في تطور سياسي بالغ لم يحظى بالاهتمام المطلوب لخطورة انعكاساته، اقدم الكونغرس الاميركي مؤخرا على اعطاء القوات العسكرية الاميركية الضوء الاخضر لشن هجمات الكترونية لا تخضع لق
في تطور سياسي بالغ لم يحظى بالاهتمام المطلوب لخطورة انعكاساته، اقدم الكونغرس الاميركي مؤخرا على اعطاء القوات العسكرية الاميركية الضوء الاخضر لشن هجمات الكترونية لا تخضع لقيود الرقابة ومن ثم المسائلة "للدفاع عن الوطن والحلفاء والمصالح" الحيوية وحماية القوات الاميركية وحلفائها، خاصة في الحوادث التي لا يظهر فيها بوضوح ضلوع الولايات المتحدة والتنصل من المسؤولية امام الراي العام. والحقيقة ان هذا الاجراء اتى ليعزز الاجراءات الاميركية الجارية منذ زمن بغية استهداف واستنزاف الاطراف الاخرى التي تشكل تحديا لسياسات الولايات المتحدة ومصالحها عبر العالم؛ بكلمة اخرى تشريع الهجمات الالكترونية كعنصر مكمل للآلة العسكرية وصناع القرار السياسي في شن الحروب دون طائلة المساءلة. ما يميز الحروب التقليدية هو استنادها الى مقومات ملموسة: الآلة الحربية بكافة اسلحتها وضحاياها. كما تخضع الحدود السيادية الى اجراءات مراقبة لدرء الاختراق، الا ان اختراق العامل البشري للحدود السيادية يوفر بعض المعلومات الاستخبارية، وطرف المعادلة الاكبر الغير ملموس يتمثل بحجم الامكانيات التقنية المتوفرة وتوظيف الذكاء البشري في الفضاء الافتراضي والعمل على شل وجود الخصم وتدميره ان امكن، وهو ما يحدث حاليا. فالمتظاهرون السوريون يستهدفون المواقع الالكترونية للدولة وكذلك للمقربة منها، مما يضطر الحكومة الى اتخاذ اجراءات عقابية للرد عليها. علاوة على المخططات "الاسرائيلية" لتعطيل عمل المنشآت العسكرية الدفاعية السورية باستخدام التقنيات الالكترونية. بينما تبذل ايران جهودا مكثفة للتمسك والمحافظة على استمرارية برنامجها النووي ومقاومة اكبر عملية قرصنة الكترونية في التاريخ، تشنها اميركا و"اسرائيل،" لتدمير منشآتها النووية. الصراع الالكتروني الصامت يستمر دون اية مؤشرات على الانحسار. ففي شهر فبراير المنصرم نشرت صحيفة "يديعوت احرونوت" الاسرائيلية تقريرا بناء على حضورها جلسة نقاشية بعنوان "الاعلام الجديد كسلاح استراتيجي،" ادّعت فيه ان الناطق باسم القوات العسكرية الاسرائيلية استند الى مخططات جاري العمل على تنفيذها لتجنيد نواة ما اسماه "محاربو الاعلام الجديد" الذين هم عبارة عن "قراصنة حديثي العهد ولدوا وترعرعوا في ظل مناخ الفضاء الالكتروني ... تتم اجراءات الفحص عليهم بعناية خاصة وتدريبهم على سبل خدمة الدولة." واضحت الحرب الالكترونية سلاحا جذابا، خاصة في الحروب غير المتوازية. اذ خلافا لشن هجوم عسكري تقليدي فان تحديد هوية المهاجم الالكتروني ليست بالامر اليسير، فهو يستهدف النظم وشبكات الكمبيوتر، ولا يتصيد افرادا بعينهم، الامر الذي يخفف من حدة المشاعر الوطنية الملتهبة التي تتطلب القيام باجراءات انتقامية. كما وان تكاليف تلك الحرب تتضائل امام تكلفة الحرب بالوسائل التقليدية. ومع ذلك، فان فعالية الحرب الالكترونية، عدا عن مجرد تعطيل الحضور في الفضاء الافتراضي، تتطلب تضافر عدد من المهارات التي لا تتوفر لدى المجموعات الراديكالية او الدول