تواجه شركات الاتصالات في جميع أنحاء العالم تحديات عديدة تقف في وجه استمرار نجاحها: ركود النمو، اشتداد المنافسة، والتطور المتزايد للمستهلك. وبما أن هذه الأنماط تزال ناشئة في المنطقة، عملت شركات الاتصال
تواجه شركات الاتصالات في جميع أنحاء العالم تحديات عديدة تقف في وجه استمرار نجاحها: ركود النمو، اشتداد المنافسة، والتطور المتزايد للمستهلك. وبما أن هذه الأنماط تزال ناشئة في المنطقة، عملت شركات الاتصالات في دول مجلس التعاون الخليجي حتى الآن على تطبيق مبادرات تكتيكية قصيرة المدى لمواجهة ضغوط تحقيق الربحية. وأمام شركات الاتصالات في هذه المنطقة فرص كثيرة للتحضير لمواجهة التحديات المستقبلية من خلال اعتماد خطة شاملة لترشيد التكاليف، ومعالجة الأرباح الهامشية، وإعادة هيكلة العمليات، وإعادة هيكلة سلسلة القيم.
والواقع أن شركات الاتصالات التي لا تنفذ خططاً واسعة النطاق لإدارة تكاليفها ستكون عرضة لخطر الانخفاض الحاد في الربحية. وبدأت هذه الأنماط الجديدة - التي تعوق مشغلي الاتصالات - بالظهور في منطقة مجلس التعاون الخليجي، مع تباطؤ نمو الإيرادات في قطاع الاتصالات، والمنافسة المتزايدة، ومطالبة المستهلكين المطّردة بالمزيد من الخدمات وأداء أفضل بأسعار مخفضة.
وهنا يقول شادي سميرة المدير في بوز أند كومباني: "قامت شركات الاتصالات العالمية التي تأثرت بهذه التحديات أكثر من غيرها بخطوات كبيرة للتكيف هيكلياً بهدف مواجهة هذه التحديات. كذلك، بدأت شركات الاتصالات في منطقة مجلس التعاون الخليجي التجاوب مع الاتجاهات التي تبرز في المنطقة من خلال عمليات تكتيكية قصيرة الأجل لخفض الكلفة. وسيتبيّن أن هذه الخطوات غير كافية لتخفيف التأثير الكامل للاتجاهات التي تطاول القطاع".
ومن خلال تحديد دقيق لتدابير خفض التكاليف المعنية وتطبيقها، يمكن لشركات الاتصالات أن تضع أنفسها في موقع يتيح لها مواجهة التحديات التي تطاول قطاع الاتصالات وكسب الفوائد الناجمة عن إضفاء المرونة على عملياتها. وهناك ثلاث وسائل لتحسين الكلفة التي على شركات الاتصالات النظر فيها: الفعالية المتراكمة، إعادة هيكلية العمليات، وإعادة هيكلة سلسلة القيمة. يقول سميرة: "سيمكّن اعتماد المجموعة الصحيحة من هذه المبادرات شركات الاتصالات من خلق القيمة واستدامتها والتفوق على منافسيها وضمان استدامتها في الأسواق المختارة".
وتخرج شركات الاتصالات في مختلف أنحاء العالم حالياً من الركود، وفي الوقت نفسه تواجه ضغوطاً متزايدة على عائداتها الإجمالية وأرباحها الصافية على حد سواء. وهنا يعلّق هلال حلاوي الشريك في بوز أند كومباني: "على الرغم من أن نمو العائدات لا يزال ايجابياً في منطقة مجلس التعاون الخليجي، فإنه قد بدأ التباطؤ أخيراً. وتراجع متوسط العائدات على الأصول بنسبة النصف تقريبا خلال السنوات الخمس الماضية - إلى ما يقرب من 8 في المئة سنويا، ويبدو متجهاً نحو 5 في المئة - وهو المستوى الشائع في الأسواق المتخمة".
