13-1-2011
كما استثمرت الدولة بشكل كبير في هذا الصراع السياسي الحديث، حيث أقر مجلس الشورى الإيراني مبلغ 500 مليون دولار من أجل تفعيل حرب إلكترونية شاملة ضد المعارضة بعد أن استوعبت ـ متأخر
كما استثمرت الدولة بشكل كبير في هذا الصراع السياسي الحديث، حيث أقر مجلس الشورى الإيراني مبلغ 500 مليون دولار من أجل تفعيل حرب إلكترونية شاملة ضد المعارضة بعد أن استوعبت ـ متأخرة ـ أهمية هذه الوسيلة: عدد لا يحصى من المقالات الصحفية ضد الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي واتهامه باعتناق الفكر "الماسوني"، وظهور جماعات جديدة على الشبكة المعلوماتية العالمية، مثل "لجنة الباسيج الإلكترونية"، تتباهى بأنها شكلت نحو 1500 من المدونين يعملون على الجبهة القتالية "الافتراضية".. قد تشهد سنة 2011م ـ ربما ـ تلك التغيرات المرجوة في المنطقة على الأقل، حيث يعتقد الإستراتيجيون الأمريكيون أن أي صراع مفتوح مع النظام الإيراني الحالي، أو حتى أي هجوم عسكري جوي، سيكون مفعوله عكسي، وقد يعيد اللحمة من جديد لغالبية السكان المعارضين في الأصل للسلطة. وقدموا أيضا ملاحظة أن هذا البلد قد ضعف اقتصاديا وسياسيا، بسبب الحصار الاقتصادي الخانق، لا يستطيع الدفاع عن نفسه ضد حزمة من المضايقات الطويلة المدى. وقد اختار الرئيس الأمريكي باراك أوباما "حالة من الحرب الافتراضية" من خلال الشبكة المعلوماتية العالمية، وأيضا استثمار حركة المعارضة الإيرانية النشطة في الشارع. ويبدو أن هذه الإستراتيجية بدأت تعطي مفعولها على الساحة السياسية. وهذا النوع من المضايقات هو الذي دفع بالزعيم الليبي معمر القذافي على التخلي عن سياسته خاصة في المجال العسكري (الصاروخي والنووي)، ودفعت أيضا بالرئيس الراحل صدام حسين إلى التفكير جديا - في وقته - للتداعيات التي قد تلحقه شخصيا (قبل ادعاء الأمريكيين أكذوبة أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن موجودة أصلا)، قد يكون لها آثار ما في العام المقبل على أقصى حد، كما ترى ذلك أكثر من جهة سياسية مطلعة. وحسب الصحيفة الإيرانية في المنفى IranEmrooz، فإن النظام في الواقع يواجه صعوبات فعلية في برنامجه الخاص بالصواريخ والملف النووي، وعزلة متزايدة على الصعيد الدولي. وهذا ما يدفعه اليوم للجلوس على طاولة المفاوضات مع الدول الغربية رغما عنه. بعد الانتخابات الرئاسية في العام 2009م، وما تخللها من موجات قمع عنيفة للتظاهرات الشعبية ضد إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد، اكتسب الإنترنت والوسائط المتعددة والأدوات التكنولوجية الحديثة أهمية قصوى في انتفاضة الشارع الإيراني وظهور المعارضة، التي سمحت لها بالتعبير الحر عن غضبها ورفضها فرض الأمر الواقع عليها. ومع ذلك، اعتبر استخدام هذه التكنولوجيات الحديثة، سلاحا ذا حدين: ففي حين أنها توفر إمكانية للمعارضة الإيرانية أن يكون لها صوت حر تعبر من خلاله عن أفكارها ووسيلة لتعبئة أنصارها، فهي في الوقت نفسه، تسمح للحكومة برصد تحركاتها وتعقب مسؤوليها واعتقالهم في الوقت المناسب. وخلال حملة القمع التي تلت الانتخابات الرئاسية، تم مصادرة أجهزة الكمبيوتر الشخصية للناشطين المعتقلين. واستخدمت المحاكم الثورية في وقت لاحق "الأدلة" التي جمعتها من أجهزة الكمبيوتر المصادرة لإدانتهم بأحكام ثقيلة بالسجن بتهمة "التحريض على الحرب ضد الله" و"ازدراء الثورة الإسلامية"!. وقد صرح محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري [وهو جيش مواز للنظام]، أن إيران تواجه "حالة حرب افتراضية" أكثر خطورة من المواجهة العسكرية. أما بالنسبة للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله خامنئي، فإنه دعا "الجنود الصغار" في الجيش الإيراني لمحاربة أولئك الذين "ينشرون الشائعات والأكاذيب، ويزرعون