المتواضعة للاستفادة القصوى من الحرب الالكترونية. ومن اهم المهارات المطلوبة توفر الخبرات البشرية المتخصصة في علم الكمبيوتر والتي قد تكون خضعت للتدريب في الغرب واقناعها بالانخراط وتسخير خبراتها المكتسبة في خدمة الاجهزة الامنية او الدفاعية للبلد المعني. ومن نافل القول توفر تلك المهارات في عدد من دول المنطقة راهنا، بما فيها "اسرائيل" ودول مجلس التعاون الخليجي والاردن وايران ومصر. الا ان توفر تلك المهارة الفردية بحد ذاته ليس كافيا للتصدي لهجمات الكترونية متطورة ومحكمة، بل ينبغي على الطواقم التقنية المعنية التواصل المهني مع علماء آخرين في دول حليفة من اجل تعزيز مهاراتها ورفدها بكافة الخبرات المطلوبة. وكما شهدنا في تفشي فيروس "ستكسنت" في المنشآت النووية الايرانية، فان المهارات والخبرات المطلوب توفرها تلعب دورا حاسما في التصدي. ويعرب العلماء الذين تعرّفوا الى آليات عمل ذلك الفيروس عن اعتقادهم بأن عملية تطويره تطلب تسخير اكبر الجهود والاموال في تاريخ البرامج الضارة – الفيروسات، اذ ان ميزات البرنامج الكبيرة تؤشر الى جهود جماعية لفريق عالي التقنية ويملك خبرة قيمة للمشاريع الصناعية الكبرى وآلية عمل شبكاتها ومن ثم تعطيلها. ويقدر احد الخبراء في علم الكمبيوتر ان التعليمات البرمجية الضخمة في الفيروس المذكور تدل على الفترة الزمنية الطويلة التي استغرقها تطويره، تقدر بعدة شهور ان لم يكن بالسنوات، وتسخير طاقم يتكون من 5 الى 30 فردا، ونحو ستة شهور على الاقل. ان الهجوم الالكتروني وخطورة ستكسنت في شل وتعطيل النظم الصناعية الكبرى يشير الى قرار سياسي اتخذ على اعلى المستويات في الولايات المتحدة او "اسرائيل،" وتجنيد خبرات اخرى فرنسية ومن عناصر كفؤة ذات اصول صينية لانجاز العمل. ومن ناحية التمويل المالي الضخم الذي يحتاجه مثل هذا الجهد فان دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك امكانيات التمويل المطلوبة. والمهارة والخبرة الثانية الضرورية المطلوب توفرها هي قدرة الحصول على معلومات استخبارية ديثة الامر الذي يتطلب من الفرد المعين الالمام التام بنظم شبكات الخصم والبرامج العاملة ونقاط الضعف الكامنة وكيفية استغلالها. وفي الحالة الايرانية، كان ينبغي على المصدر الاستخباراتي الالمام بالمعدات والبرامج التي وفرتها شركة "سيمنز،" اضافة الى كافة البرامج الاخرى الجانب الايراني المستخدمة ومواصفاتها التقنية، اضافة لتوفر اطقم من العلماء في الطاقة النووية لاعادة هندسة التصاميم المتبعة وتحديد نقاط الضعف فيها واختراقها دون ان تترك اثرا ينبٍّه لهجوم الكتروني جاري. تسخير قدرات استخبارية عالية بكل متطلباتها لا تتوفر الا لبعض الدول للقيام بعمل ضخم كالذي بين ايدينا. فالولايات المتحدة و"اسرائيل" تمتلكان القدرة التقنية والبشرية المدربة لاختراق المرافق الامنية للدولة وكذلك امكانية تجنيد مصادر استخبارية لدول اخرى تعزز المعلومات المتوفرة. الا ان هذه الميزة لا تعني ان الدول الاقل شأنا تقنيا عاجزة عن القيام بشن هجوم الكتروني ضد بعض الاهداف في معسكر الخصم خاصة المنشآت الصناعية مثل شبكات الطاقة الكهربائية ونظم الاتصالات ونظام التنقيب عن النفط وخدمات الشبكة الافتراضية او