المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

الصورة الصحفية والتطورات التكنولوجية

📅 04-09-2015 12:32 م | 👁️ المشاهدات: 498 | كتب: د. عبدالله بدران
تحتل الصورة الصحفية أهمية بالغة في وسائل الإعلام المطبوعة، وتمثل أحد الأركان الرئيسية للصحف والمجلات،عادل

 

تحتل الصورة الصحفية أهمية بالغة في وسائل الإعلام المطبوعة، وتمثل أحد الأركان الرئيسية للصحف والمجلات، وتأخذ حيزا كبيرا من اهتمام المحررين والناشرين والمعلنين بسبب تأثيرها الكبير في الجمهور، والدور الذي تؤديه في لفت أنظار الرأي العام، و توجيهه نحو الهدف الذي تريد إبرازه، والغاية التي تسعى إلى بلوغها.
وتشكل الصورة الصحفية حيزا قائما بذاته، ومادة صحفية مستقلة بذاتها في بعض الأحيان، كما يمكن أن تكون تأكيدا للمادة الخبرية التي تترافق معها حتى لا يتسرب إليها الشك، وتستطيع أيضا أن تعكس وتقدم قراءات للحدث من زوايا معينة، بجانب استخداماتها في فنون التحرير الصحفي المختلفة.

