لا توجد دولة خليجية تمثل تأثير للتحولات الاستراتيجية والتقدم المحترف لأجهزة المخابرات مثل دولة الإمارات العربية المتحدة. فقد أحرز جهاز المخابرات الاتحادي لدولة الإمارات –جهاز أمن الدولة الإماراتي- تقدمًا كبيرًا في استيعاب القدرات الجديدة لتكنولوجيا المعلومات. في الوقت نفسه وفي ظل قيادة اللواء حميد الشامسي تحول تركيز جهاز أمن الدولة الإماراتي من التركيز المحلي إلى خارج حدود دولة الإمارات.
يقال أن قيادة العمليات الخاصة في دولة الإمارات – ليس جهاز المخابرات- تقدم الدعم " المادي" لجهاز أمن الدولة الإمارتي عند الحاجة. ويعتقد أن قوات العلميات الخاصة البريطانية لديها ترتيبات مماثلة مع جهاز الاستخبارات في المملكة المتحدة. وتعتبر قوات العلميات الخاصة الإماراتية أحدى أهم القوات في المنطقة، بخاصة بعد نشرها لقوات صغيرة في أفغانستان لعدة سنوات بدعم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية. أفادت تقارير أن قوات العمليات الخاصة الإماراتية حققت نجاحًا كبيرًا في العلميات السرية التي شنتها ضد الإسلاميين في ليبيا بخاصة في توفير الدعم الجوي الممتاز المتقدم للقاذفات المقاتلة والطائرات المروحية. احتفظت دولة الإمارات بجهاز مخابراتها المحلي –جهاز الأمن الإماراتي- جنبا إلى جنب مع منظماتها الاتحادية.
طورت دولة الإمارات العربية المتحدة ونشرت قدراتها للتصدي لتلك التحولات الاستراتيجية الثلاثة في المنطقة. وقد أعتمدت أجهزة المخابرات هذه على عدة وسائل تقنية وأصبحت بارعة في مكافحة الإرهاب ومتفوقة في النشاط الاستخباراتي. وقد تجلى ذلك بوضوح في أعقاب اغتيال محمود المبحوح في دبي عام 2010. ربط أجهزة المخابرات الإماراتية سريعًا مراقبة فيديوهات كاميرات المراقبة بجوازات السفر المزورة وبطاقات الائتمان المزعومة في نهاية المطاف لضبط القتلة والذي تبين انتمائهم لجهاز المخابرات الإسرائيلي.
استخدمت دولة الإمارات أجهزة مخابراتها لدعم توثيق علاقتها مع الولايات المتحدة، وقدمت الدعم لحليفتها ليس فقط في أفغانستان ولكن في معظم الصراعات الإقليمية الأخرى، بصرف النظر عن غزو العراق عام 2003. ومع ذلك، يأخذ جهاز المخابرات تحوطه ضد انسحاب القوات الأمريكية المحتمل من المنطقة – كما هو الحال في ليبيا- والتي يمكن استخدامها لتحقيق منافع شخصية. أخيرًا، يوفر جهاز الاستخبارات وقاية ضد الحرب بالوكالة المدمرة والتي يتخوف البعض في الإمارات من أن تقوم بها إيران.
يحتمل أن تظل الحرب في الخليج، منعًا لتصعيد البرنامج النووي الإيراني، "حربا ضبابية" يدعمها الوكلاء المدعومين في بعض الأحيان من القوات الجوية والعمليات الخاصة. هذا النموذج دعم الولايات المتحدة في غزو أفغانستان عام 2001 مما أدى إلى نجاحها السريع، التطور في أجهزتهم المخابراتية وتعزيز قدراتهم العسكرية مكنهم الآن من متابعة حملات مماثلة متحالفين ومنفردين. ومع ذلك، ترى الولايات المتحدة الأمريكية توطيد السلام في أفغانستان بعد استخدام هذا النموذج تحديًا غير عاديًا. وقد تتعلم دول الخليج في القريب العاجل درسًا مماثلاً في ليبيا واليمن وأماكن آخرى.