النظم المصرفية، التي بمجملها تشكل اهدافا طيعة باستطاعة بعض دول المنطقة القيام بها. والمهارة الاخيرة المطلوب توفرها هي القدرة على تسخير عناصر بشرية كفؤة لاختراق انظمة الكمبيوتر المعنية. اذ من المعلوم ان اماكن وجود انظمة الكمبيوتر الكبرى في ايران تتمتع بحماية انتشارها الجغرافي ومن ثم ميزة عزلها عن التلوث بالفيروسات عبر شبكة الانترنت او شبكات نظم اخرى. وفي هذه الحالة، يتتطلب الامر توفر عميل على الارض باستطاعته الدخول الى صلب الاجهزة المتطورة المعنية. ويخمن البعض، استنادا الى الانتشار الواسع لوسائط تخزين المعلومات دقيقة الحجم وسهولة حملها ان الاختراق في الحالة الايرانية تم عبر ادخال احد او مجموعة من تلك الوسائط داخل شبكة الكمبيوتر المعنية، وهي وسائط عادة لا تثير الشبهة لانتشارها الواسع وتخزينها لكم هائل من المعلومات في مساحة لا تتعدى حجم اصبع واحد من اصابع اليد. والخطر الكامن في تلك الوسائط ادى ببعض المؤسسات الحساسة الى تقييد العمل بها بالقرب من او داخل نظم الكمبيوتر المحمية من الاختراق الخارجي. النظم المعرضة للهجوم الالكتروني في الشرق الاوسط مع تقدم التقنية بسرعة هائلة، تتضاعف احتمالات الهجوم الالكتروني. ومن بين النظم المرشحة للهجوم: البنية التحتية للنفط من شأن هجوم يستهدف الآلة الانتاجية للنفط في الدول الخليجية ان يحدث هزة اقتصادية في العالم، ويؤدي الى مضاعفة اسعار النفط والتهديد بنقص الامدادات النفطية عالميا. اذ ان اجهزة الكمبيوتر المختلفة تتحكم بكافة مراحل انتاج وتوزيع الطاقة تقريبا وهي عرضة لهجوم الكتروني. فالقراصنة شرعوا في تصويب مهاراتهم باستهداف الاجهزة والنظم التي تتحكم بقطاع الطاقة، والقيام باعمال استخبارية ضد المشاريع الصناعية واصبحوا في وضع يسمح لهم بتهديد الانتاج النفطي العالمي. الامر الذي لا يخفى على الشركات النفطية الكبرى التي شرعت في اتخاذ احتياطياتها واجراءاتها لمحاربة ذلك. وبما ان فيروس "ستكسنت" صمم خصيصا للتعرض للمنشآت الصناعية، فباستطاعته ايضا تدمير القدرة على تخصيب اليورانيوم وتماثل ضرره في اي حلقة من منظومات ضخ وتكرير النفط وتسويقه. لبنية التحتية للشبكة الكهربائية عند التصميم والبدء ببناء شبكات الطاقة المتعددة في الشرق الاوسط لم يكن السلاح الالكتروني من ضمن الاهتمامات، والآن ثبت انها كلها معرضة للهجوم المدمر. فطبيعة التهديد تعتمد الى حد كبير على ميزات النظام المستهدف. محطة توليد مركزية للطاقة يديرها نظام كمبيوتر آمن لديها ضمانة اكبر في استمرار العمل مقارنة بأخرى تعتمد على عدد من مصادر الطاقة المختلفة لتوليد الكهرباء، مثل التوليد بالطرق التقليدية ومشاريع البطاريات الشمسية ومصادر اخرى محدودة لتوليد الطاقة. تلك النظم تتطلب نقل كميات كبيرة من المعلومات بسرعة شديدة، التي تعتمد بدورها على فعالية شبكات الاتصالات المطلوبة بفعالية ومميزات تقنية اكبر. وهذا الوضع يتطلب استحداث نقاط ومحطات كمبيوتر اخرى في عملية التوليد مما يضاعف من احتمالات تعرضها للاختراق الالكتروني. كذلك تعتبر شبكات توليد الطاقة المنتشرة على بقعة جغرافية كبيرة احدى نقاط الضعف. اذ ان كل دولة على حدة حددت معايير خاصة بها لمحطات التوليد مما يتيح للقراصنة