تذكر عدد من الدراسات الإعلامية أن نحو 75 في المئة من قراء الصحف والمجلات يلاحظون الصورة ويركزون عليها، وأن نحو 50 في المئة منهم يلاحظون العناوين الرئيسية، وأن 29 في المئة منهم يلفت نظرهم تعليقات الصور، في حين لا تلفت المادة التحريرية إلا انتباه نحو 25 في المئة من القراء، مما يعني أن الصورة تعد أفضل وسيلة لجذب انتباه القراء واهتمامهم.
ومن المعروف أن الصحافة بدأت، بشكلها الأولي أو البدائي، بالصور، فقد كان الإنسان البدائي يدون، ويرسم، ويلون، على جدران كهفه، قصة عصره، قبل أن يدون التاريخ بآلاف السنين، ويدون معه حكايات معاركه مع الطبيعة، وكيف كان يطارد الحيوانات، وما يستخدمه من أسلحة.
وتعد الصور والرسوم، التي رسمها الإنسان، أول لغة مكتوبة، ومنها تطورت الأبجدية، التي نستعملها حاليا، كما أنا نعيش في العصر الحالي مرة ثانية، في عصر الصورة، حيث تشكل الصور الصحفية عنصراً أساسياً في صناعة الصحافة والإعلان وفي التسويق والترويج.
وحتى أوائل القرن الثامن عشر كانت الصورة ترسم يدوياً بالقلم أو بالفرشاة على الورق والجدران وألواح الخشب أو القماش أو غيرها من المسطحات وكانت لها وظائف أساسية تمثلت في :
1 - تسجيل مظاهر الحياة وظواهرها.
2 - التعبير عن الأحاسيس والمعتقدات التي لم يختبرها الإنسان في واقعه المادي أو قرأ عنها في كتابات الأولين أو سمع عنها.
3 - توضيح معاني الكلمات خاصة تلك الجديدة على السامع أو القارئ.
وقبل اختراع الصورة الفوتوغرافية كان الفنانون هم الذين يقومون بعمل التصوير اليدوي، وذلك بالانتقال إلى مكان الحادث أو الخبر ورسم صور تخطيطية له، ثم تنقل إلى الخشب الذي يعد للحفر، ثم الطبع. وعرفت الصحف تلك الطريقة في القرن التاسع عشر حيث كانت الصور على شكل خطوط تحفر في كتل خشبية، ثم تغمس في الحبر وتضغط على الصفحات إلى جانب المتن أو النص.
ولعل صحيفة «أخبار الأسبوع» الإنجليزية أول من استخدم هذه الطريقة، عام 1836، حين نشرت مادة خبرية عن حريق شب في جزيرة سانت مايكل. في حين تذكر بعض المصادر الإعلامية أن أول صورة فوتوغرافية التقطت كانت عام 1826 بوساطة كيميائي فرنسي يدعى جوزيف نيسيفور نيبس، والتقطها من نافذة منزله. أما بدايات التصوير الصحفي مهنيا فتنسبها المصادر التاريخية إلى أعمال عدد من المصورين أبرزهم ماثيو برادي وذلك في منتصف القرن التاسع عشر، وقد جذبت صور برادي عن الحرب الأهلية الأمريكية الانتباه إلى الأهوال التي كان يشهدها ميدان المعركة وصور الجنود في حالات يرثى لها بين قتيل وجريح.
أما التصوير الصحفي كفن، فقد شهد تطورات كبيرة نقلته من المرحلة الجمالية كفن جميل لا يهتم فيه الفنان إلا بالشكل والتكوين الفني إلى المرحلة الإعلامية كفن تطبيقي وظيفي يهتم بالقيم الإخبارية والصحفية، وبصورة خاصة في الفترة ما بين 1925م -1930 . وفي عام 1940 ظهر لأول مرة فريق من المصورين الذين وجهوا عنايتهم إلى الموضوعات التسجيلية أكثر من الموضوعات الجمالية وكانت هذه المدرسة التسجيلية نواة فن التصوير الحقيقي، وبذلك بدأت مرحلة جديدة تحول فيها الاهتمام من النواحي الجمالية الخالصة إلى النواحي الإعلامية، وأصبحت مشكلات التكوين والإضاءة والنسب وغيرها من المعايير الجمالية تأتي في المرتبة الثانية بعد القيمة الإخبارية للصورة.
الصورة في وكالات الأنباء
إن معظم الصور التي تظهر في وسائل الإعلام المطبوعة تبثها وكالات الأنباء العالمية، وبعضها متخصص بالصور فقط، و يمكن اعتبار الصورة الصحافية في وكالات الأنباء المعاصرة شكلا إخباريا مساندا لجهة الدور الذي تلعبه في مساندة الأشكال الخبرية الرئيسية، بتوضيح وإبراز العناصر الخبرية المتضمنة في تلك الأشكال، وربما الكشف عن عناصر خبرية غير متضمنة فيها، بلغة الكاميرا وبالإفادة من المؤثرات التي يمتلكها التصوير كفن قائم بذاته.
وتتمتع الصور الإخبارية التي تختارها وتنتقيها وكالات الأنباء بعدة خصائص يعبر عنها الدكتور حسنين شفيق، وهي:
أ - خصائص الصور من زاوية الشكل:
ويقصد بها الخصائص التي يكون فيها الشكل في خدمة المادة الخبرية، وأبرزها:
