تعليقات مصرية مركز الاهرام للدرسات السياسية والاستراتيجة ، العدد 98 : 26 فبراير 2008
كثير من ردود الافعال الرسمية وغير الرسمية قد اثيرت حول تبني وزراء الاعلام العرب وثيقة البث
كثير من ردود الافعال الرسمية وغير الرسمية قد اثيرت حول تبني وزراء الاعلام العرب وثيقة البث الفضائي في 13 من فبراير 2008 والتي وقعت عليها الدول العربيه ما عدا تحفظ قطر ومعارضة لبنان ، وتضمنت تلك الوثيقة على نحو متميز عن مواثيق الشرف الاخرى آلية تطبيق هذه المباديء بما يشمله ذلك من تشكيل فرق خبراء ولجان عمل وعقد جلسات استماع مع خبراء وممثلين للقنوات الفضائية العامة والخاصة بالاضافة الى انشاء مفوضية عربية خاصة بهذا الشأن كما ان وزراء الإعلام العرب سوف يقرون آلية تنفيذ الوثيقة فى يونيو المقبل ، وبالرغم من تفسيرات وزير الإعلام المصري وغيره من الوزراء العرب لضرورة الوثيقة وعدم تعارضها مع الحريات الإعلامية بوجه عام، فلا يزال عدد من الإعلاميين العرب ومنظمات حقوق الإنسان العربي الناشطة في مجال الحرية الإعلامية يعارضون الوثيقة بشدة. ويثير ذلك تساؤلات حول ما هو الجديد الذي يمكن أن تقدمة الوثيقة وما هي درجة الفاعلية لبنودها وما هي معوقات عملها وهل سيكون لها تاثير سلبي على الحريات في العالم العربي أم أنها مجرد أداة تنظيمية وليس لها أية أهداف سياسية؟
اهداف وثيقة البث الفضائي تهدف الوثيقة التي حملت عنوان (مبادئ تنظيم البث والاستقبال الفضائي الإذاعي والتلفزيوني في المنطقة العربية) الى دعم صناعة الاعلام العربى والارتقاء بمضمونه عن طريق تفعيل ميثاق شرف يوازن بين قيمتى الحرية والمسئولية بما يصون المجتمع العربى من التأثيرات السلبية التى تمارسها بعض القنوات الفضائية العربية والتى تتنافى مع الاخلاق والعادات والتقاليد التى تحكم المجتمعات العربية والاسلامية. وحماية المجتمع من العرى والعنف والإرهاب وفضائيات الجهل ونشر الخرافة والفتاوى غير الشرعية.
وتبرر الوثيقة أهميتها فى هذا التوقيت بالذات انطلاقا من الطفرة الهائلة فى عدد القنوات الفضائية العربية والتى قفزت من 13 قناة فى العام 1993م الى أكثر من 400 حاليا الامر الذى يتطلب وضع مبادئ وضوابط للارتقاء بالرسالة الاعلامية بما يسهم فى القضاء على حالة الفوضى والعشوائية التى تشهدها بعض هذه القنوات وخروجها عن الشكل المرخص لها به من خلال تقديم برامج عن الشعوذة وأخرى تعتمد على العرى فضلا عن بث بعض المواد الاخبارية والبرامج لا تقوم على المصداقية والدقة فى مضمونها مما قد يهدد السلم الاهلى والوطنى فى العديد من الدول العربية. وتتضمنت الوثيقة 12 بندا ففي بندها الأول تؤكد الهدف منها وهو تنظيم البث وإعادته واستقباله في المنطقة العربية، بما يكفل احترام الحق في التعبير عن الرأي وانتشار الثقافة، وتفعيل الحوار الثقافي على أن تلتزم بذلك الجهات المنوط بها العمل الإعلامي العربي سواء كانت وزارة أو هيئة أو مجلساً.، كما تحدد الوثيقة الجهات التي يمكنها منح تراخيص البث الفضائي، وهي النقطة التي تثير إشكالية بمنح الحكومات سيطرة منح الحق في البث الفضائي والتلفزيوني، ومنه الإرسال الأرضي، الذي تحتكره الحكومات بشكل كبير.، وفي المقابل، فإن بنود الوثيقة تلزم هيئات البث بعلانية وشفافية المعلومات وحماية المنافسة الحرة في مجال خدمات البث، وتوفير الخدمة الشاملة للجمهور وعدم التأثير سلباً في السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية، وتضع في الوقت نفسه ضوابط عامة تطالب الفضائيات بالالتزام بها، ومنها احترام مبدأ السيادة الوطنية لكل دولة واحترام حريات الآخرين وحقوقهم والالتزام بأخلاقيات مهنة الإعلام.، وتولي الوثيقة اهتماما بالغا بامتناع الفضائيات عن وصف الجرائم بكافة أشكالها وصورها ومراعاة أسلوب الحوار وآدابه والامتناع عن بث كل شكل من أشكال التحريض على العنف والإرهاب واحترام خصوصية الأفراد وكرامة الإنسان والتفريق بين الإرهاب ومقاومة الاحتلال.
