لا بد من أن قشعريرة أخذت مدير جهاز الاستخبارات البريطاني «أم آي 6» حين شاهد فيلم جايمس بوند الأخير: «الطيف». وليس ما هاله تدمير مبنى الجهاز هذا فحسب،
بل لحظة اكتشاف أن الاستخبارات السرية البريطانية ستحل وتغلق الأبواب لتتربع محلها وكالة فائقة تجمع الداتا والبيانات وتسرقها. فالخيال في هذا الفيلم يكاد يكون من بنات الواقع. والتجسس هو من أقدم مهن العالم، وجهاز الاستخبارات «أم آي 6» بالغ الشعبية وتحتفي به الثقافة الشعبية في بريطانيا. ولكنه شأن غيره من أجهزة الاستخبارات، يجبه أزمة وجودية علتها هي البيانات.
ويرى مدير الاستخبارات البريطانية، ألكس يونغر، أن ثمة أوجه شبه بين التطورات التكنولوجية اليوم وبين سباق التسلح. فالغلبة ستكون للجهاز الذي سيفلح في الاستفادة من البيانات واستخدامها. ولذا، يسعى جهاز «أم آي 6» الى الإجابة عن سؤالين: ما هو السر في العصر الرقمي؟ وما السبيل الى الحفاظ عليه وحفظه في منأى عن القراصنة؟ ويقضي عمل الجاسوس بسرقة الأسرار من طريق رصد المكالمات ووسائل التواصل وفك شيفرة الرموز والكودات. ورصد المعلومات الواردة في إشارات كهرومغناطيسية هو عمل «وكالة الأمن القومي» الأميركية، و «مركز التواصل في الحكومة البريطانية». ولكن التجسس البشري يقتضي وضع جواسيس اليد على معلومات سرية. وفي أيام الحرب الباردة، كان دور الآلات ثانوياً في الاستخبارات البشرية. وكان يومها التجسس يقتصر على لقاء بين مصدر معلومات ومتلقيها على قارعة طريق في برلين أو فيينا من دون أن يتقفى أحدهم أثر الجاسوس. ولكن منذ عشرين عاماً، مع اتصال أجهزة الكومبيوتر بالشبكة الالكترونية، انقلبت أحوال الاستخبارات رأساً على عقب. وأدركت أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية والروسية أن التجسس السيبيرنيطيقي بالغ الأهمية: ففي الإمكان استخراج كمية ضخمة من المعلومات من غير المغامرة بالاعتقال أو بتحمل التبعات. ويقول ألكس يونغر أن على عاتق الجواسيس الجدد الإمساك بمقاليد البيانات والسيطرة عليها وعدم لفت الأنظار والقدرة على العمل في أصقاع المعمورة كلها.
والتكنولوجيا الجديدة حافلة بالإمكانات (الفرص) والأخطار. وتجنيد الجواسيس يقتضي رصد المرشحين المحتملين. وعلى سبيل المثل، إذا كان المرء يسعى الى معرفة معلومات عن برنامج عسكري نووي سري في بلد ما، فحري به أن يتقرب من رجال أعمال متورطين في تهريب معدات غير مشروعة. فهؤلاء مصدر معلومات وازن، والتقرب منهم ومعرفة ما يحملهم على التعاون وتزويد الجهاز بالمعلومات من مهمات الجاسوس. وفي المتناول معرفة اهتمامات الأشخاص وعلاقاتهم بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي، وفهم ما في طيات «الشخص - الهدف»، ومراقبة تحركاته في العالم المادي.
و «صوامع المعلومات الشخصية» - قواعد المعلومات كما تسميها الحكومة البريطانية- هي مصادر معلومات بارزة وأساسية. وتلجأ الاستخبارات البريطانية الى هذه الصوامع لرصد الأشخاص الذين يهمها أمرهم، وتتبع علاقاتهم بالخارج وصلاتهم المهنية خارج البلاد وحجوزاتهم على الشبكة واشتراكاتهم في مجلات. وقواعد البيانات تحتوي على قدر ضخم من المعلومات (ملايين البيانات) عن المواطنين، سواء كانوا أبرياء أم لا.
وتقول وكالات الاستخبارات أن جمع البيانات والاطلاع عليها مقيدان. فالبحث في قاعدة البيانات مقيد بشروط تسبغ عليه مشروعية، منها الضرورة ونسبية الاطلاع والإذن. والنسبية تفترض تقليص عدد نتائج البحث. وعلى سبيل المثل، قد تظهر الأبحاث أن المهندس الفلاني غير ميسور في آخر الشهر. فترسي الاستخبارات أنظمة تنبهها إذا حجز المهندس هذا غرفة في فندق، ثم ترسل عميلاً من «أم آي 6» الى قاعة الفندق للتعرف الى «الهدف»، ولحظة اللقاء حيوية ودقيقة.