1- الحجم المناسب:
يجب ألا تكون الصورة صغيرة جدا، وإلى الحد الذي لا يجذب الأنظار إليها، وتمر من على القارئ دون التوقف عندها، لأن صغر الحجم يجعل القارئ غير محيط بتفاصيلها، إضافة إلى أن الحجم الصغير يؤثر سلبيا على مخرجي الصحف، ما يؤدي إلى عدم إعطاء المادة الخبرية المصاحبة الأهمية المكانية المناسبة لها.
كما أن الحجم المناسب لا يعني أن تكون الصورة المصاحبة للموضوع أو التقرير لوكالة الأنباء كبيرة أو كبيرة جدا، إلى الحد الذي يمكن أن تعطي انطباعا لا يتناسب مع أهمية التقرير، أو أن تكون مزدحمة بالتفاصيل غير المهمة، أو أن تكون تفاصيلها غير واضحة.
2- الوضوح:
يجب أن تكون الصورة واضحة الشكل، بكل جوانبها وأبعادها وتفاصيلها، وهذا الوضوح يتناسب مع حجمها المعقول ودرجة أهميتها.
3- التنوع:
بمعنى أن تتنوع أحجام الصور الخبرية المصاحبة للمواد الخبرية والمساحات التي تحتلها على الصفحات، كما يمكن أن تتنوع من حيث كونها ملونة أو بالأبيض والأسود.
ب: خصائص الصور من حيث المضمون:
أي أن تتميز بما يلي :
ـ ذات صلة قوية ووثيقة بالحدث الذي وقع بكل تفاصيله وأشخاصه ونتائجه المسجلة بآلة التصوير.
ـ أن تكون بمنزلة الوثيقة الشاهدة على تأكيد صحة الخبر ووقوعه.
ـ أن تروي تفاصيلها أهم لحظات الحدث، والطريقة التي وقع بها.
ـ أن تكون مهمة لأكبر قدر من القراء.
ـ أن يكون مضمونها حديثا، أي أن تروي اللحظة الأخيرة للحدث.
ـ أن يكون مضمونها ـ من خلال ما تحتويه ـ عالق بالذاكرة لأطول فترة ممكنة، أي أن تكون مؤثرة لا تنسى مهما جد عليها.
ـ أن يقدم مضمونها ما يفاجئ القراء بأشياء غير متوقعة لديهم.
إشكاليات أخلاقية
وهذه المميزات الكثيرة للصورة الصحفية تواجه في بعض الأحيان بإشكاليات أخلاقية معقدة تستدعي وقفة دقيقة للتأمل في أبعادها، ووضع الحلول المناسبة والواضحة للتعامل معها.
فحين تتعلق الصور الصحفية بأعراض الناس، وتلاحق خصوصياتهم في كل مكان وزمان، ولاسيما المشهورين منهم، وتسعى إلى نشر أمور شخصية جدا يحرصون هم على عدم نشرها وبثها على العلن، وعدم كشفها لأي إنسان، تثار حينذاك إشكالية البعد الأخلاقي للصور الصحفية، والحدود المسموح لها بالعمل ضمنها، ومساحة الحرية التي يجب أن تتاح لها في أي مجتمع من المجتمعات ضمن الضوابط القانونية والأخلاقية.
وتثار بهذا الصدد أيضا إشكالية نشر الصور غير الأخلاقية « كصور النساء شبه العاريات، وصور الإعلانات المسيئة للمجتمع، كالتشجيع على التدخين وممارسة بعض الهوايات الخطرة جدا ...إلخ» . وثمة جدال شديد بهذا الشأن داخل المؤسسات الإعلامية وبين الجهات المعنية بالحفاظ على القيم الأخلاقية للمجتمعات حول أهمية وضرورة نشر مثل هذه الصور، والحدود الدقيقة الفاصلة بين نشرها وحظرها، مع الأخذ في الاعتبار الضوابط المسموح بها في الدول التي تنشر فيها مثل هذه الصور.
أما القضية الأخرى المثارة أيضا فهي مستقبل الصور الصحفية في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم، ومدى إمكانية منافسة هذه الصور لما تنشره وسائل الإعلام الجديدة «كالإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي» من صور متحركة مترافقة مع الصوت، أو ما يمكن إدخاله على الصور الصحفية من مؤثرات عديدة - عن طريق المعالجة الرقمية المعتمدة على الحواسيب - ربما تغير محتوياتها بالكامل أو تتلاعب فيها تلاعبا شديدا، وتؤثر في مصداقيتها، وتزيف الوقائع التي تتحدث عنها.
لاشك في أن الصور الصحفية شهدت تطورا كبيرا مع تطور العلوم والمعارف، وأن التكنولوجيا الحديثة استطاعت تحقيق ميزات عديدة للصور من حيث زيادة جودتها، وسرعة إنتاجها، وانخفاض تكاليفها، وزيادة تأثيرها، وإمكان استخدامها مرات عديدة دون أن تفقد جودتها، إلا أن مصداقية هذه الصور تبقى على المحك، وإشكالياتها الأخلاقية والقانونية تبقى مثار جدل وخلاف . ومع ذلك كله فإنه ينبغي الحفاظ على مصداقية تلك الصور حتى لا تفقد مكانتها الكبيرة في نقل المعاني التي تعجز الكلمات في كثير من الأحيان عن نقلها.

 


© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)