ومن بين ما تقره الوثيقة الزام الفضائيات بمراعاة القيم الدينية والأخلاقية للمجتمع العربي والامتناع عن بث وبرمجة المواد، التي تحتوي على مشاهد أو حوارات إباحية، أو جنسية صريحة، والامتناع عن بث المواد التي تشجع على التدخين والمشروبات الكحولية مع إبراز خطورتها. وفي مقابل ذلك، فإن الوثيقة تشدد على الفضائيات الامتناع عن تناول قادة ورموز الوطن العربي بالتجريح، واحترام الرموز الدينية، والالتزام بالموضوعية والأمانة، واحترام كرامة الدول والشعوب وسيادتها الوطنية، وهو ما يعتبره بعض معارضي الوثيقة مساسا بحرية النقد للمسؤولين وسياسات الدول المعارضون ركز المعارضين على البنود التي راوها تساهم في تقييد الحريات العامة خاصة المادة 1 و 2 من البند الخامس من الوثيقة التي تطالب بالوعي والمسؤولية بما من شأنه حماية المصالح العليا للدول العربية.
كذلك تتيح لكل دولة في فرض ما تراه مناسباً من قوانين ولوائح لتحقيق مبدأ السيادة الوطنية على أراضيها.، وإن الوثيقة تسعى للحد من تطور الإعلام العربي الخاص الذي بدأ يشق طريقه نحو الصدارة لدى الرأي العام العربي، عبر تناوله مساحات واسعة من الموضوعات الشائكة، كما ان الوثيقة مبهمة وغامضة وتعتمد على الاطر العامة التي يمكن ان يتم تفسيرها من وجهه نظر سالبة للحريات وتطلق الوثيقة يد الحكومات في استصدار ما يعن لها من تشريعات لإعمال المبادئ والقواعد التي تضمنتها الوثيقة، واعتماد ما تراه من تدابير بحق الوسائط الإعلامية، التي تخرق هذه القواعد، بما في ذلك مصادرة أجهزة البث وسحب أو وقف أو إلغاء تراخيص البث. بما يجعل المؤسسات الاعلامية الحرة والمستقلة تحت مرمى مدفعية الجهات الرسمية والمحافظة، إذ أن تنفيذ هذه الاحكام سوف يعوّق ويكبح سبيل حرية التعبير، كما ان تهديد القنوات العربية بالطرد من مجالها الداخلي غير مجدي حيث انها قد تتجه الى البث من اقمار اخرى خارج المنطقة ويمكن ان تصل الى نفس الجمهور وتركزت وجهه النظر المعارضة للوثيقة ايضا على عموميتها واطرها العامة في بعض بنودها كـ عدم تناول القادة والرموز الدينيين في العالم العربي بالتجريح!. ولكن ما هي حدود النقد والتجريح ؟ ثم من هو الذي يحدد القادة والرموز وهل هم خارج نطاق عملية النقد، وفوق المجتمع والدولة؟ وماذا لو ارتكبوا خطأ أو انتهاكاً، فكيف يمكن الاعلام التصدي لتلك الظواهر إنْ لم يكن بالنقد وكشف الحقائق ؟!، وكذلك البند المتعلق بـ الالتزام بالقيم الدينية والاخلاقية للمجتمع العربي ومراعاة بنيته الاسرية وترابطه الاجتماعي!.
