المصدر: ملف الأهرام الإستراتيجى مارس 2011 ،
سجلت مصر ضمن الشعوب الحرة، فى ثورة قادها الشباب فى 25 يناير والتفت حولها جميع فئات المجتمع، فى مشهد عبر من ناحية عن عدالة أهدافها والتصاقها بمطالب الشعب، وكشف من ناحية أخرى ان لكل ثورة أدواتها وفق العصر الذى تحدث فيه والمتمثل فى ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات.
فكما كانت الثورة الإيرانية تسمى بثورة الكاسيت لدوره فى تحريكها، فان ثورة الخامس والعشرين من يناير قد سميت بثوره الفيس بوك لدوره فى الدعوة للمظاهرات، وبرز دور الشبكات الاجتماعية والانترنت بصفه عامة فى التغيير، وعكس ذلك من ناحية أخرى التحول لنمط جديد من جماعات الضغط الالكترونية التى انتقلت من مجرد التأثير على السياسات العامة، إلى القدرة على إحداث انفجار شعبى نجح فى إسقاط النظام السياسى برمته. -
الشرارة تنطلق عبر الفيس بوك
بدأت الدعوة ليوم الغضب فى مصر يوم 25 يناير بفكرة مكتوبة على صفحة "كلنا خالد سعيد" على موقع الفيس بوك، ثم تحولت إلى حملة ثم إلى ثورة شعبية. وقد حصلت الدعوة إلى يوم الغضب على تأييد 100 ألف من 400 ألف عضو هم أعضاء مجموعة "كلنا خالد سعيد"، وقد وصل عدد الأعضاء بعد اندلاع الثورة إلى ما يقرب من المليون عضو، وجاء ذلك بمشاركة نشطاء من مجموعات عديدة كان من بينها حركة 6 ابريل وحركة كفاية والحملة الشعبية لدعم البرادعى وحزب الغد (ايمن نور) وشباب من أجل العدالة والحرية وحشد وحزب الجبهة وشبكة رصد، بالإضافة إلى انضمام عدد من أحزاب المعارضة وجماعة الإخوان المسلمين والتى مثلت قوة هامة فى دعم التظاهر. إلا أن هذه المجموعات لم تكن هى الوحيدة التى ساهمت فى التخطيط والتنسيق، حيث تحولت الانتفاضة إلى ثورة بفعل احتضان المجتمع كله لها، حيث أدى عدم وجود قيادة واضحة للثورة إلى إكسابها طابعها الشعبي، خصوصاً بعد توالى حملات التأييد عبر الشبكات الاجتماعية والمدونات والمواقع الإخبارية والمنتديات وتناقل الصحف ووسائل الإعلام المختلفة. وقد اقتصرت أهداف الثورة فى البداية على الدعوة ليوم غضب على التعذيب والظلم والفساد والفقر، ثم ارتفع سقف مطالبها بإسقاط النظام. وعزز ذلك ما شعر به المتظاهرون من النجاح فى الضغط على النظام وإقالة الحكومة، وإلى التأثر بالنموذج التونسى بالإضافة إلى سوء إدارة الأزمة من قبل الرئيس السابق مبارك والممارسات القمعية التى اتخذت ضد المتظاهرين، إلى جانب الانفلات الأمنى والتخريب الذى لم يبعد عن أيدى بعض رجال الشرطة والبلطجية المدعومين. لقد كشفت ثورة 25 يناير عن الدور الهام للشبكات الاجتماعية كموقع تويتر وفيسبوك وموقع يوتيوب لتبادل ملفات الفيديو، عن انتهاكات القتل والتعذيب. وقد برزت قوة هذا الدور فى التأثير فى الرأى العام وحشد المتظاهرين نحو هدف إسقاط النظام ببث روح الحماسة والرغبة فى التغيير عبر نشر ممارسات النظام السابق وكشف مغالطات الإعلام الحكومي، أو بالتواصل مع الفضائيات كقناتى الجزيرة والعربية. فى هذا الإطار تم استخدام أدوات تكنولوجيا الاتصال والمعلومات فى مجال التعبئة والحشد والتنظيم والتنسيق وتداول المعلومات طوال فترة الاعتصام والتظاهرات حتى تنحى الرئيس السابق مبارك عن الحكم، وعلى الرغم من إقدام السلطات الأمنية فى النظام السابق على قطع خدمة الانترنت والاتصال فى محاولة لإضعاف رياح التغيير، فإنها فشلت حيث كانت الفكرة قد انتشرت بالفعل حول المظاهرات وكان حاجز الخوف قد انكسر. -
