المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

أوروبا تتجسس عليك

📅 03-11-2015 09:25 ص | 👁️ المشاهدات: 349 | كتب: نيلس مويزنيكس - مفوض حقوق الإنسان في مجلس أوروبا
حينما أفصح إدوارد سنودن عن تفاصيل برنامج الولايات المتحدة الضخم للمراقبة قبل عامين ماضيين، ظن الكثيرون في أوروبا أن رد الفعل لن يتمثل إلا في مزيد من الشفافية وإجراءات أقوى للرقابة على الأجهزة الأمنية. غير أن الدول الأوروبية،
على الرغم من كل شيء، تتحرك في الاتجاه المعاكس. فبدلا من مزيد
من التدقيق العام، لا نلقى إلا المزيد من التطفل.
اندفاعا منها للرد على الهجمات المروعة التي طالت باريس وكوبنهاغن إلى جانب
التهديدات التي يشكلها تنظيم داعش الإرهابي على الأمن الداخلي الأوروبي،
تعمل الكثير من الدول على تعديل تشريعات مكافحة الإرهاب الخاصة بها، حتى
تتيح المزيد من صلاحيات التدخل لصالح أجهزة الأمن، وخصوصا فيما يتعلق
بالمراقبة الإلكترونية الجماعية.
ولقد مرَّرت فرنسا، في هذا الصدد، قانونا مثيرا للكثير من الجدل، ذلك الذي
يسمح بالتدخلات الكبرى، دون أذون قضائية مسبقة، إلى الحياة الشخصية للمشتبه
فيهم، وأولئك الذين على تواصل معهم، أو القاطنين أو العاملين في نفس
المكان، أو حتى الذين تقتضي المصادفة وجودهم على مقربة منهم.
كما مرر البرلمان الألماني قانونا جديدا للاحتفاظ بالبيانات بتاريخ 16
أكتوبر (تشرين الأول)، ذلك الذي يلزم مشغلي خدمات الاتصالات ومزودي خدمات
الإنترنت بالاحتفاظ ببيانات الاتصال حتى فترة أقصاها عشرة أسابيع. وتعتزم
الحكومة البريطانية زيادة الصلاحيات الممنوحة للسلطات لتنفيذ مهام المراقبة
الجماعية، والجمع العشوائي العام للبيانات المعترضة.
في الأثناء ذاتها، تعتزم الحكومة النمساوية مناقشة مشروع قانون يسمح لجهاز
الأمن الجديد بالعمل من خلال السيطرة الخارجية المقلصة، وجمع وتخزين بيانات
الاتصالات لفترة تبلغ ست سنوات. وتنظر الحكومة الهولندية كذلك في تشريعات
تتيح المراقبة العامة لكافة الاتصالات، والجمع غير المميز للبيانات
الوصفية، وفك تشفير، واقتحام حواسيب غير المشتبه بهم. وفي فنلندا، تعتزم
الحكومة هناك النظر في تغيير دستور البلاد بهدف إضعاف تشريعات حماية
الخصوصية، حتى يتسنى تمرير قانون يمنح المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية
والاستخبارات صلاحيات تنفيذ المراقبة الإلكترونية الجماعية، مع قليل من
الإشراف الحكومي.
تدفع الحكومات في الوقت الحالي بأن الهدف من وراء تلك الإجراءات هو ضمان
الأمن عن طريق التضحية ببعض الحقوق العامة. وإنها لحجة خادعة من جانبهم.
فبالتحول من المراقبة المميزة إلى المراقبة الجماعية غير المميزة، تخاطر
الحكومات الأوروبية بتقويض دعائم الديمقراطية في الوقت الذي تدعي فيه حمايتها.
كما أنهم يخونون كذلك تقليدا سياسيا وقضائيا طويل الأجل يقضي بكفالة حماية
واسعة النطاق للخصوصية داخل أوروبا، التي تطورت فيها النظم القانونية
الديمقراطية لحماية الأفراد من التدخل التعسفي من قبل الدولة في حياتهم
الخاصة والعائلية. ولقد أيدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ومنذ فترة
طويلة، مبدأ أن المراقبة تتعارض تماما مع الحق في الخصوصية. على الرغم من
أن نفس المحكمة تقبل أن استخدام المعلومات السرية يعتبر ضروريا في محاربة
التهديدات الإرهابية، ولقد أيدت أن جمع، واستخدام، وتخزين مثل تلك
المعلومات، ينبغي أن يُسمح به فقط وفقا لظروف استثنائية ومحددة فقط، ويتعين
أن تصاحبه ضمانات قانونية وافية، وإشراف قضائي مستقل. وكانت المحكمة قد
طبقت وباستمرار هذا المبدأ ولعدة عقود، حينما رُفعت إليها مسألة الحكم على
سلوكيات الكثير من الدول الأوروبية في هذا الشأن، والتي كانت تكافح نشاط
الجماعات الإرهابية المحلية.
في الآونة الأخيرة، ومع التقنيات الحديثة التي تتيح المزيد من السبل لزيادة
عمليات المراقبة وجمع البيانات، أعادت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان
الإعلان عن موقفها السابق في عدد من القضايا البارزة ضد الكثير من الدول،