وهذه أحكام عامة يمكن تفسيرها وتأويلها، ، في ظل الحاجه الى شحذ سلاح النقد وتشجيع الناس على تلمّس المشترك الانساني للحضارات والثقافات مع مراعاة الخصوصية العربية والاسلامية، علماً بأن قوانين الاسرة والتقاليد الاجتماعية تختلف من مجتمع الى آخر.،كما ان الامتناع عن بث كل ما يتعارض مع توجهات التضامن العربي. وهذه مسألة عامة وغامضة أيضاً، كما ان هناك تخوفا من ان يستخدم البند المتعلق بـالامتناع عن بث كل ما يتعارض مع الذات الالهية والاديان السماوية والرسل والمذاهب والرموز الدينية. الى استخدام الدين ستاراً قد يؤدي الى ملاحقة الاعلامي قانونياً. المؤيدون يرى المؤيدين ان الوثيقة تأتي تنظيما لخدمات البث الفضائي واضافة لميثاق الشرف الاعلامي بما تضمنتة الوثيقة من آليات تنفيذية ليكون هناك التزام بالمعايير المهنية، بعيدا عن أية اعتبارات سياسية .، وأن المهنة كانت فقط هي الدافع لمناقشة مثل هذه البنود التي صدرت بها الوثيقة وتدعو في مقدمة بنودها إلى حرية التعبير وعدم المساس بها.وأن كل ما نصت عليه الوثيقة من مبادىء مأخوذة عن ميثاق شرف الإعلام العربى، ولم تضف مادة جديدة، لكن وضعت هذه المبادىء فى إطار يسمح لها بالتنفيذ بمجرد استكمال الآلية ، كما اكد وزير الاعلام المصري أن إقرار تلك الوثيقة لم يأت لأسباب سياسية .. مشيرا إلى أن مساحة البرامج السياسية الموجودة على القنوات الفضائية فى العالم العربى لاتتعدى 12% من المحتوى الإعلامى الذى يقدم للمجتمع العربى.
أولا: أن الوثيقة ليست ذات طابع رقابي ولكنها تحمل الطابع التنظيمي ولذلك جاءت لتقدم اطارا استرشاديا وليس ملزما لكافة القنوات الفضائية العاملة بالمنطقة بما يساعد فى القضاء على السلبيات الراهنة في المواد الاعلامية التي يتم عرضها والتي يكتنفها الفوضي والابتذال ومحاولة فرض قيم غريبة على المجتمعات العربية بشكل يجعل من تلك الحرية محلا للاستخدام السيئ بما يعلى بالمقابل من قيمة المسئولة. وتؤكد الفقرة الاولى من البند الثالث للوثيقة على أن الالتزام باحترام حرية التعبير بوصفها ركيزة أساسية من ركائز العمل الاعلامى العربى على أن تمارس هذه الحرية بالوعى والمسئولية بما من شأنه حماية المصالح العليا للدول العربية وللوطن العربى واحترام حريات الاخرين وحقوقهم والالتزام بأخلاقيات مهنة الاعلام ثانيا: أن مضمون الوثيقة ليس جديدا وانما ينطلق من المواثيق الدولية والعربية المتعلقة بالعمل الاعلامى اذ تتطابق مع المواثيق الاعلامية المعتمدة من الاتحاد الاوربى ومع ما صدر عن القمة العالمية لمجتمع المعلومات كما تعد مراجعة واعادة تأكيد لضرورة التزام القنوات الفضائية بكل من ميثاق الشرف الاعلامى العربى والاستراتيجية العربية لمواجهة تحديات القرن الحادى والعشرين والوثيقة الاطارية للتكامل بين السياسات الاعلامية والثقافية فى الوطن العربي ، كما ان مساله التنظيم في حد ذاتها ليست بدعه عربية بل هي موجوده في اعتى البلدان في الممارسات الديموقراطية مثل هيئة الاتصالات الفيدرالية الامريكية والمفوضية الاوربية .
ثالثا: أن الوثيقة اهتمت بتشجيع الاعلام الهادف بما تضمنته من الحرص على الارتقاء بمضمون الرسالة الاعلامية وضبطها أخلاقيا ومهنيا بما يحقق الهدف المنشود من وراء انشاء القنوات الفضائية كوسائل اعلامية ترفيهية وتثقيفية وتنويرية وبما يضمن فى ذات الوقت احترام مبدأ السيادة الوطنية لكل دولة واحترام خصوصية الافراد والامتناع عن التحريض على الكراهية أو التمييز القائم على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الدين والالتزام بالموضوعية والامانة واحترام كرامة الدول والشعوب وسيادتها الوطنية وعدم تناول قادتها أو الرموز الوطنية والدينية بالتجريح. رابعا: أن الهدف من الوثيقة لا يقتصر فقط على تطوير الاداء المهنى للقنوات الفضائية وانما تسعى الوثيقة الى مواكبة التقدم المتسارع فى صناعة الاعلام ومرافقه وخدماته وملاحقة التطور الجوهرى فى امكانياته وقدراته مع تحقيق نوع من التوازن والتكافوء بين