يتناول هذا البحث قضية هامة من قضايا مستجدات القرن الحادي والعشرين، تلك هي قضية العولمة وتقنية المعلومات السياسية وتبعاتها المتعددة والمختلفة. الافتتاحية عادة
يتناول هذا البحث قضية هامة من قضايا مستجدات القرن الحادي والعشرين، تلك هي قضية العولمة وتقنية المعلومات السياسية وتبعاتها المتعددة والمختلفة. الافتتاحية عادة تعنى بالمفاهيم وعناصرها الأساسية...ثم من بعد ذلك الانتقال إلى توضيح ما طرأ على المجتمع، قطرياً ودولياً، من جراء استعمال أهم آليات العولمة، ألا وهي التقانة الحديثة في السياسة. وللمستجدات متطلبات ثم خصائص، ثم تحديات لا بدّ من توضيحها وبلورتها. من بعد ذلك يغوص البحث في الآثار السياسية في داخل كلّ بلد، وفي المستوى الإقليمي ثم المستوى الدولي. بيت القصيد في مستوى الأمن السياسي. الأمن السياسي داخل كلّ قطر، والأمن السياسي الدولي... أي السلام الإقليمي والعالمي. Details عولمة المعلومات السياسية: تأمين للسلام وتهديد للهوية د. حسن علي الساعوري مدير جامعة النيلين ملخص: يتناول هذا البحث قضية هامة من قضايا مستجدات القرن الحادي والعشرين، تلك هي قضية العولمة وتقنية المعلومات السياسية وتبعاتها المتعددة والمختلفة. الافتتاحية عادة تعنى بالمفاهيم وعناصرها الأساسية...ثم من بعد ذلك الانتقال إلى توضيح ما طرأ على المجتمع، قطرياً ودولياً، من جراء استعمال أهم آليات العولمة، ألا وهي التقانة الحديثة في السياسة. وللمستجدات متطلبات ثم خصائص، ثم تحديات لا بدّ من توضيحها وبلورتها.
من بعد ذلك يغوص البحث في الآثار السياسية في داخل كلّ بلد، وفي المستوى الإقليمي ثم المستوى الدولي. بيت القصيد في مستوى الأمن السياسي. الأمن السياسي داخل كل قطر، والأمن السياسي الدولي... أي السلام الإقليمي والعالمي. الفرضية الرئيسية للبحث تشير إلى أن تقنية المعلومات السياسية سلاح ذو حدين.. الصالح منها والطالح، كل بحسب ظرف الزمان وظرف المكان، أي بحسب درجات التقدّم في السلم الحضاري وبحسب درجة التخلف والتقدم. وأخيراً بحسب طبيعة بناء النظام الدولي، والعلاقات العضوية بين أعضائه. صالح كله عند البعض، وعند الآخرين صالح وطالح على السواء مع الاختلاف في الدرجة. واكبت ظاهرة العولمة أهمية المعلومات وتقنياتها. كان من آثار هذه الظاهرة ما هو صالح وما هو طالح على الدول النامية، بما في ذلك العالم العربي .
