الكتب والأوراق البحثية تجعل المعرفة تبدو محدودة ويمكن الإلمام بها، بَيْدَ أننا باستخدام نماذج الويب غير المكتملة وغير القابلة للاكتمال، نكون أكثر توافقًا مع روح البحث، ومع العالم الذي نعيش فيه.
في السنوات الأخيرة، تزايد احتدام الجدل حول أمور تتراوح بين احتمالية وجود نيوترينوات أسرع من الضوء وفائدة إجراء فحص روتيني لسرطان البروستاتا، خارج حدود مقالات الدوريات التي تخضع لمراجعة الأقران، وتضمنت خبراء وجهلاء وبين بين. والفوضى الناتجة ليست معارضة للمعرفة؛ ففي عصر الإنترنت، هذا ما تبدو عليه المعرفة، وهو شيء يمكن الندم عليه للحظة، لكن مع قبوله والاحتفاء به بعد ذلك. فالمعرفة تعيد تشكيل نفسها سريعًا كي تتوافق مع وسيلتها الشبكية الجديدة؛ وبهذا تصبح أقرب إلى ما كانت عليه حقًّا طوال الوقت.
تشكلت فكرتنا القديمة عن المعرفة وفق نقاط قوةِ وضعفِ وسيلتها القديمة في التداول؛ أي الورق. وكلنا يدرك نقاط القوة هذه؛ فالورق رخيص، ويُظهر النصوص والرسومات، ويدوم لفترة أطول من الأقراص الصُّلبة، ولا توجد حاجة لتكنولوجيا معينة لِجعْله يعمل. ولكنَّ لكل شيء ثمنًا؛ فالورق لا يمكن تعديل حجمه أو وصله ببعضه؛ وهذا ما منح المعرفة والعلوم الشكل الذي هما عليه، وحجَّم كثيرًا مما يمكن أن يصبحا عليه.
ولقصور الورق فيما يتعلق بالحجم اتجاهان: أولهما القيود على ما يمكن نشره؛ فإذا لم يُعتبر المحتوى مهمًّا على نحوٍ كافٍ يُرفض، حتى وإن كان علمًا نافعًا. وهذا رد فعل معقول تجاه تكلفة طباعة الدوريات والمساحة التي تحتلها على الرفوف، ولكن ذلك بعيد كل البُعد عن النموذج المثالي للعلم الذي يرحب بكل البيانات والفرضيات. وبوجود أوجه القصور تلك، تظهر أنظمة لتوزيع الموارد الشحيحة. وثاني الاتجاهين أنه نادرًا ما تحتوي المقالات المطبوعة على كل البيانات التي اعتمدت عليها استنتاجاتها، ناهيك عن وجود مساحة محدودة للمراجعات الأدبية، وما يحدد المساحة المتاحة هو المقدار المتاح من الورق.
ويمكن أن نقول إن لوجه القصور الثاني تأثيرًا أكبر؛ فالأشياء المطبوعة لا يمكن وصل بعضها ببعض، وكل كتاب منفرد بذاته. والإشارات المرجعية لكتب أخرى غير مجدية، ولا تنقلك إليها مهما حاولت جاهدًا النقر عليها. وهذا يعني أنه ينبغي للمؤلف حشد كل ما يحتاجه القارئ في مجلد واحد، مع تلخيص الإشارات المرجعية للكتب الأخرى في فقرة واحدة، واستخراج العبارات من سياقها الماتع.
زِد على ذلك أن الكتب المطبوعة لا تَمُتُّ بصلة إلى المناقشات التي تجعلها جزءًا من الثقافة، بل وتصحح ما ورد بها من أخطاء. ويجب على المؤلفين التنبؤ بالاعتراضات على مؤلفاتهم؛ لأنها بمجرد نشرها لا يمكن تعديلها. وفي عصر الورق، تبدو المعرفة المدونة على هذا النحو مستقرة، أو مستقرة بما يكفي بحيث يمكن حفظها على الورق.
