ان من افضل طرق الحل للمشكلات بالتاكييد هي المواجهة العميقة ، وبخاصة في القضايا ذات الطبيعة المتداخلة والمتراكمة في اسبابها والثقيلة في مواجهتها وبخاصة قضية الارهاب والتطرف ،في ظل ظهور جماعات ارهابية جديدة في اساليبها وفي تكتيكاتها مقارنه بفترات سابقة ناهيك عن استخدام العنف والدين كغطاء مقدس يبرر عملياتها .
وكاداة للتعبئة والحشد في محاولة لعزل عناصر المواجهة المضادة من الشرعية في مواجهتها
ان من افضل طرق الحل للمشكلات بالتاكييد هي المواجهة العميقة ، وفي حالة الجماعات الارهابية وبخاصة التي تتسخدم الدين كاداة للتعبئة والحشد في محاولة لعزل عناصر المواجهة الممضادة من الشرعية في مواجهتها ، وهو ما يجعلها تحاول مرارا بيان مدى تمسكها وتشددها في الحفاظ على الدين والتعاليم الدينية ، ومن ثم يتحول الموقف المتشدد لها اداة هامة للتعبير عن ذاتها وقوتها تجاه المعارضين لها ، وهو ما يضع الدولة في في مواجهة غير تقليدية فهي تحاول اولا اثبات انها ليست ضد التعاليم الدينية ، ومواجهة اتجاه تلك الجماعات الارهابية الى اختطاف الاسلام وعسكرة فكرها بالتحول من اعتناق الفكر المتطرف وتكفير المجتمع الى السلوك العنيف للتغيير ليس ضد المجتمع بل ضد السلطات الحاكمة في الدولة.
ولعل ظهور الموجه الثالثة للجماعات الارهابية مثل تنظيم داعش ومن قبله القاعدة اصبحت تؤمن باقتناع كامل باهمية الاعلام وحرب الافكار ،وهو الامر الذي دفع الى ان تكون تلك الجماعات الارهابية كفاعلين من غير الدول طرفا في معركة كسب العقول والتاثير مع الدول ، ولعل الطابع الفردي للثورة المعلوماتية وبخاصة الشبكات الاجتماعية وانسحاب الدولة من احتكار وسائل الاعلام وظهور الاعلام البديل ،وفتحت تلك التغييرات الابواب للتوظيف الامثل للرسالة الاعلامية واختراق القاعدة الشبابية الاكثر استخدمها للشبكات الاجتماعية والاكثر في ذات الوقت معاناة من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية ، بما يجعلها جاهزة للتعبئة ورغبة منها في البحث عن دور وعن الذات في نفس الوقت في اطار افتقاد هؤلاء الشباب المكانه داخل المجتمع المحلي الذي يعيشون فيه ،وهو ما تستغله داعش واخواتها بالاضافة الى ادعاء التنظيم بغلاف ديني مقدس للرسالة والمعركة والهدف .
وتتحرك الجماعات الارهابية بشكل غير تقليدي بل يضاهي في التنظيم الجيوش الحديثة من خلال امتلاك عناصر الامداد والتمويل والتدريب والقتال والتمويه والاجلاء وجمع المعلومات والتأمين وقدرات الهجوم والدفاع .
واقامة شبكة من الاتصالات المؤمنه للعمل على منع التجسس عليها او اختراقها وعلى الرغم من ان التنظيم كان يفتقد قدر كبير من تلك القدرات مع نسخة تنظيم القاعدة الا انه تمكن من جذب افضل العناصر من الشباب القادرين على التعامل فنيا في مجال تكنولوجيا الاتصال والمعلومات وبخاصة المقاتلين الاجانب الذين يتقنون اللغات الاجنية والقدرات الالكترونية ، وهذا الى جانب قيام عدد من الدول وعلى راسها الولايات المتحدة في تدريب ما اسمته في بداية الصراع في سوريا بالمعارضة تحت مسمي المساعدات غير القتالية .