يتعرض هذا البحث ، بشكل موجز ، لتبعات هذه الآثار ، وتتم المناقشة على عدة محاور هي : عصر المعلومات ، وتقانة المعلومات والعلاقات الدولية ، وتقانة المعلومات والهوية القومية . عصر المعلومات : ميلاد القرن الحادي والعشرين شهد ميلاد عصر المعلومات . هذا العصر رسخته ثورة المعلومات التي جاءت في عدة تطورات : تحويل كل شيء إلي أرقام ، وشبكة الإنترنت ، وشبكة الحاسوب الشخصي ، والبريد الإلكتروني ، والمكتبات الإلكترونية ، والتجارة الإلكترونية ، والهاتف الخلوي المتصل بالإنترنت ، وإدارة الأعمال العالمية . بانتشار مجتمع المعلومات تحول العالم من العصر الصناعي إلي عصر المعلومات ، وبرزت سماته الأساسية في الآتي
:[1] · صارت المعلومات مصدراً ، أو مورداً اقتصادياً ولهذا اعتبرت المعرفة سلعة تجارية مثلها مثل الموارد الاقتصادية التقليدية . · نشأ قطاع معلوماتي داخل النظام الإقتصادي مهمته تقديم التسهيلات والخدمات المعلوماتية للجميع : الأفراد والمؤسّسات ، رسمية كانت أم شعبية. · أصبحت المعلومات آلية جماهيرية لأداء كلّ أوجه النشاط اليومي ، بكلّ أنواعه وفي كلّ مستوياته . · استغلال الكمبيوتر بواسطة : الإدارات العليا ساعد على بلوغ درجة عالية من الدقة في اتخاذ القرارات. وقد كان له كذلك فوائد جمة في المجالات المختلفة بما في ذلك الأمن والدفاع ، والطب والتعليم . · نشأت الشبكات المعلوماتية المحلية والعالمية ثم ربطها ربطاُ محكماً مع بعضها الآخر .وقد أحدث ذلك تغييرات كمية في مقدار المعلومات المتدققة ونوعيتها. وبالتالي توحدت كثير من المصالح المحلية بالعالمية . · أصبحت نظم الحكم معلوماتية وتأثرت بذلك النظم الإقليمية والدولية . المجال السياسي العالمي بدأ يحل، شيئاً فشيئاً، مكان المجال السياسي المحلي .
هذه هي مقولة عولمة السياسة ... اتساع المجال السياسـي العالمي على حساب المحلي ... والقوانين الدولية على حساب التشريعات القطرية . تقانة المعلومات والعلاقات الدولية : الآثار المباشرة لتقانة المعلومات السياسية ، لم تكن مقصورة فقط على مستوى الدولة القطرية، وإنما انداحت لتشمل العلاقات بين كلّ دولة وأخرى من ناحية ، والعلاقات في بنية النظام الدولي من ناحية أخرى . كان لذلك مقدمات تعتبر هي الأساس لانطلاق ثورة المعلومات ، تلك هي ظاهرة الاعتماد المتبادل التي بدأت في الربع الأخير من القرن العشرين ، وظاهرة العولمة التي إنتشرت في بـداية الألفيـة الثالثة
[2] . الظاهرة الأولى أوضحت أن العلاقات الدولية لم تعد علاقات دول فقط ، وإنما هنالك فاعلون جدد ، وعوامل جديدة . أصبحت درجة اعتماد دولة على دولة ما في أمر من الأمور هي أساس قوة هذه الدولة وليست القوة العسكرية ، ثم ظهرت منظمات دولية رسمية أو شبة رسمية أو شعبية تشارك الدول في صناعة القرار. لهذا أصبح وصف الساحة الدولية يختصر بالآتي : · تختلف أهداف الدولة بحسب القضايا المطروحة لأن المؤسّسات الحكومية العالمية تجعل مهمة تحديد الأهداف عسيرة. · إن وسائل القوة والنفوذ للدولة تكمن في استغلال حالة الإعتماد المتبادل، وفي دور المنظمات الدولية المختلفة. · توزيع مصادر القوة هو المؤثر في تحديد الأجندة.
· لم تعد القوة العسكرية هي وسيلة الدول العظمي لتحقيق الأهداف ، وإنما درجة الاعتماد المتبادل إزاء الآخرين. · دور المنظمات الدولية في تحديد الأجندة يعطي الدولة الضعيفة فرصة للنفوذ. · دور المنظمات الدولية في عملية التفاعل الدولي ينتقص من سيادة الدول من غير أن يقابل ذلك بالرفض الصريح. وجدت هذه الظواهر جواً مؤاتياً أثناء الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي ، وبخاصة في المراحل الأخيرة التي سميت بالتعايش السلمي بين الخصوم . ثم أصبحت هذه الارضية المناسبة لبزوغ فجر الظاهرة الثانية ، ألا وهي العولمة .