أدَّت أوجه القصور تلك إلى الإيقاع النمطي للأبحاث العلمية. أجرِ بحثك، وعندما تتأكد تمامًا من صحته، انشره علنًا. وحينها فقط يكون ملكك رسميًّا. وإذا نشره شخص قبلك فإنك تخسر. وما إن يُنشر علنًا، حتى يصبح من الصعب — وربما من المحرج — تغيير ولو حتى كلمة.
مع ذلك، تغلب الوسيط الجديد للعلم على وجهَي القصور كليهما. لقد بدأنا للتوِّ في اختبار قدرات هذا الوسيط الجديد، وهو يوفر اتصالًا محكمًا بما سواه، حتى إنه في حالة عدم اتصال المحتوى الرقمي بشيء، فإنه لا يُنشر من الأساس. وذلك يغيِّر فهم طبيعة المعرفة والعلوم السائد لدى الغرب على مدار 2500 سنة ماضية تغييرًا جوهريًّا؛ فقد اشتملت معرفة «س» على معرفة جوهرها ومكانها ضمن الترتيب المنطقي. وكان هذا الترتيب يتألف من مجموعة من التعريفات المتناسقة المعتمدة على الاختلافات والتشابهات الأساسية. ووفقًا لرأي لينيوس، ذلك هو السبب في قضاء تشارلز داروين سبع سنوات من أجل اكتشاف ما إذا كان البرنقيل من الرخويات أم من القشريات. وكانت نتيجة ذلك مؤلَّفًا من مجلدَين لتوضيح حقيقة واحدة؛ أنه من القشريات.
في الوقت الراهن، نحن لا نهتم بالتصنيفات بمثل هذا القدر الكبير؛ لأننا — جزئيًّا — نعلم أن أسلوب تصنيف الأشياء يعتمد على اهتماماتنا. فإن كنت تدرس تطور الكائنات البحرية، فصنِّف البرنقيل اعتمادًا على تاريخه الوراثي. وإن كنت تدرس كيفية الحفاظ على بدن السفينة مصقولًا، فصنِّف إذن البرنقيل ضمن العوامل المسببة للصدأ؛ فقد صرفنا الإنترنت على نحوٍ حاسم من الاعتقاد في معرفة الجوهر الشامل للأشياء لأنه أظهر حقيقتَين صريحتَين؛ أننا دومًا مختلفون، ولا يمكن أن نسمح لذلك بأن يوقفنا.
على سبيل المثال، في موسوعة لايف الإلكترونية (المعروفة اختصارًا ب «إي أوه إل»)، يمكنك البحث عن أي كائن حي بالاسم، والحصول على معلومات عنه ضمن أي تصنيف يضمه؛ وبهذا، يمكن لأي عالِمَين غير متفقَين أن يتعاونا لأنهما يعلمان أنهما يتحدثان عن الكائن الموجود في نفس الصفحة على موسوعة لايف الإلكترونية. وهذا مثال على «حيز الأسماء»، وهي مجالات تستخدم مجموعة من المُعرِّفات الفريدة لمحتوياتها. ويمكن وضع خريطة لهذه الأسماء لكي نستطيع العمل معًا بدون الاضطرار للتوافق. فبدونها تحدث فوضى عارمة في الأسماء والتصنيفات المتداخلة على نحوٍ غير متناسق. ولكن المخططات المختلفة تضيف معلومات ومعنًى، وما دمنا قادرين على وضعها في خريطة، فمن الأفضل عدم انتظار تسوية الخلافات بشأنها.
وهذا المنهج نفسه نراه تارةً أخرى مع تطور آخَر واعد، وهو ظهور «حزم البيانات الضخمة». فالمؤسسات تطلق سحب بيانات عملاقة وتتيحها للجميع. ولأنها ضخمة للغاية ولا يمكن معالجتها في الدماغ البشري؛ يتزايد انطلاق البيانات بصيغة البيانات المرتبطة التي أقرها تيم بيرنرز لي. وبهذه الصيغة، تتكون البيانات من «ثلاثية»: الفاعل، والمفعول، والعلاقة التي تربط بينهما.
