لم تعد موجة «الأسلَمة» حكراً على الزي والطعام والشراب ودور العبادة والمــدارس والجــامعــات والمصـــارف والمشافي وأماكن السباحة، بل تمضي العملية، بابتداع «مسلم فايس»، نحو «أسلمة» الفضاء الافتراضي، في محاكاة «شرعيّة» لموقع التواصل الاجتماعي الأشهر «فايسبوك».
وإن كان الابتداع هذا مدعاة إلى الطرافة والتندّر، لكنه يستبطن رغبة لدى الجماعة الإسلاميّة بعزل نفسها، وتمييز هُويتها عن باقي الجماعات البشريّة، كما يستبطن أيضاً رغبة في العزلة، واعتماد منطق الجُزر التي لا تحدها سوى المياه والعواصف والمجهول، حفاظاً على نقاء الفكرة وعدم اختلاطها بمفاسد الحضارة وأدرانها.
الموقع الجديد، الذي أطلقه رجال أعمال مسلمون بريطانيون، يمنع إضافة أشخاص من الجنس الآخر ليسوا في عِداد «المحارم»، لأن الاختلاط ها هنا غير جائز شرعيّاً، وهو ما يوفّر، كما يرى القائمون على الموقع الجديد، بيئة تراعي التقاليد الدينيّة تكون حاضنة للأفكار المشتركة لدى المسلمين، ربما لا ترقى إليها مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى.
بيْد أن الحماسة المفرطة لمشاريع كهذه قد يقود إلى الوقوع في فخّ الوهم العميق بقدرة الفكرة الدينيّة على التصادم مع قيم الحضارة والتكنولوجيا وآليات الاجتماع البشريّ، لا سيّما بعد ثبوت تهافت القدرة على تصنيع إسلام شموليّ يمتلك الإجابات والتصوّرات لكل صغيرة وكبيرة في الكون، ويتنبأ بالمستقبل، ويبتكر حلولاً فقهيّة لكل المعضلات، كبيرِها وصغيرِها.
وقد يجرّ هذا الوهم إلى «اعتقاد» بأن الإسلام في خطر، ما يستدعي مجابهة ذلك الخطر بحلول «عُزلويّة» تحول دون اشتباك المسلمين بالأغيار الذين يهدّدون العقيدة، ويحطّمون القواعد، ويخلقون بيئات تخلو من السطوة الدينيّة، لكنها لا تخلو من منظومة قيميّة منضبطة بأحكام القانون ومبادئ الأخلاق.
ويُحيل «مسلم فايس» إلى مصطلح شاع وما برح، وهو «أسلَمة المعرفة» التي ذهب بعضهم إلى عدّها بمثابة «ذبح العلوم الغربيّة على الطريقة الإسلاميّة» لأن المعرفة نتاج عقل بشريّ لا يمتثل لإكراهات العِرق أو الدّين أو اللون أو الهُويّة.
ومن المفارقة أن تتم محاربة قيم المجتمعات الغربيّة الموسومة، في الأدبيّــــــــات الإسلاميّـــة، بالمجتمعـــات العلمانيّة، أو «الجاهليّة» بتعبير سيّد قطب، بأدوات هي نتاج تلك المحاكاة الإبداعّية الخلاّقة لإنسان تلك المجتمعات مع العصر، والانفتاح على وعوده والاستجابة لتطلعاته، وتفكيك ألغاز الكون، وتقليم أظافر العواصف والفيضانات والزلازل، وترويض الطبيعة لتكون طيّعة في خدمة الإنسان الذي يدبّ بقدميه فوق الأرض!
وبعيداً من التلويح بمخاوف من استغلال الجماعات الجهادية المتطرفة موقع «مسلم فايس» لخدمة أغراضها، وتوسيع نطاق انتشارها وتجنيد الأتباع، وهو أمر وارد بلا ريب، فإنّ ابتكار حلول إقصائيّة لضمان نقاء العقيدة، يرهق النّفس، ويُدخل الدين في حيّز المشقّة، ويقوّض أطروحة حوار الأديان ولقاء الحضارات. فلو أن كل جماعة دينيّة أنشأت موقعها التواصليّ الخاص، لتفشّت الكراهية، وتعمّقت الشروخات بين البشر، ولارتفعت الجدران من حيث يتعيّن أن تسقط وتتهاوى، ولأضحت الأرض «أضيق من مرور الرّمح في خصرٍ نحيل»!
* كاتب وأكاديمي أردني