هناك ثلاثة اتجاهات رئيسية تتلاقى وتضغط معاً على الربحية في سوق الاتصالات السلكية واللاسلكية في جميع أنحاء العالم: ركود النمو. تعاني سوق الاتصالات العالمية الركود مع اقتراب العديد من الأسواق من نقطة التشبع، وهو اتجاه تؤكده نسبة الانتشار العالية. وتعاني شركات الاتصالات في هذه الأسواق تباطؤاً أو انخفاضاً لمتوسط الإيرادات لكل مستخدم، وتواجه ضرورة الاستعداد لنمو محدود ينتج عن الخدمات التقليدية.
ازدياد المنافسة وتجزؤ السوق. فاقت الزيادة في عدد شركات الاتصالات على المستوى العالمي عائدات السوق في شكل مطّرد. فقد ارتفع عدد شركات الاتصالات 70 في المئة منذ عام 2005، بينما ارتفعت إيرادات القطاع بنسبة 45 في المئة فقط خلال الفترة نفسها. ونمت الشركات التي تشغّل المرافق 6 في المئة سنوياً، بينما نمت شركات تزويد الخطوط الخلوية وشركات تزويد خدمة الانترنت أكثر من 15 في المئة في السنة. تطور احتياجات العملاء وتوقعاتهم. يُعتبر تغيّر اختيارات المستهلكين مجالا آخر يتيح لشركات الاتصالات في دول مجلس التعاون الخليجي رؤية ما سيأتي. وفي الأسواق الناضجة، يؤدي التطوّر المتزايد للعملاء إلى جانب منافسة من لاعبين من خارج قطاع الاتصالات إلى رفع التكاليف، ذلك أن شركات الاتصالات تنفق المزيد لاجتذاب العملاء وكسبهم وخدمتهم والاحتفاظ بهم. وهناك أسواق، منها أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، عرضة لكل هذه الضغوط.
ويلاحظ حلاوي: "شهدت منطقة مجلس التعاون الخليجي في الفترة الأخيرة ارتفاعاً في المنافسة وتجزّؤ السوق، علاوة على تباطؤ النمو. وبناء على التجربة في الأسواق الأخرى الأكثر نضجاً، ستواجه الأولى بدورها مزيداً من الضغوط من جانب المستهلكين. وعلى الشركات بإزاء هذا الأمر، أن تستعد لنمو محدود وتعوّض عن ذلك بإعطاء مرونة لهيكلياتها الإدارية. وينبغي على الشركات الإقليمية القائمة أن تعمل في شكل أساسي على زيادة نفقاتها التسويقية وتحاول في المقابل أن تخفض تكاليف عدة أخرى". لحسن الحظ، أمام شركات الاتصالات في دول مجلس التعاون الخليجي مجال واسع لتحسين الكلفة. ويمكن لشركات الاتصالات الإقليمية صَوغ استجابة لهذه التحديات من خلال النظر إلى ما فعلته شركات عالمية اتخذت خطوات عدة للَجم التكاليف. وتستطيع الشركات الإقليمية الاستفادة من تجميع مبادرات تحسين الكلفة إلى الحد الأمثل في ثلاث "وسائل". ثلاث "وسائل" أساسية: الفعالية المتراكمة.
هنا يجري اتخاذ قرارات مدروسة لخفض التكاليف من خلال إلغاء النفقات الزائدة عبر تحسين رصد النفقات في الموازنة واستخدام الموارد في النشاطات الجارية (هذا يثمر عادة خفضاً سريعاً للتكاليف ويساعد في الحفاظ على هيكلية تكاليف سليمة). إعادة هيكلية العمليات. هنا نأخذ في الاعتبار التكاليف النظامية، أي تلك المتّصلة بعمليات الشركة وسياساتها. وتثمر المبادرات في هذه الفئة لإعادة هيكلة السياسات والعمليات والإجراءات وفوراتٍ في غضون سنة إلى 18 شهراً، من خلال تطبيق عمليات أكثر "رشاقة". إعادة هيكلة سلسلة القيمة.
تستطيع شركات الاتصالات أن تذهب إلى ما هو أبعد من المديين القصير والمتوسط والاستفادة من إعادة هيكلة سلسلة القيمة. وفي حين أن الخطوات في الموجتين الأولى والثانية تغيّر طريقة قيام شركات الاتصالات بعملها، فإن خطوات الوسيلة الثالثة تغيّر ما تقوم به الشركات من خلال إعادة النظر في التكاليف الهيكلية والأساسية. وتستعين شركات الاتصالات عادة بمصادر خارجية للقيام بنشاطات غير أساسية، على غرار وظائف الدعم مثل تكنولوجيا المعلومات، وإدارة الموارد البشرية، وكشوف الرواتب، وتحصيل الفواتير، والخدمات اللوجستية. ولكن مع نضج أي قطاع، تصبح هذه الوظائف سلعاً يصعب تمييزها عما تقدّمه الجهات المنافسة.