ومن بينها فرنسا، ورومانيا، وروسيا، وبريطانيا، وأدانت انتهاكها للحق في
الحياة الخاصة والحياة العائلية، الذي، من واقع تفسير المحكمة، يغطي أيضا
«السلامة الجسدية والنفسية للمواطن».
خلال العام الماضي، وضعت محكمة العدل الأوروبية قيودا على الاحتفاظ ببيانات
الاتصالات. ومن خلال إبطال قرار الاتحاد الأوروبي لعدم ضرورية «التعارض
واسع النطاق والخطير بشكل خاص، مع الحق الأساسي لاحترام الحياة الخاصة»
والبيانات الشخصية، فإن تلك المحكمة شددت على الموضع المميز الذي تحتله
الخصوصية في أوروبا. ويعكس ذلك الحكم قرار صادر عن المحكمة الدستورية
الألمانية في عام 2006 يقضي بأن الشرطة الألمانية قد انتهكت حق الفرد في
تقرير المصير والكرامة الإنسانية بعد تنفيذها لبحث حوسبي لبعض الإرهابيين
المشتبه فيهم.
بكل أسف، غالبا ما يتم تجاهل تلك الأحكام من قبل صناع القرار السياسي
الرئيسيين. تفشل الكثير من سياسات المراقبة المعتمدة في الآونة الأخيرة
داخل أوروبا في الالتزام بتلك المعايير القانونية. والأسوأ من ذلك، أن
الكثير من تدابير التدخل الأمنية يجري تطبيقها من دون أي مراجعات قضائية
مسبقة تؤسس لمشروعيتها، أو تناسبها مع الأحداث الجارية، أو ضروريتها
الراهنة. مما يمنح الحكومات قدرا من القوة المفرطة ويخلق خطرا واضحا
للتطبيق التعسفي للقوانين وسوء المعاملة.
إذا لم تلتزم الحكومات والبرلمانات الأوروبية باحترام تلك المبادئ الأساسية
والالتزامات القضائية، فإن حياتنا الشخصية سوف تفقد الكثير من خصوصياتها.
كما تتهدد تبعا لذلك قدرتنا على المشاركة الفعلية في الحياة العامة كذلك،
بسبب أن تلك التدابير تعمد إلى تقليص حريات التعبير وحقنا في الحصول على
المعلومات - بما في ذلك المصلحة العامة. لا يتمتع كافة المخبرين والمبلغين
بذات المعرفة التقنية التي يتمتع بها السيد سنودن. والكثير منهم يخشى الكشف
عن شخصيته إذا ما تواصلوا مع الصحافيين، والذين بدورهم سوف يفقدون مصادر
قيمة للغاية للمعلومات، مما يهدد بالتالي قدرتهم على كشف السلوكيات غير
القانونية في المحيطين العام والخاص. إن الكشف عن فضائح الفساد لا يمكن أن
يحدث إذا لم يشعر المبلغ بالأمان والحماية. من الضروري للدول الأوروبية
التوقف، والاعتراف بالأضرار التي تسببوا فيها حتى الآن. وينبغي، على أدنى
تقدير، توفير ثلاث ضمانات أساسية.
أولا، ينبغي على التشريعات الحد من المراقبة واستخدام البيانات بطريقة
تحترم وبشدة الحق في الخصوصية على النحو المنصوص عليه في الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومعايير
حماية البيانات الأوروبية، والسوابق القضائية الخاصة بالمحكمة الأوروبية
لحقوق الإنسان، والخاصة كذلك بمحكمة العدل الأوروبية. تلزم تلك القواعد
الدول باحترام حقوق الإنسان عند جمع وتخزين المعلومات ذات الصلة بحياتنا
الخاصة، وحماية الأفراد من المراقبة الأمنية غير المشروعة، بما في ذلك تلك
التي تنفذها الوكالات الأمنية الأجنبية.
ثانيا، لا بد من وجود إجراءات صارمة تتعلق بفحص، واستخدام، وتخزين كافة
البيانات المتحصل عليها، وتلك الخاضعة للمراقبة ينبغي أن يتاح لأصحابها
الفرصة لممارسة حقوقهم القانونية في الطعن.
ثالثا، يتعين على الأجهزة الأمنية العمل وفقا للتدقيق المستقل والإشراف
القضائي. ويتطلب ذلك سلطات الإشراف التدخلية من قبل البرلمانات والهيئاتالقضائية الضالعة في عملية صنع القرار لضمان المساءلة.
أما الدول التي تبنت قوانين للمراقبة الأمنية المثيرة للجدل، ينبغي عليها إعادة النظر في تلك
القوانين، أو العمل على تعديلها. وبالنسبة للدول التي تنظر حاليا في تمرير
تشريعات جديدة للمراقبة، ينبغي عليها تنفيذ ذلك بكثير من الحذر والتأني.
يعد الإرهاب من التهديدات الحقيقية والفعلية، وهو يتطلب استجابة فعالة
ومؤثرة. ولكن تبني تدابير المراقبة التي تقوض من حقوق الإنسان وسيادة
القانون ليس الحل لتلك المشكلة بأي حال.
* مفوض حقوق الإنسان
في مجلس أوروبا
* خدمة: «نيويورك تايمز»

© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)