وفي الأمس القريب، كان تسليم المعلومات يدوياً من المخبر الى الجاسوس، وكانت لحظة التسليم خطيرة: احتمال كشف العلاقة بين الرجلين. ولكن اليوم عمليات التسليم تجرى بعيداً من الشارع ومن العالم الواقعي: بواسطة برامج كومبيوتر. وفي 2006، أعلنت روسيا أنها وقعت على « حجر- جاسوس» زرعته الاستخبارات البريطانية: الحجر مزود بأجهزة إرسال واستقبال تسمح للعميل بنقل بيانات حين يكون على مقربة من المصدر. وحين يقترب من الحجر يستقبل المعلومات. والتجسس ليس سرقة معلومات فحسب، بل حماية الأسرار كذلك وحفظها في مكان آمن. وحمايتها صارت عسيرة ومعقدة منذ بروز قواعد البيانات البيومترية (بصمة العين وغيرها) في المراكز الحدودية. ففي الماضي، كان الجاسوس يعبر الحدود حاملاً جواز سفر مزوراً فيلتقي المخبر ثم يعود أدراجه. ولكن اليوم مع انتشار أجهزة البصمة الرقمية أو بصمة العين في المطارات، لم يعد في الإمكان استخدام جوازات مزورة. وقبل سنوات قليلة، كان الجاسوس يخفي أي أثر له أو صورته في دائرة العلانية. ولكن اليوم، يندر ألا يملك شاب في عمر ما دون الثلاثين صفحة على مواقع التعارف الاجتماعي وحياة رقمية مترامية الأطراف. والغياب عن مواقع التواصل الاجتماعي يلف المرء بهالة الغموض والسرية. وأجرى «أم آي 6» اختباراً لمعرفة الوقت الذي يقتضيه كشف هوية العميل السري بواسطة محرك البحث غوغل: أقل من دقيقة.
وفي حزيران (يونيو) 2015، قرصنت نظم «مكتب إدارة شؤون الموظفين» الأميركية، وحصل القراصنة على البيانات الشخصية لـ21 مليون موظف في الإدارة الأميركية. وعم الذعر واشنطن. فعملاء جهاز «سي آي إي» غير مدرجين في هذه اللوائح، وفي وسع أي جهاز استخبارات أجنبية مقارنة أسماء العاملين في سفارة ما بقائمة البيانات الشخصية. فإذا غابت عن القائمة، ثبت أنهم جواسيس أو عملاء متخفّون. وإثر هذه الحادثة، سعى المسؤولون البريطانيون الى توزيع البيانات على أكثر من قاعدة معلومات في المملكة المتحدة، فلا تطيح بها هجمة قرصنة واحدة. والبيانات البيومترية سلاح ذو حدين. واليوم، صارت عسيرة مقابلة عميل، على رغم أنها كانت تقتصر على لقاء سريع في زاوية معتمة. ولكن اليوم كاميرات المراقبة تملأ الشوارع وترصد كل شاردة وواردة. والهواتف الخليوية وغيرها من الأدوات الرقمية ترصد كل تحركات المرء، وتحفظها. وهذه التكنولوجيا تغير وجه عمل الجواسيس. وشطر راجح من عمل الجواسيس مثل الاستماع الى حوار على طاولة مجاورة أو رصد مكالمة وتسجيلها وتتبع شخص ما، تقوم به اليوم برامج الكترونية بالغة التعقيد قادرة على رصد الوجوه أو مشية المرء وطريقة سيره. ودمجت «أم آي6» قسم البحث والتطوير مع القسم العملاني، وعززت التكامل بينهما. فاليوم يجرى إعداد العمليات بمشاركة محلل الاستخبارات والمعلومات وخبير في التكنولوجيا. فالضابط ليس رجلاً يعاونه عدد كبير من المساعدين، بل عضو في فريق.
وفي عصر ترصد فيه كل حركة وكلمة على الخط، يحتاج الجواسيس الى تكتيكات جديدة. وبعضهم يعود الى حلول من «العصور الوسطى»، أي البقاء خارج الشبكة الالكترونية واللجوء الى وسائل الاتصالات التقليدية. وإثر ما كشفه إدوارد سنودن، نفضت دول كثيرة الغبار عن آلات الطباعة القديمة وعن الحبر الخفي. وقبل عقد من الزمن، نظر الجواسيس الى ما يسمى معلومات «مشرعة» (open source)، ولكنهم، اليوم، يرون أن هذه المعلومات لا تقدر بثمن ويجمعونها بواسطة الحيلة والرصد وليس بواسطة محرك البحث غوغل. وفي الماضي القريب، كانت المعلومات المشرعة تجمع بواسطة الاطلاع على الصحف ومتابعة وسائل الإعلام الأجنبية. ولكن مع الحركة الخضراء الإيرانية في 2009 و «الربيع العربي» في 2011، تغيرت النظرة الى مصادر المعلومات المشرعة والمفتوحة. فهذه الانتفاضات نظمت بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي. ويقول جنرال بريطاني أنه في الإمكان رصد 85 في المئة من معلومات الاستخبارات العسكرية في مصادر مفتوحة ومشرعة الأبواب. ولم يعد عسيراً الحصول على إحداثيات موقع جغرافي.
* مراسل شؤون الأمن السيبيرنيطيقي في «بي بي سي» البريطانية، صاحب «سايبر سبايز»، عن موقع «وايرد» الأميركي، 8/2016، إعداد منال نحاس