فرصا أكبر للاختراق. الاتصالات يشمل مجال الاتصالات عدة محطات: خطوط الهاتف التقليدية والهاتف النقال والراديو والتلفزيون وشبكة الانترنت. وبهذا الخليط الكبير من آليات الاتصال وتعدد الطواقم المتحكمة في تشغيلها يعرضها ايضا للاختراق. ومع ذلك، فهذا التنوع في آليات الاتصالات يوفر لها فرصة تعقّد نجاح الهجمات الالكترونية درءا لاخراجها خارج الخدمة. واستنادا الى ان معظم نظم الاتصالات متوفرة بكثرة في السوق، فان النظم وبرامج الكمبيوتر الخاصة بتشغيلها اضحت في متناول القراصنة. وفي عدد من الحالات مثل ابراج الهاتف النقال، فانها معزولة وغير محصنة ضد الاختراق. ومن السهولة بمكان اختراق اجهزة الاتصالات لشلها عن الحركة عبر امطارها بوابل من البيانات تفوق طاقتها المصممة على المدى الاقصى المسموح التعامل به، مما يصيب احدى النقاط التقنية العاملة في الشبكة المتكاملة وليس كلها. ومن انجح وسائل الاختراق القيام بشن هجوم منسق على عدة مواقع في الشبكة المعنية، مثل شبكة توزيع الطاقة الكهربائية. الاضطراب في عمل شبكتي الطاقة والاتصالات سيكون مدمرا. النظام المصرفي من نافل القول ان المصارف المالية والبنوك تسخر طاقات كبيرة لحماية عملية تدقيق الحسابات لديها، اذ ان النظام الحديث يعتمد على قطاع الاتصالات حصرا في اتمام العمليات التجارية اليومية من استخدام بطاقات الائتمان وسحب مبالغ نقدية من الاجهزة الآلية. واي تعطيل لعملية الاتصالات الفورية، سواء بسبب الاختراق او عوامل اخرى، له نتائج كارثية على النظام المصرفي برمته. بما ان معاملات المصارف المالية الحديثة تعتمد على فعالية ملايين الاجهزة المرتبطة بها والمنتشرة في الاسواق والمتاجر، وتقنيتها المعتمدة تتطلب ارتباط كافة الاجهزة بشبكة الكمبيوتر الرئيسية مما يشكل احد الثغرات ونقاط الضعف لها. وبما ان الاحتياطات الأمنية المعمول بها في القطاع المصرفي تجعل عملية التلاعب بارقام الموجودات في حسابات الزبائن امرا شبه مستحيل، فهي تحيل بطاقات الائتمان المسروقة الى خارج الخدمة. الخاتمة من بين المسلمات في الشرق الاوسط ان منشآت الامن القومي محصنة ضد القرصنة الى حد بعيد، اما النظم التجارية والآلية المنتشرة فان ضعفها يكمن في طبيعة بنيتها. وعادة يأتي الضرر والاضطراب في سلاسة عمل القطاع التجاري بسبب القرصنة الالكترونية من الاجهزة الاكثر عرضة للاختراق. القطاع المصرفي برمته يعتبر مهيأً للاختراق بحكم الشبكة الكبيرة للتجار واجهزة الصرف الآلية المنتشرة القائم عليها. ثمة هجوم الكتروني لا ينتج عنه بالضرورة خللا في عمل اجهزة الكمبيوتر الضخمة، حينها تلجأ المؤسسات المعنية الى فصل الاتصال بحيث يحرم الانسان العادي من استكمال معاملاته المعتادة. وعليه، فان تصميم شبكات توزيع للكهرباء بمصادر متنوعة للطاقة واشتراط توفر شبكة اتصالات تتميز بفائق السرعة لاتمام مهامها تعد نقطة ضعف ثانية في الشبكة. فنجاح هجوم الكتروني على شبكة توزيع الكهرباء خلال فصل الصيف، مصحوبا باحداث اضطرابات في النظام المصرفي سيخلق ازمة تحرم المواطن من التنعم بالتكييف وتحد من قدرته الشرائية. وهذا السيناريو، على خطورته، يخيف القيادات السياسية اكبر بكثير من نجاح هجوم على منشأة لتخصيب اليورانيوم.