من النت إلى الشارع
على الرغم من أن الدعوة للتظاهر فى 25 يناير كانت تعبيرا عن الاحتجاج الشخصي، فإنها تحولت إلى توجيه الرأى العام مستهدفة إحداث التغيير الاجتماعى والثقافى والسياسى داخل المجتمع عن طريق التعبير عن الموقف أو الرأى أو التأثير فى أفكار الناس وآرائهم لجعلهم أكثر ايجابية، وللعمل على تحريك الطاقات والقدرات الشعبية واستغلالها لتحقيق أهداف الثورة. وهو ما كشف عن بروز قادة جدد للرأي، وانتقلت الدعوة من حملة تم شنها عبر موقع الفيس بوك إلى التأثير على ارض الواقع بهدف تغييره, وتوزاى مع ذلك الدعوة إلى وجود فاعليات تدعم فكرة التظاهر والتعبير عن الرأى بين الناس من غير مستخدمى موقع الفيس بوك حيث يستخدمه فقط ما يزيد على 4 ملايين مستخدم، أو الانترنت حيث يستخدمه فقط 23 مليوناً. وبذلك كان من الضرورى الانتقال إلى الشارع المصرى بكل أطيافه وفى أماكن متفرقة من البلاد ليؤدى ذلك لتفجير ثورة تميزت بدعوة شبابية واشتراك كافة الاعمار والطبقات بها، وحاول الثوار الانتقال لرد فعل جماعى يعتمد على الجهد التطوعى من جانب مؤيدى الثورة التى تميزت بقدر عال من التنظيم من حيث توزيع المهام بشكل دقيق ومحدد بين المسئولين عنها، ووجود فريق فنى خاص والتواصل مع جهات إعلامية معروفة من أجل إبراز الحملة إعلاميا ونشر أفكارها. فى هذا السياق تشكلت مجموعات افتراضية شبيهه بالأحزاب السياسية، وتم نشر أفكار المظاهرات عبر كافة أدوات الرأى والتعبير عبر الانترنت كالمدونات والمنتديات ومجموعات الفيس بوك والمجموعات البريدية وغرفة الدردشة ورسائل المحمول وغيرها، بالإضافة إلى الصحف والفضائيات، والعمل على تكوين مجموعات على موقع الفيس بوك كجزء من تكوين التحالفات السياسية على الإنترنت. وتم نشر أفكار المظاهرات يوم 25 يناير بين أكبر عدد من مستخدمى الانترنت عن طريق المجموعات البريدية ورسائل المحمول. وفى ظل أحداث الثورة تمت مهاجمة المواقع الحكومية الالكترونية، والقيام بأعمال قرصنة على موقع الحزب الوطنى ووزارة الداخلية ومجلسى الشعب والشورى وغيرها، كجزء من المشاركة فى الاحتجاج على سياسات الحزب الحاكم، وجاءت محاولة الانتقال من الإنترنت وموقع الفيس بوك وغيرهما إلى أرض الواقع بتوزيع الملصقات ودعم المتظاهرين فى الميدان والعمل على تشكيل غرفة عمليات مركزية لمتابعة حالات الاعتقال أو الاعتداء، ولتوجيه الشباب إلى أماكن التجمع من أجل حشد و توجيه المتظاهرين لاماكن التظاهرات وإبلاغهم بأى تغيير، والرد إعلاميا على ادعاءات الإعلام الحكومى الذى وصفهم بأنهم قلة مندسة وتعمل لأجندة خارجية.
