المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

«مؤتمر مؤسّسة قطر للبحوث» يعتبر الابتكار العلمي نفطاً مستداماً

📅 17-04-2016 09:47 ص | 👁️ المشاهدات: 824 | كتب: الحياة احمد مغربي
عندما يطوي الليل عيوناً كانت تراقب على الشاشات التفجيرات الإرهابيّة في مطار «بروكسيل» (بلجيكا) أواخر آذار (مارس) 2016

عندما يطوي الليل عيوناً كانت تراقب على الشاشات التفجيرات الإرهابيّة في مطار «بروكسيل» (بلجيكا) أواخر آذار (مارس) 2016، يبدو استهلال الصباح بمؤتمر علمي في عاصمة في الخليج العربي، أمراً محمّلاً بالدلالات الخاصة. وفي صباح ربيعي مال إلى برودة ربيعيّة غير تقليدية، بدا «مؤتمر مؤسّسة قطر السنوي للبحوث» (الاسم المختصر هو «آرك 16» ARC 16 من الحروف الأولى لعبارة Annual Research Conference 16) كأنه يرسم صورة مغايرة كليّاً لشعوب المنطقة.

ويحضر في البال أن ذلك الإرهاب يضرب العرب مرتين كلما وجه ضربة إلى الغرب: واحدة إلى صورتها عن نفسها وتراثها ودينها، والأخرى إلى تلك الصورة ذاتها في مخيّلات شعوب الكرة الأرضيّة. وعندما يضرب الإرهاب ذاته في المنطقة العربيّة، تتضاعف المأساة وتنبعث مآسٍ شتى، من بينها أنه إرهاب يضرب العرب ودياناتهم ومكوّناتهم وشعوبهم، قبل غيرهم.

ومع اقتراب الحافلة الصغيرة من مبنى «مركز قطر الوطني للمؤتمرات» ببنيانه الضخم، تنداح في الذاكرة أصداء اهتمام رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، ببناء مركز متميّز للمؤتمرات كي يعيد وصل بيروت بما انقطع مع دورها جسراً بين العرب والغرب. ألم يكن اغتياله صرخة تحذير من انفلات إرهاب ما زالت حلقاته تتواصل، ومآسيه تتشابك على امتداد بلدان عربيّة كثيرة؟

 

الخوارزمي والكومبيوتر

في أرجاء قاعة المسرح الرئيسي لمبنى «مركز قطر الوطني للمؤتمرات» كانت هناك علاقة اخرى مع الغرب، ربما تذكّر بما كانته في زمن «مكتبة بغداد» حين كان دأب العرب هو اغتراف علوم الغرب خصوصاً اليونان، والشرق ايضاً، كالهند وعلوم للشعوب العربيّة في زمن ما قبل الإسلام، على غرار كتاب «إفلاح الأرض وإصلاح الزرع والشجر والثمار ودفع الآفات عنها» الذي اشتهر باسم «الفِلاحَة النَبْطيّة» وترجمه ابن وحشيّة من السريانيّة إلى العربيّة في القرن الثامن الميلادي. وصار «الفِلاحَة النَبْطيّة» مرجعاً أساسيّاً في الزراعة لعلماء المسلمين كلهم. وفي ظل ذلك التفاعل، ابتكر العرب الصفر، وأسّسوا علم الخوارزميّات وجداولها في الرياضيّات، ضمن أشياء كثيرة اخرى.

وامتلأت قاعة مسرح «مركز قطر الوطني للمؤتمرات» بعرب وصلوا إلى مرحلة أن يكونوا علماء فعليّاً في المراكز العلميّة المتألقة للغرب، بعضهم عاد إلى المنطقة، وكثيرمنهم مازال يذهب ويجيء ليصنع جسراً علميّاً بين العرب والغرب. وشكّل علماء الكومبيوتر قسماً وازناً من أولئك العلماء، فبدا المؤتمر كأنه يعيد التقاط خيط التفاعل الإيجابي للعرب مع علوم الغرب وحضارته. إذ يعتمد الكومبيوتر على لغة ثنائيّة في الرياضيّات قوامها الرقمان صفر وواحد، ما يعطي اكتشاف العرب للصفر معنى المساهمة في المسار الحضاري التراكمي الذي ساهمت فيه أمم كثيرة، وصولاً إلى الكومبيوتر، وهو أيضاً حجر أبيض آخر في مسار مفتوح على المستقبل.

وفي أجواء حضور علماء العرب في علوم الكومبيوتر، تبرز مساهمة العرب المنفتحة على الحضارة البشرية، من صورة عالم الرياضيات الشهير محمد الخوارزمي، الذي يعطي اسمه للجداول الرقمية (تسمّى لحد الآن «خوارزميّات» Algorithms) التي يستند إليها عمل الحاسوب.