الشك والانقسام داخل الأمة". كما استثمرت الدولة بشكل كبير في هذا الصراع السياسي الحديث، حيث أقر مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) مبلغ 500 مليون دولار [378 مليون يورو] من أجل تفعيل حرب إلكترونية شاملة ضد المعارضة بعد أن استوعبت ـ متأخرة ـ أهمية هذه الوسيلة: عدد لا يحصى من المقالات الصحفية ضد الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي واتهامه باعتناق الفكر "الماسوني"، وظهور جماعات جديدة على الشبكة المعلوماتية العالمية مثل "لجنة الباسيج الإلكترونية" (Basij cyber committee) [والباسيج من ميليشيات النظام الإيراني] تتباهى بأنها شكلت نحو 1500 من المدونين يعملون على الجبهة القتالية "الافتراضية". هذه الحرب على الانترنت أخذت في بعض الأحيان أشكالا سخيفة: مثلا، ما جاء في وكالة فارس للأخبار، أن مقالا نشر في موقع الفضائية (فرنسا 24) حول خطاب أحمدي نجاد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر سبتمبر 2010م رصد الآلاف من التعليقات!!. وفي الحقيقة، الرقم الذي قدمه موقع (فرنسا 24)، هو في الواقع 31 تعليقا فقط. وفي الإطار ذاته، فإن بروز عدد متزايد من وكالات الأنباء الإيرانية المجهزة بتجهيزات متطورة، والممولة بسخاء كبير، عملت على إضفاء صورة ورؤية مغايرة لما كان متداولا في وسائل الإعلام العالمية عن إيران والمسؤولين فيها، فهم يروجون أن إيران أمة قوية ضحية مؤامرات يثيرها ألد أعدائها (بعض وسائل الإعلام ذهبت إلى حد الإدعاء أن إنقاذ عمال المناجم في تشيلي، منتصف أكتوبر 2010م، ما هي إلا مؤامرة صهيونية ألقت بظلالها للتشويش على الزيارة الناجحة التي قام بها محمود أحمدي نجاد إلى لبنان). ومن عادة النظام الإيراني الإلقاء باللوم إلى جهات خارجية بخصوص مشاكله الداخلية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل، أو إلى قوى محلية معادية للثورة وفي خدمة المصالح الأجنبية. وقد أشار موقع Jahan News، المقرب من الحرس الثوري الإيراني، إلى حادثة توزيع مناشير تنتقد بشدة قرار النظام بإلغاء الدعم عن الطاقة في مدن المحافظات. وهناك هدف آخر للحكومة تسعى إليه لإسكات صوت المعارضة، ويتمثل في مطاردة صحيفة "كلمة"، التي أطلقت أسابيع قليلة قبل الانتخابات الرئاسية السابقة في عام 2009م من طرف المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي، وتم حظرها بعد ذلك بسرعة البرق، غير أنها اليوم مازالت تصدر عبر الانترنت في صفحتين قابلتين للطبع من أجل توزيعها على نطاق واسع بين صفوف المعارضة. وكان ممثل عن وزارة التربية والتعليم، علي اصغر يزداني، قد أعلن عن قلقه إزاء وجود هذه المناشير في الثانويات. في العدد الأخير من الصحيفة "كلمة"، وصف موسوي الطلبة بـ"حراس الأمة اليقظين". وأوضح أن "الرعب الذي يخنق حرية المعلومات وتنقلها، ما هو إلا مجرد إشارة إلى أن الحكومة الإيرانية ترى في كل إيراني شريكا في "مؤامرة لتدميرها" والقضاء عليها، وأن هذا "الهوس" قد يؤدي في الأخير إلى سقوطها، وهذا حسب زعمه. وتجمع بعض التحليلات السياسية "المتابعة" للشأن الإيراني، أن هذه الحالة أماطت اللثام عن أمرين أساسيين: أولا، المجالات التي يمكن من خلالها مناقشة مستقبل إيران، سواء كان فضاء الإنترنت أو وسيلة المناشير، وهما أداتان ذات حدين قاطعين. ثانيا، إيران هي الدولة الوحيدة في المنطقة، فإن المعارض في مواجهة الفساد والطغيان والحكم الجائر، لا يملك "القدرة" أو"الشجاعة" لاتهام نظامه بأنه مدعوم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية [على عكس الخليج ومصر، إلخ...]. والخلاصة: إذا كان هناك حقيقة سياسية كبيرة في إيران اليوم، هو أن أطفال الثورة الإسلامية 1979م، وعبر نضالهم السلمي، يطلبون من كبارهم تحمل المسؤولية عن أخطائهم مثل نجاحاتهم.