- عوامل النجاح لا تنفصل عن الواقع
تمثلت عوامل نجاح الثورة فى عدة أبعاد، منها البُعد المؤسسى الذى تمثل فى ضعف دور الأحزاب السياسية والمجتمع المدنى ومُمثلى السُلطة التشريعية التى اعتمدت على التزوير فى تزييف الإرادة الشعبية وفقدت دورها كمؤسسات وسيطة بين الحاكم والمحكومين، أما البُعد التكنولوجى فقد تمثل فى الارتباط المُتزايد بتكنولوجيا الاتصال والمعلومات، وتوفير فرص جديدة أمام لاعبين جُدد، وخاصة مع ما وفرة الإنترنت كوسيلة سهلة ورخيصة وسريعة الانتشار. وكذلك اندماج الخدمات مع بعضها حيث يُتيح الإنترنت خدمة الاتصال والموبايل خدمة الإنترنت وإمكانية التراسل المجانى بينهما فضلاً عن الحرية المُتاحة وارتفاع سقفها عن وسائل الإعلام التقليدية حيث يوجد فى مصر ما يزيد على 23مليون مُستخدم للإنترنت و62 مليون مُشترك فى خدمة التليفون المحمول، بالإضافة إلى دور الفضائيات والإعلام الخاص فى التجنيد والتعبئة، وقد تفاعل كل ذلك مع انفتاح المواطن على الخارج، الأمر الذى جعل لديه طموحات وتطلُعات أكبر قد تُمثل ضغطاً مستمرا على صانعى القرار فى ظل قيود الواقع الاجتماعى والاقتصادي، والتى زادت بعد تنحى الرئيس التونسي. وقد مثل البعد ذو الطابع الجيلى أو العمرى مرتكزا أساسيا لنجاح الثورة، حيث يمثل الشباب فى مصر ما يقرُب من 60% من السكان، بما لديهم من رؤى للتغيير ودراية بتكنولوجيا الاتصال والمعلومات والتفاعل معها، مُقابل الفئات العمرية الأخرى التى ما زال بعضها ينظُر إليها بعين المُتشكك.
- الفيس بوك ومستقبل الثورة
إلى جانب الحفاظ على مكتسبات الثورة، يتمثل التحدى الأكثر أهمية فى عملية البناء لنظام سياسى جديد يستطيع أن يستوعب كافة القوى السياسية وأن يحافظ على الحرية لوسائل الإعلام والاتصال. ومن ثم فان مرحلة ما بعد الثورة ستشهد وجود عدد كبير من التيارات السياسية وبعض الانشقاقات بين من نادوا بالثورة، وبين من يريد توظيف منجزات الثورة لتحقيق طموح سياسي، وبين فئات أخرى تريد العودة إلى عملها. هذه الاختلافات فى الرؤية سيتم التعبير عنها فى شكل حركات وأحزاب سياسية خصوصاً مع الانفتاح الديمقراطي، حيث تم الإعلان عن الرغبة فى تأسيس عدد كبير من الأحزاب السياسية. وظهرت صفحات عديدة على موقع الفيس بوك مثل صفحة حزب 25 يناير والذى أيده ما يزيد على 237500، وعلى الرغم من ذلك فلم يتم الاستقرار على اسم نهائى له. وذلك إلى جانب ائتلاف شباب الثورة والذى وصل عدد أعضائه إلى ما يقرب من 15000 مؤيد، والذى ينتهج استراتيجية جديدة بالدعوة المستمرة للتظاهر لضمان تنفيذ المطالب، وبلغ عدد الأعضاء فى شبكة رصد ما يزيد على 185 ألف عضو، ووصل عدد أعضاء حركة شباب 6 ابريل إلى ما يزيد على 77 ألف عضو، وبرز حزب تحت مسمى "مصر 2011 الحرية والمساواة والكرامة"، كما ظهرت أيضا صفحة الحزب الجديد لجماعة الإخوان المسلمين حزب الحرية والعدالة على الفيس بوك. هذا التنوع يعبر عن حالة صحية تترافق عادة مع المراحل الانتقالية. وسوف تثبت التجربة استمرار الأجدر على المنافسة فى ظل مناخ حرية تلعب فيه شبكة الانترنت ووسائل الاتصال دورا كبيرا فى دعم القيم والمؤسسات، وفى إدارة العملية السياسية داخل النظام السياسي. وهو ما سيعمل على تشجيع فرص المشاركة السياسية ويبرز أهمية إدارة التنوع والاختلاف فى المرحلة المقبلة. ومن المتوقع أن تلعب كل من شبكة الإنترنت وموقع الفيس بوك على نحو خاص، دورا ملحوظا فى تطبيق الديموقراطية الرقمية وفى تفعيل الرقابة الشعبية على أداء المؤسسات عبر فاعلين جدد يمتلكون القدرة على مخاطبة شرائح مؤثرة فى الرأى العام بدرجة أكبر وأسرع من المؤسسات التقليدية.