سمات ظاهرة العولمة تمثلت في ما يلي [3] : · الزيادة الكبيرة في درجة التبادل في كلّ شيء. · الإنتقال من تبادل السلع إلى تبادل الأفكار والمعلومات. · بروز قوة الشركات متعددة الجنسيات . · زيادة درجة التغيير الذي حدث في مركز الدولة من خلال النموّ الذي حدث في العلاقات الاجتماعية . · وصول نمط الإنتاج الرأسمالي إلى الانتقال من عالمية التبادل والتوزيع إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج وبالتالي السيطرة على الإقتصاد العالمي . · أصبح لمفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية واقتصاد السوق أولوية قصوى تتعدى السيادة الوطنية والشؤون الداخلية. · التركيز على الشبكات المالية والمعلوماتية العابرة للحدود التي تؤثر على إتجاهات السياسة العالمية . ·
تحوّل الاهتمام بالقضايا العسكرية والأمنية الخاصة بالتوازن الاستراتيجي إلى الاهتمام بالأمن الإقليمي والأمن الغذائي. برزت الدعوة إلى وحدة دول الشمال " الغنية " ، لتسيطر على دول الجنوب الفقيرة والمكتظة بالسكان ، ليس لاستغلال ثرواتها فقط ، ولكن لمواجهة الاضطرابات ، والتمردات والثورات فيه . · ثورة الاتصالات جعلت المعلومات تتخطى الحدود وبقية الحواجز السياسية ، وبالتالي أصبحت الدولة غير قادرة على تشكيل البناء المعرفي لأفرادها . النتيجة النهائية لهذه التطورات ظهور عالم جديد ... عالم بلا حدود ... ما سمي في ما بعد بعولمة السياسة. هذا هو " حضور الكلّ في كلّ شيء ... أنه نوع جديد من انتشار الحداثة . فبدلاً من انتشار الحداثة في مجتمعات ما بعد الصناعية عبر مدى ثلاثة قرون جاء انتشارها اليوم في ظرف لا يتعدّى العقد الواحد من الزمان، وبالتالي هي حالة حضارية يصعب التحكم فيها وهي متجهة إلي دمج العالم " [4]. كانت هذه حركة تسير ببطء غير محسوس في الفترة الأولى – فترة الإعتماد المتبادل وصعود نجم المنظمات الدولية المتعددة.
ولكن جاءت ثورة الاتصالات بكلّ ما تلاها من تقانة معلومات في كلّ شيء ، فأسرعت باكتمال الدائرة – دائرة التحول إلى العـالم القـرية ... دائرة الانتقال من التركيز على الموارد الاقتصادية والعسكرية إلى الموارد المعلوماتية ... دائرة تجاهل المسافات والجغرافيا إلى دائرة الزمن ... وبالتالي دائرة توحيد العالم في كلّ شيء ... توحيد العالم اقتصادياً ، وأمنياً ، وسياسياً ، واجتماعياً، وثقافياً . تقانة المعـلومات عكست العـولمة الاقتصادية بكـل أبعـادها ومستوياتها المختلفة [5] . اعتمد الاقتصاد العالمي على تطوير البنى التحتية بالتقنية . تمثل ذلك في عولمة إنتاج المعلومات ، وبناء شبكات إنتاج عالمية . وبالتالي انتشرت شبكات الاتصال العالمية ، وانتشرت وسائل توظيفها سواء كان ذلك بالراديو ، أم بالتلفاز ، أم بالتلفون أم بالفاكس والتلكس ، أو بالحاسبات الآلية .
