المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

إرث «العنقود الكبير»

📅 07-02-2016 12:21 م | 👁️ المشاهدات: 71 | كتب: الحياة
يُعرف عن «داعش» أنّه انشقّ عقائديّاً عن «القاعدة»، محتفظاً بشكلها التنظيمي واللوجستي والعملاني، المستند إلى كونه «شبكة» أصلاً، بمعنى أن لا مركز فعليّاً له، بل إن منصب «الخليفة» يكاد يقتصر على بعده العقائدي ورمزية القيادة، لا كونه مركزاً للعمل في صورة تشبه غرفة العمليات المركزية في الجيوش التقليدية.
واستطراداً، يصف البعض تركيبة «داعش» بأنها مستقاة من التركيب العنقودي المعروف تماماً لدى المتمرسين بحروب العصابات، منذ التجربة الواسعة لقوات الـ «فيتكونغ» في فيتنام الشماليّة، ضد الجيش الأميركي، إبان الحرب الباردة. وكذلك، تردّد الكتيبات والمنشورات المأثورة عن «القاعدة»، ذلك التركيب العنقودي الذي لا ينفرط إذا ضُرِب مركزه ولا ينكشف إذا اقتطع جزء (بل حتى أجزاء) من العنقود الكبير. 9/11 أولاً تاريخيّاً، عُرِفَت حرب العصابات بأنها «الخيار المفضل» في المواجهة بين جيوش نظامية وازنة ومهيمنة من جهة، وبين قوى أضأل حجماً منها بكثير. وتقدم حرب العصابات نموذجاً لما بات يعرف باسم «الصراعات غير المتكافئة» (أو «غير المتناظرة»). وفي مثل مؤلم، من المستطاع القول أن تنظيم «القاعدة» تمكّن من ممارسة «صراع غير متكافئ» مع أميركا في 11/9، عندما وجّه ضربة استراتيجيّة إلى واشنطن، يرجح أنه من غير الممكن تسديدها بالطرق التي تستخدمها الجيوش النظاميّة. وعلى رغم أن الجيوش تخوض معارك غير متكافئة أحياناً، إلا أن صفة «الصراع غير المتناظر»، لا تنطبق عليها، ببساطة لأن تركيبة الجيوش النظاميّة متشابهة أساساً، مهما بلغ التفاوت في القوّة بينها. ويعني ذلك أن صفة الـ «لا تناظر» تستعمل لوصف تفاوت أساسي في التركيب بين الجيش النظامي من جهة، وقوات صغيرة تعمل ضدّه على شكل عصابات من جهة ثانية، حتى لو سيطرت على أراض بطريقة تجعلها قريبة شكليّاً من هيئة الجيش النظامي. عودة إلى كيسنجر في عصر الإنترنت، أعطت الشبكات أداة تفوق الوصف للحروب بين القوى المتفاوتة في تركيبتها وسطوتها وقوتها وتسليحها. فمهما بلغ أمر التفاوت، تمكِّن الإنترنت حتى القوى الأشد ضآلة من الصراع ضد قوى ربما تكون فائقة الضخامة وهائلة الحول. وضمن سجلّ مديد، استطاعت «داعش» المقيمة في تخلّف الشرق الأوسط المنهار، تسديد ضربات إلى مواقع يفترض أنها أساسيّة في الولايات المتحدة الهائلة الحول، كبريد البنتاغون ومواقع الـ «سي آي إيه» والصفحات الاجتماعيّة للـ «مارينز» وغيرها. في المقابل، يجب التشديد على وجه آخر لذلك الأمر: لم تستطع «داعش» التأثير على الولايات المتحدة ونُظُمها في الاتصالات، بل لم تسدّد ضربة مؤثّرة فعليّاً لأي من دول منطقة الشرق الأوسط. إذن، لماذا يثور قلق من نشاط «داعش» و «القاعدة» و «النصرة»، على رغم كونه غير مؤثر بالنسبة إلى القوى التي تحاول مواجهتها، خصوصاً في الغرب؟ يصل السؤال بالنقاش إلى نقطة محوريّة وبديهيّة أيضاً، وهي أن الجيوش النظامية لا تحقق الانتصار في الصراعات غير المتناظرة إلا إذا كان انتصارها كاملاً وساحقاً، بمعنى القضاء على عدوها «العنقودي» أو «الشبكي»، بصورة كليّة. وفي المقابل، لا تنهزم القوى الأضأل في الصراعات غير المتناظرة طالما أنها تستطيع الاستمرار. واختصر هنري كيسنجر تلك المعادلة بجملة شهيرة: «الجيوش النظامية تنهزم إذا لم تنتصر كليّاً، وقوى حرب العصابات تنتصر إذا لم تنهزم كليّاً». ويعني ذلك أن الصراع اللامتناظر بين «داعش» و «القاعدة» من جهة، والتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن من جهة ثانية، يحتاج إلى نقاشات من نوع آخر.

© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)