بقلم: عادل عبدالصادق المصدر: ملف الأهرام الإستراتيجى مارس 2011 ، سجلت مصر ضمن الشعوب الحرة، فى ثورة قادها الشباب فى 25 يناير والتفت حولها جميع فئات المجتمع، فى مشهد عبر من ناحية عن عدالة أهدافها والتصاقها بمطالب الشعب، وكشف من ناحية أخرى ان لكل ثورة أدواتها وفق العصر الذى تحدث فيه والمتمثل فى ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات. فكما كانت الثورة الإيرانية تسمى بثورة الكاسيت لدوره فى تحريكها، فان ثورة الخامس والعشرين من يناير قد سميت بثوره الفيس بوك لدوره فى الدعوة للمظاهرات، وبرز دور الشبكات الاجتماعية والانترنت بصفه عامة فى التغيير، وعكس ذلك من ناحية أخرى التحول لنمط جديد من جماعات الضغط الالكترونية التى انتقلت من مجرد التأثير على السياسات العامة، إلى القدرة على إحداث انفجار شعبى نجح فى إسقاط النظام السياسى برمته.
- الشرارة تنطلق عبر الفيس بوك
بدأت الدعوة ليوم الغضب فى مصر يوم 25 يناير بفكرة مكتوبة على صفحة "كلنا خالد سعيد" على موقع الفيس بوك، ثم تحولت إلى حملة ثم إلى ثورة شعبية. وقد حصلت الدعوة إلى يوم الغضب على تأييد 100 ألف من 400 ألف عضو هم أعضاء مجموعة "كلنا خالد سعيد"، وقد وصل عدد الأعضاء بعد اندلاع الثورة إلى ما يقرب من المليون عضو، وجاء ذلك بمشاركة نشطاء من مجموعات عديدة كان من بينها حركة 6 ابريل وحركة كفاية والحملة الشعبية لدعم البرادعى وحزب الغد (ايمن نور) وشباب من أجل العدالة والحرية وحشد وحزب الجبهة وشبكة رصد، بالإضافة إلى انضمام عدد من أحزاب المعارضة وجماعة الإخوان المسلمين والتى مثلت قوة هامة فى دعم التظاهر. إلا أن هذه المجموعات لم تكن هى الوحيدة التى ساهمت فى التخطيط والتنسيق، حيث تحولت الانتفاضة إلى ثورة بفعل احتضان المجتمع كله لها، حيث أدى عدم وجود قيادة واضحة للثورة إلى إكسابها طابعها الشعبي، خصوصاً بعد توالى حملات التأييد عبر الشبكات الاجتماعية والمدونات والمواقع الإخبارية والمنتديات وتناقل الصحف ووسائل الإعلام المختلفة. وقد اقتصرت أهداف الثورة فى البداية على الدعوة ليوم غضب على التعذيب والظلم والفساد والفقر، ثم ارتفع سقف مطالبها بإسقاط النظام. وعزز ذلك ما شعر به المتظاهرون من النجاح فى الضغط على النظام وإقالة الحكومة، وإلى التأثر بالنموذج التونسى بالإضافة إلى سوء إدارة الأزمة من قبل الرئيس السابق مبارك والممارسات القمعية التى اتخذت ضد المتظاهرين، إلى جانب الانفلات الأمنى والتخريب الذى لم يبعد عن أيدى بعض رجال الشرطة والبلطجية المدعومين. لقد كشفت ثورة 25 يناير عن الدور الهام للشبكات الاجتماعية كموقع تويتر وفيسبوك وموقع يوتيوب لتبادل ملفات الفيديو، عن انتهاكات القتل والتعذيب. وقد برزت قوة هذا الدور فى التأثير فى الرأى العام وحشد المتظاهرين نحو هدف إسقاط النظام ببث روح الحماسة والرغبة فى التغيير عبر نشر ممارسات النظام السابق وكشف مغالطات الإعلام الحكومي، أو بالتواصل مع الفضائيات كقناتى الجزيرة والعربية. فى هذا الإطار تم استخدام أدوات تكنولوجيا الاتصال والمعلومات فى مجال التعبئة والحشد والتنظيم والتنسيق وتداول المعلومات طوال فترة الاعتصام والتظاهرات حتى تنحى الرئيس السابق مبارك عن الحكم، وعلى الرغم من إقدام السلطات الأمنية فى النظام السابق على قطع خدمة الانترنت والاتصال فى محاولة لإضعاف رياح التغيير، فإنها فشلت حيث كانت الفكرة قد انتشرت بالفعل حول المظاهرات وكان حاجز الخوف قد انكسر.