هذا التحول التقاني أدّى إلى طي المسافات. أين أنت لا تعني شيئاً الآن ، المهم الأسواق والمجتمعات والحكومات . التركيز على العلاقة بين هذه الثلاثة بحساب الزمن لا بحساب المسافات . مميزات هذه الثورة المعلوماتية لا تستفيد منها إلا الدول التي تستطيع الارتباط بالشبكات العالمية. ولا يتأتى هذا الارتباط إلا بالتقدم التقني ، والقدرة على استعمال تقانة المعلوماتية. ولما كانت تقانة المعلوماتية صناعة غربية ، فقد تربّع الغرب الرأسمالي على قمتها . فأصبح هو صاحب التطوير وصاحب الانتقال والاستعمال . ومن هنا ، أصبحت تقانة المعلومات هي الوسيلة الوحيدة للتطور واللحاق بركب الحضارة . فأصبحت مرافئ تقانة المعلومات هي مفتاح التعامل مع الاقتصاد العالمي . ولأن الدول لا تتساوى وفقاً لهذا المعيار ، فإن درجة الاعتماد إرتبطت بمن يهيمن على قمة التقانة العالمية ( وسائل الإتصال وبصفة خاصة تقانة الأقمار الصناعية ) .
فكان إنتاج ونشر البيانات الاقتصادية ثم تحليلها بعد النمذجة وعمليات صناعة القرار …. ومن ثم ، أصبح الاقتصاد العالمي في يد الغرب الرأسمالي ، وإن جاءت الهيمنة باسم المنظمة الدولية … منظمة التجارة العالمية التي أصبحت سيدة اقتصاديات العالم تفرض الشروط من بعد الشروط ، وتضع المعايير من بعد المعايير. النتيجة كانت، ترسيخ عقيدة جديدة في العالم . تلك هي عقيدة ثقافة الاستهلاك التي استطاعت أن تحوّل كل وسائل الإعلام العامة ومضامينها إلى فرص أو إلى سوق لبيع الأفكار والقيم المعيارية والمنتوجات . الإعلام الدعائي العالمي نجح في خلق حاجات استهلاكية عالمية في كل شيء في المأكل ، وفي الملبس ، وفي المسكن ، وفي التعليم ، وفي الترفيه …..و…..الخ . العولمة الإقتصادية كانت الوسائل الناعمة لعولمة السياسة … كانت المقومات الأساسية لسحب البساط من تحت الدولة القطرية …، فتتناقص السيادة شيئاً فشيئاً ، من غير ضجيج ، إلى أعلى درجات وحدة العالم …. إلى درجة إلغاء الجغرافيا . الهدف هو إقامة عالم بلا حدود تنتقل فيه الحداثة من المحلية إلى العالمية [6].
هذه بداية لحضور " الكل العالمي " الذي يقود إلى إضعاف الدولة الوطنية ، ثم يتدرّج الأمر إلى حين قيام حكومة عالمية مركزية تعالج القضايا الإنسانية المشتركة ، وبخاصة حقوق الإنسان .( ما يحدث على أرض الواقع هو بروز مجال سياسي عالمي يكبر ويزداد حضوراً وتاثيراً ، ويتمحور أساساً حول العالم الواحد وليس حول الدولة أو الوحدات السياسية المنغلقة . في المجال السياسي العالمي ، الدولة ليست وحدها مركز السياسة ، وهي ليست مسؤولية مسؤولية كاملة عن أفرادها وأمنها ، وبيئتها وحتى مصيره .)[7] هل معنى ذلك أن العولمة السياسية تلغي الدولة من الوجود ؟ ثورة الاتصالات وتقانة المعلومات ألغت المسافات والحدود والجغرافيا فأصبحت الأحداث السياسية حاضرة في كلّ مكان، وأصبح الاهتمام بهذه الأحداث قادماً من كلّ مكان . ثم إن هيمنة القطب الواحد الأمريكي على الساحة الدولية اقتصادياً وتقنياً ومعلوماتياً جعلت هذا الاهتمام شعبياً وقانونياً ودولياً. فاغتنمت أميركا الفرصة، الحكومة والمنظمات الدولية ، وما شاكلها ،فأرادت إكمال دائرة توحيد العالم تحت سيطرتها ، فبدت المظاهر الآتية.[8] · النظام الدولي بعد نهاية الحرب الباردة وبعد القناعة بمعيارية المنظمات الدولية واقتصاد الشركات متعددة الجنسيات ، أدّى إلى السماح بالتنازل عن بعض سمات السيادة الوطنية لتحقيق أكبر قدر من التعاون الدولي .