وفي هذا الصدد، تستطيع شركات الاتصالات الاستفادة من الاستعانة بمصادر خارجية للقيام بنشاطات أساسية تتعلق بالاتصالات ولكن ليست جزءاً من مجموعة القدرات التي تميّزها، والمقصود بهذه الأخيرة مواطن القوة الأساسية التي تجعل شركة ما مميزة عن منافساتها. ففي حال القيام بذلك، تتمكن الشركة من التركيز على النشاطات التي تدعم "حقها في الربح" أو قدرتها على المنافسة الواثقة وخلق القيمة. وعلى كل شركة اتصالات تحديد إستراتيجيتها ومن ثم جعل منتجاتها وخدماتها متوافقة معها لكي تتفوّق على المنافسين.
وتعمل شركات الاتصالات القائمة عادةً على دمج تكنولوجيا الخطوط الثابتة والخلوية لدى انتقالها إلى شبكات الجيل المقبل، وهو ما يوفر فرصة لتحقيق التكافل. والواقع أن دمج الثابت والخلوي عملية تولّد عادة أكبر الوفورات. وتستطيع الشركات أيضاً تحقيق التكافل بين منصاتها الثابتة والخلوية في مجالات معينة مثل خدمة العملاء، وترشيد منافذ البيع عبر التحول إلى نموذج المنافذ التي تقدّم حلول الاتصالات الثابتة والخلوية، والتسويق وتطوير المنتجات. ويمكن أن تؤدي هذه الوفورات إلى تحسين على المدى الطويل لنسبة الأرباح قبل خصم الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك.
وأخيراً، يمكن أن يثمر دمج تطوير المنتجات والتسويق مع برامج الولاء تفاعلاً إيجابياً في ما يخص التكاليف والمداخيل، وذلك من خلال تقديم العروض الموحّدة، الأمر الذي قد يتيح لشركات الاتصال خفض نسبة خسارة العملاء ورفع حصتها من الأسواق. ويمكن لشركات الاتصالات الإقليمية أن تتشارك الشبكات بهدف تحسين البنية التحتية للاتصالات الخلوية وتسييل قواعد أصولها. ومن النماذج المحتملة لتقاسم الشبكات، فصل أجزاء من الشركات وجعلها مستقلة ونقل ملكية استثمارات إيجابية أو سلبية في البنية التحتية. إذ تتيح خطوات كهذه لشركات الاتصالات الاستفادة مباشرة من وفورات الحجم الناجمة عن تقاسم البنية التحتية مع الغير. كما أنها ستمكنه من التركيز على مجالات أخرى والاستثمار فيها، مثل التكنولوجيات والخدمات الجديدة. وقد بدأت العديد من دول مجلس التعاون الخليجي بالفعل تطبيق نماذج من شأنها أن تشجع شركات الاتصالات على الانخراط في شبكة واسعة النطاق لتقاسم البنية التحتية.
وتستطيع شركات تزويد الخطوط الخلوية في المنطقة تحسين موجوداتها وتحقيق وفورات الحجم عبر إنشاء شبكات افتراضية وتعمل بعض شركات الاتصالات الإقليمية على إنشاء شبكات افتراضية للهاتف الخلوي، وأخيرا باتت هذه الشبكات تشمل خدمات الصوت والبيانات الثابتة، وذلك بغية استهداف فئات من العملاء ليست في دائرة تركيزها الأساسية. ويمكن لنماذج الشراكة أن تعالج البنية التحتية، الابتكار، والتسويق والبيع. على سبيل المثال، يمكن لشركات الاتصالات إقامة شراكات مع تجار التجزئة الذين أثبتوا قدرتهم على خدمة قطاعات محددة من العملاء مثل الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم. ويجدر القول إن للشبكات الافتراضية فائدتين رئيسيتين، أولاهما هي الحصول على مزيد من الفرص من خلال القيمة التي تضيفها إلى العمليات.