- من النت إلى الشارع
على الرغم من أن الدعوة للتظاهر فى 25 يناير كانت تعبيرا عن الاحتجاج الشخصي، فإنها تحولت إلى توجيه الرأى العام مستهدفة إحداث التغيير الاجتماعى والثقافى والسياسى داخل المجتمع عن طريق التعبير عن الموقف أو الرأى أو التأثير فى أفكار الناس وآرائهم لجعلهم أكثر ايجابية، وللعمل على تحريك الطاقات والقدرات الشعبية واستغلالها لتحقيق أهداف الثورة. وهو ما كشف عن بروز قادة جدد للرأي، وانتقلت الدعوة من حملة تم شنها عبر موقع الفيس بوك إلى التأثير على ارض الواقع بهدف تغييره, وتوزاى مع ذلك الدعوة إلى وجود فاعليات تدعم فكرة التظاهر والتعبير عن الرأى بين الناس من غير مستخدمى موقع الفيس بوك حيث يستخدمه فقط ما يزيد على 4 ملايين مستخدم، أو الانترنت حيث يستخدمه فقط 23 مليوناً. وبذلك كان من الضرورى الانتقال إلى الشارع المصرى بكل أطيافه وفى أماكن متفرقة من البلاد ليؤدى ذلك لتفجير ثورة تميزت بدعوة شبابية واشتراك كافة الاعمار والطبقات بها، وحاول الثوار الانتقال لرد فعل جماعى يعتمد على الجهد التطوعى من جانب مؤيدى الثورة التى تميزت بقدر عال من التنظيم من حيث توزيع المهام بشكل دقيق ومحدد بين المسئولين عنها، ووجود فريق فنى خاص والتواصل مع جهات إعلامية معروفة من أجل إبراز الحملة إعلاميا ونشر أفكارها. فى هذا السياق تشكلت مجموعات افتراضية شبيهه بالأحزاب السياسية، وتم نشر أفكار المظاهرات عبر كافة أدوات الرأى والتعبير عبر الانترنت كالمدونات والمنتديات ومجموعات الفيس بوك والمجموعات البريدية وغرفة الدردشة ورسائل المحمول وغيرها، بالإضافة إلى الصحف والفضائيات، والعمل على تكوين مجموعات على موقع الفيس بوك كجزء من تكوين التحالفات السياسية على الإنترنت. وتم نشر أفكار المظاهرات يوم 25 يناير بين أكبر عدد من مستخدمى الانترنت عن طريق المجموعات البريدية ورسائل المحمول. وفى ظل أحداث الثورة تمت مهاجمة المواقع الحكومية الالكترونية، والقيام بأعمال قرصنة على موقع الحزب الوطنى ووزارة الداخلية ومجلسى الشعب والشورى وغيرها، كجزء من المشاركة فى الاحتجاج على سياسات الحزب الحاكم، وجاءت محاولة الانتقال من الإنترنت وموقع الفيس بوك وغيرهما إلى أرض الواقع بتوزيع الملصقات ودعم المتظاهرين فى الميدان والعمل على تشكيل غرفة عمليات مركزية لمتابعة حالات الاعتقال أو الاعتداء، ولتوجيه الشباب إلى أماكن التجمع من أجل حشد و توجيه المتظاهرين لاماكن التظاهرات وإبلاغهم بأى تغيير، والرد إعلاميا على ادعاءات الإعلام الحكومى الذى وصفهم بأنهم قلة مندسة وتعمل لأجندة خارجية.