· هناك أسباب سياسية أو اقتصادية في العالم النامي تعمل على هدم كيان الدولة ، كالحروب الأهلية والكوارث ، وذلك ما يستدعي التدخل الدولي خصماً على السيادة القومية .... عجز الدولة الوطنية عن القيام بالمهام المنوطة بها. · ثورة الاتصالات والمعلومات فجرت إمكانات هائلة لنمو قوّة عالمية جديدة . قوى شعبية تعرف بالقوة الثالثة ـ ألا وهي منظمات المجتمع المدني العالمية . بذلك يكون عصر المعلومات قد هيأ المناخ لقيام مجتمع مدني عالمي يشكّل حضوراً في كلّ الأحداث السياسية ، زماناً ومكاناً ، وبالتالي يصبح له نفوذ في ترسيخ معايير سياسية دولية لا علاقة لها بالحدود الجغرافية. · بعض الدول النامية تستدعي الدول العظمى لتوفير الأمن لها وحمايتها مقابل التدخل السافر في الشؤون الداخلية . · ضغوط حركة العولمة أدّت إلى تنازل بعض الدول عن سيادتها ، كأن تدخل في اندماج ، أو اتحاد ، مع الوسط الإقليمي ، أو التاريخي ، أو الثقافي ، أو لكل ذلك. كادت هذه المظاهر الخمسة للعولمة السياسية أن تكون الأساس المتين لبداية انحسار مدّ الدولة القومية ، إلا أن الأقوى من ذلك كان تيار عولمة الأمن . الأمن الدولي المتعلق بالجريمة ليكون أساس التفاهم المشترك بين جميع دول العالم ، ثم إنداح الأمر شيئاً فشيئاً حتى وصول حقوق الإنسان في كلّ مستوياتها .... ولأن ثورة الاتصالات والمعلومات كانت دافعاً لكل جديد في المتغيرات الدولية ، فقد أصبحت احدى الوسائل الناجعة للتعامل معها . فأصبحت وسيلة للأمن الدولي الاقتصادي ، ووسيلة للأمن الدولي السياسي ، ووسيلة للأمن الدولي العام. لذلك أصبحت البنية التحتية بالاتصالات والانترنت ، بنية تحتية معلوماتية للعالم كله .
أصبح الأمن العالمي يرتبط بكـل ما يدعم ، أو ما يهـدد ، هـذه البنية التحتية .[9]إذن ، تقانة المعلومات أمنياً أصبحت رابطاً قوياً لدول العالم ، سواء رضيت بنقصان السيادة القومية ، أم رفضت. وبالتالي ، فإن الأمن الدولي أصبح يعرف بأمن المعلومات ، والحروب حروب المعلومات . الخطورة ليست على الثروات والموارد ، كما كانت سابقاً ، وإنما على تدمير البناء المعلوماتي للدولة، وتخريب نظمها العسكرية والإدارية . لكل ذلك ، يصبح الأمـن الوطني جزءاً لا يتجزأ من الأمن الدولي . تقانة المعلومات ،إذن ، ولدت أنموذجاً جديداً من الأمن .... أمن واحد لكلّ العالم .... كما الاتجاه لاقتصاد عالمي واحد ... والاثنان معاً يؤسسان لعالم سياسي واحد .بذلك يتوحّد الأمن الوطني والأمن العالمي .... فيصبح الأمن هو الوجود الآمن الخالي من الصراعات ، والمستبق للأزمات ، والأمن الاقتصادي الاجتماعي ، والأمن من إستعمال القوة العسكرية .ذلك يتضح في تحديد أركان الأمن الدولي الذي أشارت إليه لجنة إدارة شؤون المجتمع العالمي :[10] 1- الاعتراف بالحق في الوجود الآمن والالتزام الدولي بذلك . 2- ضرورة منع الصراعات والحروب كأهداف أساسية للأمن العالمي ، وتعزيز ظروف الحياة والنظم المعززة لها ، وإزالة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية المهددة لها . 3- استباق الأزمات وإدارتها قبل تصاعدها إلى صراعات مسلحة . 4- عدم استخدام القوة العسكرية كأداة سياسية مشروعة إلا للدفاع عن النفس . 5- عدم تنمية القدرات العسكرية أكثر من الحاجة الوطنية .