بل وقامت منظمات غير حكومية دولية بتدريب عناصر من المعارضة السورية عى تامين الاتصالات وتوريد اجهزة اتصالات مؤمنة وكيفية الاتصال عبر الاقمار الصناعية ، واجراء شبكة من الاتصالات المؤمنة والمشفرة .والحيولة دون تمكن النظام السوري من اختراقها ، وبدات تلك القدرات لتنظيم داعش وجبهة النصرة في التصاعد نتيجة الخبرة التدريبية والميدانية واعطاء اهتمام كبير للاتصالات والتكنولوجيا من قبل تلك التنظيمات سعيا وراء استخدامها الاعلامي التحريضي والعنيف وتوثيق عملياتها وشن الحرب النفسية ضد خصومها .
وفتح ذلك المجال الى وجود اطراف خارجية لديها علاقات مع التنظيمات الارهابية سواء عبر تجنيد اتباع لها داخل تلك التنظيمات مع فتح الباب امام استقبال المقاتلين الاجانب والذين لقوا معاملة خاصة من التنظيم .
وبخاصة هؤلاء الذذين جائوا من مناطق الشيشان وداغستنان والذين لديهم خبرات قتالية كبيرة خاضواها ضد النظام الروسي في حرب ممتدة ، وجاء الى جانب هؤلاء الذين جاءوا من المجتمعات الغربية والذين لديهم مهارات في التعامل مع الكميبوتر واللغات الاوربية بما وفر للتنظيم قدرات لوجستية في توسعه .
وجاء في ادنى السلم المقاتلين من الدول العربية والذين لم تتوافر لديهم تلك القدرات ولكن لديهم قدر عال من الولاء ، وعلى الرغم من ذلك فق عانوا من التمييز ضدهم على النحو الذي دفعهم الى تكوين فصائل مسلحة خاصة بهم وتبايع احدى التنظيمات سواء كان داعش او جبهة النصرة .
وقد دفع البعد الدولي للصراع وتدخل اجندات خارجية الى وجود فاعليين دوليين لديهم نفوذ وعلاقات غير رسمية مع التنظيمات الارهابية ، في محاولة منهم الى نقل المعلومات من ارض الميدان او البحث عن حياد تلك التظيمات تجاهها او الاتفاق على تبادل المنافع معها مثال ذلك تركيا ،والتي رات في تلك التنظيمات بداية تحقيق مشروعها التوسعي في المنطقة وتحجيم النفوذ الكردي وتامين حدودها من خطر تمدد التنظيم الى داخلها ،
وعلى الرغم من تماسك التنظيمات الارهابية كداعش او النصرة وغيرها من التنظيمات الفرعية فانها عانت من الانقسامات الداخلية الى الحد ان قامت احدي اكبر تلك التنظيمات وهي النصرة باعدام منتمين لداعش على النحو الذي يرسم ان عدم اتضاح الرؤية لتلك التنظيمات فيما يجري لمستقبل دولتهم المزعومة والى امتداد واتساع المواجهة وعدم وجود حدود امنة للدولة الجديدة جعلها في حالة عدم استقرار واضطراب .
وبخاصة مع فشل وانهاك التنظيم في سوريا والعراق في مواجهة التحالف الدولي والجيش العراقي والسوري والمدعوم ايرانيا وروسيا . والى فشل نموذج الاسلام السياسي في مصر في 30 يونيو وردات ذلك في كل من تونس وعدد من دول الخليج وفي الجزائر والمغرب ، وهو ما حال دون انتقال مشروع داعش من الشام والعرق الى الشمال الافريقي -العربي وبخاصة ان نموذج النجاح في سوريا والعراق ارتبط ببيئة محلية واقليمية ودولية مواتية لذلك وبخاصة مع انهيار الجيش العراقي والسياسات الطائفية لحكومات العراق وبخاصة المالكي والذي عزز المواجهة السنية –الشيعية وهو ما يحاول التنظيم ان يوظفه في حربه في العراق والشام .
