معركة تحت الماء
📅 23-08-2016 08:43 ص |
👁️ المشاهدات: 41 |
كتب: أحمد مغربي
يبدو أن معركة جديدة تذر قرونها بين الخصمين المتنافسين: البشر والروبوت الذي هو صنيع البشر المؤتمت!
ولطالما كانت المهام الاستكشافية محفوفة بالمخاطر. وفي الذاكرة أن مستكشفي جزر المحيط الهادئ أمضوا أسابيع طويلة في قواربهم بعيداً عن اليابسة، كما تحدّى مكتشفو القارة القطبية الجنوبيّة درجات حرارة تدنت إلى تحت الصفر بكثير ووجبات طعام هزيلة تماماً، فيما جازف روّاد الفضاء بحياتهم داخل مركبات سريعة وقابلة للانفجار، وفق ما برهنت حوادث دامية كانفجار مكوك الفضاء «تشالنجر» والمركبة «كولومبيا» وغيرهما.
وفي ظلّ ضغط المياه الكبير في المحيطات، اختبر باحثون غواصات من نوع جديد، كالمركبة «آلفين» التابعة لمعهد «وودز هول»، من أجل الحصول على مزيد من المعرفة عن نُظُم البيئة في أعماق المحيطات. ثم وصل الروبوت أخيراً، فتولى تلك المهمات نيابة عنهم، ما أدى إلى تجدّد المنافسة الخفيّة بين البشر والإنسان الآلي.
تفوّق غير متوقّع
على رغم ظروف صعبة وقاسية بالنسبة للجسد البشري، تفوق البشريون في غواصات اكتشاف الأعماق، فكان أداؤهم أفضل من الروبوتات المتجوّلة في قاع البحر. إذ استطاع ربابنة الغوّاصات الاستكشافيّة النظر من النافذة، وتجنّب العوائق، واختيار العيّنات بدقة عالية، ورسم الطريق من أجل تفادي الخطر أو البحث عن أمكنة نائية. لم يدم ذلك التفوّق طويلاً. وبفضل كاميرات متطوّرة، وإضاءة قوية، وأنظمة قيادة وتحكّم يعزّزها الكومبيوتر، باتت الغواصة الروبوتيّة تتساوى أداءً مع الغواصات التي يقودها ربّان بشري.
وبأثر من ذلك التطوّر، صار عدد كبير من المؤسّسات ميّالاً إلى استخدام مركبات روبوتية يجري تشغيلها عن بُعد، كتلك التي يصنعها معهد «وودز هول لعلوم المحيطات»، بهدف إنجاز مهمات استكشافيّة في أعماق المحيطات. إذ تحظى تلك المركبات بميزات عدّة. ولأن استمراريتها في العمل تعتمد على الكابلات، لا يواجه الروبوت الغوّاص قيوداً على عدد ساعات الغوص، وهو من المعوّقات الأساسيّة بالنسبة للجسد البشري، حتى عندما يكون الاستكشاف بواسطة غواصات مزوّدة بالهواء ومحمية جيداً.
في المقابل، يجري تشغيل الغواصة «آلفين» التي يقودها بشر، بواسطة البطاريات، فتستطيع العمل مدة ثماني ساعات متواصلة.
وتعتبر غواصات الاستكشاف الشبيهة بــ?«آلفين»، خطيرة بالنسبة للبشر، كما تحدّ قدرتهم على الاستكشاف. وكي لا تعلق المركبات، لا يُسمح لـ»آلفين» بالعمل في الكهوف البحرية، أو تحت الثلج، أو في محيط حطام السفن، أو بالقرب من البراكين تحت المياه. وأشار فيل فورت، المهندس الذي يقود الغواصة «آلفين»، إلى أنه حتى في ظلّ توافر احتياطي أوكسجين لمدة 72 ساعة، يمثّل توقف المركبة عن العمل مشكلة كبيرة، لأن المركبات الأخرى ربما تعجز عن إنقاذها. ولحسن الحظ، لم تتعرض الغوّاصة «آلفين» لحوادث كبرى لحد الآن.
ومع ذلك، رأى معهد «وودز هول» أن وجود بشر في قاع البحر يعتبر أمراً أساسياً لضمان تحديث الغواصة «آلفين» تقنيّاً. ولفت بيت غيرغيس، وهو مستخدم متمرس لغواصة «آلفين» وأستاذ في جامعة هارفرد، إلى أنه «لا شيء أجمل من رؤية البيئة مباشرة». ووحدهم البشر يملكون التقنيّات البصريّة الضروريّة للعمل في الأعماق، وحسّاً راسخاً بالعلاقات المكانيّة، ما يسمح بالحصول على عينات أكثر دلالة على بيئة أعماق المحيطات.
وأخيراً، ربما تتمثّل الميزة الاستراتيجية الكبرى للغواصات التي يقودها البشر في قوة أدائها في استكشاف الأعماق. ومع استكشاف قاع البحر، ومشاهدة العظمة الجيولوجية، واستكشاف الروعة البيولوجية لإحدى المناطق الأشد نأياً عن عين البشر، ربما شعر الدارسون والغواصون المتمرّسون بإلهام كبير عن ضرورة فهم تلك البيئة الفريدة، وبالتالي ضرورة حمايتها أيضاً.