- عوامل النجاح لا تنفصل عن الواقع
تمثلت عوامل نجاح الثورة فى عدة أبعاد، منها البُعد المؤسسى الذى تمثل فى ضعف دور الأحزاب السياسية والمجتمع المدنى ومُمثلى السُلطة التشريعية التى اعتمدت على التزوير فى تزييف الإرادة الشعبية وفقدت دورها كمؤسسات وسيطة بين الحاكم والمحكومين، أما البُعد التكنولوجى فقد تمثل فى الارتباط المُتزايد بتكنولوجيا الاتصال والمعلومات، وتوفير فرص جديدة أمام لاعبين جُدد، وخاصة مع ما وفرة الإنترنت كوسيلة سهلة ورخيصة وسريعة الانتشار. وكذلك اندماج الخدمات مع بعضها حيث يُتيح الإنترنت خدمة الاتصال والموبايل خدمة الإنترنت وإمكانية التراسل المجانى بينهما فضلاً عن الحرية المُتاحة وارتفاع سقفها عن وسائل الإعلام التقليدية حيث يوجد فى مصر ما يزيد على 23مليون مُستخدم للإنترنت و62 مليون مُشترك فى خدمة التليفون المحمول، بالإضافة إلى دور الفضائيات والإعلام الخاص فى التجنيد والتعبئة، وقد تفاعل كل ذلك مع انفتاح المواطن على الخارج، الأمر الذى جعل لديه طموحات وتطلُعات أكبر قد تُمثل ضغطاً مستمرا على صانعى القرار فى ظل قيود الواقع الاجتماعى والاقتصادي، والتى زادت بعد تنحى الرئيس التونسي. وقد مثل البعد ذو الطابع الجيلى أو العمرى مرتكزا أساسيا لنجاح الثورة، حيث يمثل الشباب فى مصر ما يقرُب من 60% من السكان، بما لديهم من رؤى للتغيير ودراية بتكنولوجيا الاتصال والمعلومات والتفاعل معها، مُقابل الفئات العمرية الأخرى التى ما زال بعضها ينظُر إليها بعين المُتشكك.
- الفيس بوك ومستقبل الثورة
إلى جانب الحفاظ على مكتسبات الثورة، يتمثل التحدى الأكثر أهمية فى عملية البناء لنظام سياسى جديد يستطيع أن يستوعب كافة القوى السياسية وأن يحافظ على الحرية لوسائل الإعلام والاتصال. ومن ثم فان مرحلة ما بعد الثورة ستشهد وجود عدد كبير من التيارات السياسية وبعض الانشقاقات بين من نادوا بالثورة، وبين من يريد توظيف منجزات الثورة لتحقيق طموح سياسي، وبين فئات أخرى تريد العودة إلى عملها. هذه الاختلافات فى الرؤية سيتم التعبير عنها فى شكل حركات وأحزاب سياسية خصوصاً مع الانفتاح الديمقراطي، حيث تم الإعلان عن الرغبة فى تأسيس عدد كبير من الأحزاب السياسية. وظهرت صفحات عديدة على موقع الفيس بوك مثل صفحة حزب 25 يناير والذى أيده ما يزيد على 237500، وعلى الرغم من ذلك فلم يتم الاستقرار على اسم نهائى له. وذلك إلى جانب ائتلاف شباب الثورة والذى وصل عدد أعضائه إلى ما يقرب من 15000 مؤيد، والذى ينتهج استراتيجية جديدة بالدعوة المستمرة للتظاهر لضمان تنفيذ المطالب، وبلغ عدد الأعضاء فى شبكة رصد ما يزيد على 185 ألف عضو، ووصل عدد أعضاء حركة شباب 6 ابريل إلى ما يزيد على 77 ألف عضو، وبرز حزب تحت مسمى "مصر 2011 الحرية والمساواة والكرامة"، كما ظهرت أيضا صفحة الحزب الجديد لجماعة الإخوان المسلمين حزب الحرية والعدالة على الفيس بوك. هذا التنوع يعبر عن حالة صحية تترافق عادة مع المراحل الانتقالية. وسوف تثبت التجربة استمرار الأجدر على المنافسة فى ظل مناخ حرية تلعب فيه شبكة الانترنت ووسائل الاتصال دورا كبيرا فى دعم القيم والمؤسسات، وفى إدارة العملية السياسية داخل النظام السياسي. وهو ما سيعمل على تشجيع فرص المشاركة السياسية ويبرز أهمية إدارة التنوع والاختلاف فى المرحلة المقبلة. ومن المتوقع أن تلعب كل من شبكة الإنترنت وموقع الفيس بوك على نحو خاص، دورا ملحوظا فى تطبيق الديموقراطية الرقمية وفى تفعيل الرقابة الشعبية على أداء المؤسسات عبر فاعلين جدد يمتلكون القدرة على مخاطبة شرائح مؤثرة فى الرأى العام بدرجة أكبر وأسرع من المؤسسات التقليدية.