قدرات العمل الاعلامى التقنية والادائية بما يمكنه من الاضطلاع بمسئولياته فى التحديث والتطوير المجتمعي. خامسا:تهدف الوثيقة لحماية الهوية العربية من التأثيرات السلبية للعولمة والحفاظ على خصوصيات المجتمع العربى من خلال دعوتها لكافة القنوات الفضائية الى العمل من أجل اثراء شخصية الانسان العربى والعمل على تكاملها قوميا وانمائها فكريا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا والحفاظ على اللغة العربية مع الامتناع عن بث كل ما يتعارض مع توجهات التضامن العربى أو مع تعزيز أواصر التعاون والتكامل بين الدول العربية أو يعرضها للخطر
سادسا : تمثل الوثيقة امتداد لميثاق الشرف الاعلامي العربي ولكنها تتميز بوجود جانب تنفيذي وطرحها لآليات لتطبيق بنودها ومن ثم فانها انطلقت من الجانب النظري الى الجانب التطبيقي بما يهدف الى ان تكون الرسالة الاعلامية مسئولة بعيدا عن استخدامها أداة لهدم واثارة الفتنة فى المجتمعات العربية لتحقيق مصالح ضيقة أو تنفيذ أجندات خارجية مدى الفاعلية هدفت الوثيقة لمعالجة التطور المستمر في الفضاء الاعلامي العربي ومعالجة التجاوزات التي صاحبت هذا التطور ، وعلى الرغم من وجود عدد من الاعتراضات او الغموض الذي استغلة معارضي الوثيقة للهجوم عليها الا انها تعد على الاقل فرصة للحوار بين المسؤولين الحكوميين الذين أقروها وبين القائمين على الفضائيات العربية للوصول إلى نقطة تلاقٍ خاصة مع تشعب الظاهرة الاعلامية وتنوعها بشكل المشاهد العربي بالدرجة الأولى، وتضع المعايير الإعلامية الحاكمة لأداء الفضائيات بشرط تنقيتها من كل ما يمكن أن يثير القيود على حرياتها، ومن ثم فان الترويج لاستخدام هذه الوثيقة لقمع الحريات ومحاولة تسيسها امرا قد يكون غير مبرر وذلك لعدة امور اولها ان العالم العربي اصبح يعيش في عصر السماوات المفتوحة وتنوع مصادر المعرفة من وسائل تقليدية الى وسائل اخرى غير تقليدية كالاعلام الالكتروني الذي يرتفع بة سقف الحرية عن البث الفضائي وثانيهما درجة التاثير السلبي على القنوات الخاصة التي تستهدف في المقام الاول زيادة عدد مشاهديها والتي تدر دخلا للحكومات لا بأس بة عن طريق بثها على الاقمار الصناعية العربية والتي كانت لها السبق في خلق اعلام عربي حر في مواجهه السيطرة الاعلامية الخارجية وثالثهما ان العالم العربي اصبح واقعيا يمارس درجة لا باس من الحرية السياسية عن فترات اخرى سابقة ومن ثم فان ذلك الحق اصبح غير قابل للانتزاع او التراجع من قبل الحكومات العربية او درجة قبول شعوبها
ورابعهما ان الوثيقة لن تخرج عن اطارها التنظيمي والاسترشادي وغير الملزم إذا كانت بمثابة ميثاق شرف، فإنها ليست مسيسة بالمرة، خاصة أن ما يتم تقديمه بالفضائيات العربية لا يتعدى السياسي منه 12% والبقية محتوى إعلامي متنوع. بالوثيقة عددا من الضوابط الإيجابية التي تمنع على الفضائيات التحريض على الرذيلة والعنف والمذهبية. وخامسهما انه اذا كانت التجاوزات شيئ طبيعي في ظل المناخ الديموقراطي فان فاعلية العمل على الحد منها تتطلب تنمية الوعي بالخصوصية والمهنية الاعلامية في اطار ميثاق الشرف الاعلامي
ومن ثم فان الوثيقة قد تشكل ردعا للمخالفات بشكل يحرك منظومة الاعلام الى اعلام هادف وتنموي اما سادسهما ان فاعليه الوثيقة تتوقف على ما سوف تتخذه كل دولة لسن قوانيين ملزمة تنفذ ما جاء بالوثيقة وعلى ادراك حقيقة ان المعلومات اصبحت متاحة عن طريق وسائل اخرى كالانترنت وغيرها من وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات وسابعهما ان مسئولية التفعيل للوثيقة تحتاج الى تضافر كافة الجهود لانجاح ميثاق الشرف الاعلامي وليس فقط مسئولية الحكومات بل مسئولية مؤسسات المجتمع المدني وكذلك القطاع الخاص و الافراد ، ومن اجل دعم حرية تداول المعلومات واحترام الخصوصبة وغيرها بما يشكل ضمانه لتفعيل ميثاق الشرف الاعلامي العربي .
* باحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام
http://acpss.ahram.org.eg/Ahram/2008/2/26/COMM0.HTM