وذلك على الرغم من عدم اتضاح محور الحرب الطائفية تلك وبخاصة مع المعارك التي يخوضها الاكراد وهم من السنة ضد تنظيم داعش وقيام الفصائل السنية المتطرفة باقتتال داخلي فيما بينها ، و انخراط دول سنية المذهب في الحرب الدولية ضد تنظيم داعش .وياتي ذلك في بيئة تحالفية غير مستقره ومتغيره مع اعتماد عناصر التحالف مع طبيعة الموقف وتطور العمليات العسكرية لتنظيم داعش على الارض او حجم الانتصارات التي يقوم بها الاكراد او النظام السوري ضد تلك التنظيمات الى جانب طبيعة الموقف التحالفي الدولي بين ايران الداعمة للرئيس الاسد والغرب وبخاصة مع الاتفاق النووي معها والذي ربما يشكل نقطة تحول في طبيعة الرؤية الدولية لنفوذ ايران في سوريا وفي الخليج وفي اليمن.
وتجدر الاشارة انه في المواجهات العسكرية يكون الى جانب قوة النيران القدرة على الاستحواذ على المعلومات وبما يجعل العمل العسكري موازيا لعمل استخباراتي يعمل على جمع المعلومات حول تلك التنظيمات الارهابية وبخاصة انها تعمل في شكل غير تقليدي استنادا الى حالة التغير في دور الدولة وفي حجم تاثير شبكات التواصل الاجتماعي والتي يستخدمها اتباع ومؤيدوا تلك التنظيمات الارهابية في التجنيد والتنسيق والحرب النفسية .
وهو ما يتطلب ان تقوم الاجهزة الامنية التابعه للدولة بتطوير قدرتها على جمع المعلومات والمتابعه لما يجري على شبكات التواصل الاجتماعي ، وعلى الرغم من ان حجب او الغاء حسابات محسوبة على داعش مفيد امنيا الا انه قد يضر عملية جمع المعلومات حول المتورطين في التنظيم والقدرة على الاختراق التنظيمي لهم ، ولعملية الاختراق عدة ابعاد ، يتعلق الاول بالقدرة على تجنيد مضاد لتنظيم داعش من خلال كسب ولاء بعض افرادة وتوفير الحماية لهم وليتحولوا الى عناصر ميدانية لمعرفة خطط التنظيم وجمع المعلومات عنهم ومصادر تسليحهم وتمويلهم ، وهو امر يكون صعبا لانه يحتاج الى قدرات وتدريبات خاصة الا انه ممكنا حدوثة .
والامر الثاني لعملية الاختراق القدرة على تنوع اساليب التعامل الامني معها من العنف الى الحوار ، حيث يساعد ذلك في تفكك الموقف الوحدوي للتنظيم من عملية استخدام العنف اذا كان هناك الية للحوار وبخاصة ان طول العمليات العسكرية يعمل على تملل بعض عناصر التنظيمات الارهابية وبخاصة اذا ما شعرت بعدم عدالة توزيع المناصب والاموال داخل التنظيم ، وبعدم وضوح رؤية للتنظيم او ربما اعتراضا على سياسة الذبح والقتل للابرياء . والامر الثالث يتعلق بالقدرة على اختراق اتصالات التنظيم والتجسس على محادثاتهم من خلال تطوير عملية فك التشفير والاختراق . سواء لشبكات الاتصالات او لحسابات او صفحات او بريد الكتروني .
والقدرة على عزل التنظيم عن محيطة بالحد من قدرته على التجنيد او الحصول على الاموال او المواجهة الفكرية ،او من خلال بث خطاب وسطي يقنع الشباب بتطرف فكرهم ويرتبط بذلك القدرة على توفير فرص عمل وفرص اقتصادية للشباب وفرص سياسية ايضا في اطار الدستور والقانون .
وان دمج المناطق المهمشة والافراد كذلك له اهمية كبيرة في النجاح في اختراق التنظيمات المتطرفة وفقدها القدرة على العمل وتحقيق النصر العسكري والفكري في معركة مفتوحة والنصر فيها لمن يملك القدرة على التاثير والنفوذ اكثر مما يملك من السلاح والذخائر .