يضاف إلى ذلك أن هذه الشبكات تتيح تعظيم استخدام الأصول الثابتة، وتقدم لشركة الاتصالات فرصة تفعيل استثماراتها وتحقيق حجم أعمال كبير. وتؤدي كل المبادرات المتصلة بالهيكلية الإدارية حتماً إلى فوائض في العمالة. وقد تكون خطوات شركات الاتصالات (تقاعد مبكر، توجيه الموظفين إلى وظائف أخرى في السوق، تسريح) صعبة التنفيذ على الصعيد الإقليمي لأسباب عدة تراوح بين قوانين العمل والحاجة إلى الحفاظ على الصورة العامة وخلق وظائف، خصوصاً للمواطنين الشباب.
ومن الحلول الممكنة للتعامل مع فائض العمالة اللجوء إلى جهاز خاص يُنشأ للتعامل مع العمالة الفائضة لفترة من الوقت، فيقوم بنشاطات عملانية ويوجه الموظفين الفائضين إلى قطاعات منتجة ويوفر لهم فرصاً لتطوير مهاراتهم من خلال مبادرات تدريب أكاديمية ومهنية عدة. يجري العمل بهذه الوسائل الثلاث من التدابير في وقت واحد وتكرارا، وذلك لتحقيق التوازن بين الحاجة إلى اختيار النشاطات على امتداد سلسلة القيمة، والعمليات القائمة، والكفاءة التشغيلية وتخصيص النفقات الرأسمالية. ويُعتبر تطبيق الوسائل الثلاث حلقة حميدة تسمح للشركات بالابتكار المستمر وتوسيع نطاق عروضها مع تجنب تراكم عمليات الإنفاق غير الفعال. ولاحظ سميرة، "لم تفعل شركات الاتصالات في منطقة مجلس التعاون الخليجي إلا القليل من حيث تكوين الفعالية التراكمية ولم تغامر أكثر من ذلك بشكل ملموس. وهذا يعني أن الجهود الرامية إلى تقليل الكلفة يمكن أن تولّد إمكانات إيجابية كبيرة، ويمكن لشركات الاتصالات الإقليمية أن تتشارك الشبكات بهدف تحسين البنية التحتية للاتصالات الخلوية وتسييل قواعد أصولها".
وفي ظل معدّلات الخدمات المعروضة الفائضة، وبروز مزيد من المنافسة، وتطوّر المستهلكين الذين باتوا يتطلّبون أكثر، بدأت شركات الاتصالات في دول مجلس التعاون الخليجي تشعر بالضغوط التي جعلت نمو هذا القطاع يتباطأ جداً في مناطق أخرى من العالم. ويعلّق سميرة: "ركزت شركات الاتصالات في المنطقة حتى الآن فقط على جهود قصيرة المدى ومحدودة لخفض الكلفة من أجل كبح جماح التكاليف. لكن الاستفادة من تنفيذ المبادرات الشاملة لتحسين الكلفة واعدة. بدورها، تساعد إجراءات خفض عدد الموظفين، مثل برامج التقاعد المبكر، شركات الاتصالات في تحسين نتائجها".
وختم حلاوي، "كذلك، يمكن للمبادرات الهيكلية الطويلة المدى أن تساعد في زيادة الربحية وتمكين شركات الاتصالات من التركيز على قدراتها الأساسية، بما يساعدها على التميّز في نموذج عملها والنجاح. ويشار إلى أن المبادرات ذات أعلى الإمكانات تشمل من الناحية التكنولوجية دمج الشبكات الثابتة والخلوية، والاستعانة بمصادر خارجية لإدارة الخدمات غير الأساسية والخدمات الأساسية التي لا تحقق التميّز، وإجراءات التعامل مع فائض العمالة. وعلى شركات الاتصالات في منطقة مجلس التعاون الخليجي أن تتخذ خطوات مباشرة الآن قبل أن تتشبّع الأسواق كلياً وتتجزّأ أكثر، بغية تنفيذ مبادرات التطوير التي ستسمح لها بإضفاء المرونة على عملياتها وتحضير نفسها للنمو المستقبلي".