 

خيط المرارة والأمل

تلقى مؤتمر «آرك 16» ما يزيد على 1300 ملخّص بحثيّ، شكّلت المساهمات الدوليّة 36 في المئة منها. وترافق مع معرض للملصقات البحثية انتشرت على قرابة 600 لوحة عرض.

وفي افتتاح المؤتمر، برز على منصة النقاش العالِم الأميركي - الجزائري إلياس زرهوني، الذي غادر الجزائر طبيباً، وبتفاعله مع علوم الغرب صار عالماً بارزاً كرّمه البيت الأبيض بعد أن أدار بكفاءة «معاهد الصحة الوطنيّة (الأميركيّة)» التي تعتبر من أبرز مراجع بحوث الطب والبيولوجيا. وجال زرهوني أيضاً في الدول العربيّة بوصفه ممثلاً علميّاً للرئيس باراك أوباما، فلمس تخلّف النظام التعليمي العربي قياساً بثورة العلوم المعاصرة. واستمر زرهوني في أداء دوره كرابط تفاعلي مع الغرب عبر زياراته المتكرّرة للعالم العربي وتفاعله مع المؤسّسات العلميّة والتعليميّة فيها، خصوصاً عبر تقديم نظرته النقديّة الثاقبة لوضع العرب علميّاً.

وفي «آرك - 16»، أشار الزرهوني الذي اضطر إلى مغادرة جلسة الافتتاح مبكراً، إلى أن نسبة المشتغلين بالبحوث المتقدّمة في مجتمع ما هي مؤشّر لا يقل أهمية عن نسبة الإنفاق على العلوم من إجمالي الناتج القومي. وبمرارة، لاحظ الزرهوني أن العرب يتأخرون في المؤشّرين. إذ تصل النسبة الثانية في الدول المتقدّمة إلى قرابة 2.5 في المئة، فيما الأولى ترتفع إلى ما يتراوح بين 10 و20 لكل مئة ألف نسمة، مشيراً إلى أن إسرائيل تسجّل 16 باحثاً متقدّماً لكل مئة ألف نسمة، وهي من أعلى النسب في الشرق الأوسط. ووفق الزرهوني، ما زالت تلك الأرقام متدنيّة تماماً في معظم الدول العربيّة، على رغم تمتّعها بمداخيل وافرة وبعدد مرتفع من العقول التي تحوز قدرات كامنة (وغير متحقّقة) في البحث العلمي المتقدّم.

 

لسان نسوي لربط التنمية بالتقدم علميّاً

ثمة خيط يربط ذلك التفاعل كله مع وقائع الحاضر العربي المتمرد على مصادرة الإرهاب اسمه وصورته، ظهر في كلمة الشيخة موزا بنت ناصر، في الجلسة الافتتاحية لـ «آرك 16». وفي نبرة لم تكن مألوفة خليجيّاً قبل سنوات قليلة، أصرّت على ربط تقدّم المجتمع باستناده إلى العلوم والمعارف في اقــتـصاده وتنميتــه. لم يكن بعضهم يقبل ذلك قبــل سنوات ليست كثيرة، بل يصر على أن الغرب مستند إلى المعرفــة منـذ الثـورة الصناعيّة، ما يعني أن ربط الاقـــتــصاد بالعلوم هو نموذج غربي حصرياً.

وخرجت الشيخة موزا بنت ناصر عن تلك النظرة كليّاً. وقدّمت نظرة إلى العلاقة مع الغرب، تستند أساساً إلى الاستفادة من تجربة الأخير في جعل العلوم والمعرفة الركن المكين الذي يرتكز إليه تقدّم المجتمع في الاقتصاد والتنمية. ويعني ذلك ضمناً رفض التفكير بأن استناد المجتمعات في الاقتصاد والتنمية، إلى العلوم والمعارف يمثّل مجرد نموذج يختص به الغرب وحده. وشدّدت على أن ترسيخ العلم والمعرفة في المجتمعات العربيّة وجعلها أساساً لاقتصادها، هو المدخل إلى تنمية مستدامة تستند إلى «ثروة العلم التي تتجدّد ولا تنضب»، وفق كلماتها أيضاً التي تذكّر أيضاً بالرؤية المتقدّمة التي تعطيها المرأة العربيّة لمستقبل الشعوب والمجتمعات.

للمزيد عن تفاصيل المؤتمر، يمكن مراجعة الموقع الشبكي qf-arc.org.

© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)