ربما يبدو ذلك تجزئة أخرى للحقائق والمعلومات، ولكنه عكس ذلك؛ حيث إن كل عنصر في الثلاثية ينبغي أن يتضمن — على نحوٍ مثالي — رابطًا يشير إلى نقطةٍ ما على شبكة الويب. على سبيل المثال، في ثلاثية «يمتلك البرنقيل صدفًا»، فإن كلمة «البرنقيل» ربما ترتبط بمدخل على موسوعة لايف الإلكترونية، وترتبط كلمة «يمتلك» بموقع يبين كيف يمكن للكائنات أن تمتلك عناصر، وكلمة «صدفًا» ربما تشير إلى المدخل ذي الصلة على موسوعة ويكيبيديا. وهذا الأسلوب يساعد أجهزة الكمبيوتر على إدراك أن الثلاثية «ذؤابيات الأرجل من القشريات» تشير إلى نفس الشيء حيث إن الثلاثيات تسميها باسم «البرنقيل»؛ وبذلك، فإن البيانات المتصلة هي حقائق تتكون حرفيًّا من روابط. والمجموعة المتشابكة الناتجة من المؤشرات لا تشبه مطلقًا نظرتنا القديمة للحقائق كوحدات بنائية دقيقة ومحددة.
تُطلَق هذه السحب من البيانات دون التدقيق الشديد فيها. فعلى سبيل المثال، ورد على موقع الحكومة الأمريكية Data.gov أن البيانات المجمعة من الوكالات الفيدرالية هي بيانات أوَّلية. بَيْدَ أننا ربما نفضل البيانات المنظمة الدقيقة، فإن حجمها لا يُعدَّل، وإننا نفضل امتلاك الكثير من البيانات، حتى لو لم تكن منظمة إلى أقصى حدٍّ أو موثوقًا بها تمام الثقة؛ فالفوضى هي ثمن تعديل الحجم.
إضافةً إلى ذلك، بدلًا من العمل فرديًّا والنشر لمجموعة مختارة، نجد قيمة كبيرة للغاية في النشر المبكر على مواقع لا تتطلب مراجعة الأقران، والسماح لكل شخص بالإدلاء برأيه. وشهدنا ذلك عندما نشر العلماء — الذين اكتشفوا النيوترينوات التي ربما تكون أسرع من الضوء — أعمالهم على موقع arxiv.org الذي تُنشر عليه الأعمال قبل الطباعة. وانتشرت المناقشات على مواقع الإنترنت، وظهرت مشاركات الهواة والمتخصصين، وظهر الخبراء الكرماء الذين يوضحون المناقشات للأشخاص غير المتخصصين، واندمجت الرؤى والأفكار الثاقبة مع تلك التي لا طائل منها، وكل ذلك بدون مراجعة الأقران المسبقة وخارج الدوريات الاعتيادية.
وكانت نتيجة ذلك أنك إذا أردت أن تعلم أين كانت «تعيش» المعرفة حول النيوترينوات، فلن تتوجه إلى المكتبة أو للنسخ الإلكترونية من الدوريات الاعتيادية؛ فقد كانت المعرفة تعيش في شبكة المناقشات والجدالات التي لا يحكمها شيء. حدث كل ذلك على نحوٍ أسرع وأعمق مما لو كان العلم ظل في مكانه المريح على الورق. وحتى بعد تسوية الأمر، لن تعيش المعرفة في المقال النهائي، وإنما في شبكة المناقشات والجدال والشرح والخلاف. إنه لَأمر فوضوي، ولكنَّ الفوضى هي الكيفية التي تزيد بها من حجم المعرفة.
استقت المعرفة كثيرًا من خصائص الويب الأخرى؛ فهي حاليًّا في حالة ترابط لا تحدها الحدود، وغير محسومة، ولا تتوقف أو يُتفق عليها بصورة تامة أبدًا، بل يمكننا اعتبارها أكبر من أن يستطيع شخصٌ منا سبر أغوارها. ولكن، ألَا يجعل ذلك المعرفة والعلوم المعتمدة على الإنترنت تشبه — إلى حدٍّ كبيرٍ — العالم البشري الذي نعيش فيه؟