المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

روايات غرائبية عن أجسام فضائية ... تشغل وكالات الفضاء والأمن القومي

📅 21-04-2016 09:42 ص | 👁️ المشاهدات: 641 | كتب: آرنو إيكيرّ
منذ السبعينات، يجمع قسم صغير في المركز الوطني للدراسات الفضائية (الفرنسي) إفادات أشخاص يقولون إنهم رأوا أشياء غامضة في السماء.

منذ السبعينات، يجمع قسم صغير في المركز الوطني للدراسات الفضائية (الفرنسي) إفادات أشخاص يقولون إنهم رأوا أشياء غامضة في السماء. ويتولى عشرون باحثاً ومتقصياً في فرنسا فك لغز هذه الظواهر الغامضة التي قد تشملها تحقيقات الشرطة كذلك. ولكن الدراسات الاجتماعية السوسيولوجية والإناسية لم تتناول الروايات عن حوادث «فضائية» ولم تقف عندها. وأنا استخرجت البنى المشتركة بين 1500 إفادة جُمعت بين 1952 و2012، وسعيتُ إلى استخلاص السمات الجامعة بين هذا «النوع» من الروايات الفضائية - أي ما يدور خارج مدار الأرض. واستوحيت في عملي هذا أعمال لوك بولتانسكي عن الروايات البوليسية وروايات الجاسوسية.

ولكن من أين لأشخاص لا تربطهم صلة ولا يعيشون في مكان واحد وتفصل أحياناً بين شهاداتهم عقود من الزمن أن يرووا روايات متشابهة البنية ومتماثلة؟ وهذه الروايات جمعت منذ منتصف القرن العشرين. ولا رواية أصلية أو نسخة أم عن الروايات الفضائية لتتحدر منها الشهادات الأخرى وكأنها رحم تتناسل منه روايات مستقرة الشكل. وقد يحسب المرء أن تشابه الشهادات والإفادات مرده إلى رؤية الشيء ذاته: الصحن الطائر. ولكن وصف الظاهرة بالغ التنوع: شكل، ضوء أو اثنين في آن واحد، أحمر، أو أبيض أو أخضر، أشكال مثلثة، سيجار، أو إسطوانات أو مربعات. والمشترك بين شطر راجح من الروايات أو السرديات هو بنيتها: موجزة ومتسلسلة زمنياً، وتبدأ بوصف حال روتينية أو سائرة. فالشاهد ينظر إلى السماء، ويرى ما لا يلفت الانتباه أو السمع، وفجأة يختفي هذا الشيء من حقله البصري. وتُختم الرواية بإلاعلان عن جدية الراوي فيقول مثلاً: «أنا معافى النفس وسليم العقل»، أو «لا أشرب»، أو «لا أؤمن بوجود الكائنات الفضائية». ويطلب الرواة أو الشهود من قوى الأمن أو الباحثين في المركز الوطني للدراسات الفضائية تفسير ما وقعت عليه أعينهم. وعلى خلاف الدراسات الإناسية (الإنتروبولوجية) التي درجت على تناول روايات الظهور، سواء كان ظهور الأشباح أو الظهور الماورائي، ذروة روايات الحوادث الفضائية هو اختفاء الشيء وليس ظهوره. ولو بقي مرئياً، لفهم الناظر إليه ماهيته.

وليس الجامع بين الروايات ما يُرى بل طريقة السرد والرواية. وفي وقت عبارة صحن طائر متداولة ويقصد بها وصف الأشياء الطائرة الغامضة، يتساءل المرء عما حدا بالوكالة الفضائية إلى الانشغال طوال سنوات بروايات المزارعين عن آثار غريبة في أرضهم - غالباً ما تكون على شكل دوائر أو إسطوانات في الحقول. فهذه الآثار بعيدة من السماء ولا صلة لها بها. ويشذّ عن البنية السردية المشتركة رواية ما لم يختبره المرء: إشاعة اختطاف صحون طائرة رجلاً في جوار سيرجي - بونتواز في 1979. فمن روى ما لم يختبره يتوسل بأساليب روائية أدبية: «الفلاش باك» (العودة إلى زمن الحادثة السابق) أو مؤثرات استباقية ومؤثرات تشويق. وتفاصيل هذه الروايات الأدبية لا تدور على لغز، ويفترض بها أن ترجّح صدقية المرويّ.

وغالباً ما تجمع الروايات أو السرديات الفضائية في خانة روايات الخيال العلمي مثل روايات جول فيرن. ولكنني عدت إلى هذه الروايات ولم أجد وجه شبه بينها، ولم أقع فيها على اللغز الذي هو نواة شهادات - سرديات دراستي. ففي الخيال العلمي، يسود التشويق والإثارة - وسؤال: ماذا يريد الفضائيون؟ - وموازين قوى. وعلى خلاف روايات الخيال العلمي، يغلب على السرديات «الفضائية» الشك في ما تراه العين. وهذا التردّد هو سمة الغرائبي، وفق تعريف تزيفتان تودوروف. فالرواية الغرائبية تدور على شك لا يتبدد. ولذا، في الإمكان جمع روايات الحوادث الفضائية إلى قصص الأشباح والأرواح حين نرى أشياء لا نعرف ما هي. وأرى أن روايات الحوادث الفضائية هي متغيّر من متغيّرات قصص الأشباح القديمة، فهي تتحدّر منها. ولكن الدراسات اليوم لا تتناول قصص الأشباح، وتنسب هذه القصص إلى بنى تفكير مختلفة (عن البنى الغربية) مثل الإحيائية، وتلفظها من عصر الأنوار.

والحق يقال إن السؤال عن أسباب بدء تحقيقات عن قصص أو سرديات غريبة، في محله. فلماذا يحقق في أمر ما إذا لم تقع جريمة ولا جناية مالية أو حادثة جنسية. وفي البدء، كانت التحقيقات تندرج في سياق الحرب الباردة. ولكن الحرب هذه انتهت، والتحقيقات مستمرة. فالشهادات عن أجسام فضائية هي وثيقة الصلة بالأمن وحفظ السيادة. وتصنّف وكالة الفضاء الروايات وفق مقدار غرابتها. فالكلام على جسم ثابت مضيء يدرج في أدنى سلّم الغرابة، على خلاف الأجسام المضيئة المتحرّكة التي تتصدّر السلّم هذا. وغالباً ما يتبين أن الجسم المرئيّ هو مصباح تايلندي أو نيزك. وفي التسعينات كانت أضواء نوادي الديسكو، وراء عدد كبير من الروايات.

وفي المجتمعات الأوروبية، اللغز ينسب إلى الأدب والسينما والعمل الفني، وليس إلى روايات ما يختبره المرء، على رغم أن الخيالات الغرائبية تنفخ في العالم نفساً شعرياً وتلفّه بالغموض. وكتب الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين: «بعض ما يُرى يبدو لنا غامضاً لأن المرئيّ أو ما يرى ... لا يبدو لنا غامضاً».

 

 

* باحث، عن «ليبيراسيون» الفرنسية، 7/4/2016، إعداد منال نحاس

© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)