هذه هي الأركان الأساسية للأمن الوطني والدولي ( المندمجات ) في أمن واحد . وهي أركان يواجهها نوعان من التحديات ، تحديات داخلية وتحديات خارجية . التحديات الداخلية تتضمن التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان . والتكييف مع متطلبات مجتمع المعلومات ونقص الكفاءات. أما التحديات الخارجية فتشمل : قوة المعلوماتية لعملية صناعة القرار الاقتصادي والاداري ، والحاجة إلى المعدات والبرمجيات ، وضعف البناء المعلوماتي الكوني ، وبالتالي يصبح عرضة للتعطيل . من ذلك ، التشريعات المعلوماتية ، والتعاون الدولي الوثيق في هذا الخصوص. بإختصار، تحديات الأمن الوطني والدولي هي :كلّ ما يهدد صناعة المعلوماتية ، وما يهدد أساسيات مجتمع المعلومات ، وكل من يستغل شبكة المعلومات لتدمير أركان المجتمع الآمن..... المجتمع الآمن بتعريفه الجديد أعلاه . قد يكون هذا الأمن المندمج مفيداً في بعض الحالات ، وهي حالات أهمها الجرائم الدولية وفض النزاعات ، وحفظ السلام هنا أو هناك . استغلال شبكة المعلومات لأعمال تخريبية يعتبر أكبر ثغرات الإنترنت. الأفراد والجماعات قد يستخدموها لأغراض خاصة بهم ..... أو قل ليس للصالح العام . ذلك قد تسهل محاربته بالتعاون الدولي ، ولكن هنالك ثغرات تستغلها مؤسّسات رسمية ، والمعنى بذلك أجهزة الاستخبارات العالمية التي توظف إمكانات الإنترنت الهائلة في الآتي :[11] · توظيف الألفاظ والصور والتقديرات والإيماءات والتحريض والحقائق والأكاذيب ، وذلك لإلحاق الخسائر المادية والنفسية لدى الخصوم . · استغلال المعلومات وتحليلاتها لوضع السياسات الاستخباراتية للتأثير على الرأي العام أو على صانع القرار السياسي . · عبر الإنترنت يسهل تجنيد العملاء ومصادر المعلومات،ويسهل توظيفهم .
· أصبحت الإنترنت ساحة لحرب المعلومات وهي حرب بغير دماء . وهي حرب ليس من الممكن التحكم الكامل في مجالها ونتائجها .ذلك نتيجة لتعـدد أطرافها ، ولصعوبة اكتشاف الهجوم إلا بعد تفاقم الخسائر ، إذ كل المطلوب جهاز كمبيوتر ونقطة اتصال بالإنترنت . · إنشاء قاعدة بيانات عن الدول والأشخاص الذين قد يكونون هدفاً يوماً ما . · تعميم المعلـومات وتبادلها بين أجهزة المخابرات داخل الدولة أو مع دول أخرى . · عمليات التجسس المختلفة ، على الأشخاص أو الجماعات ، أو الدول . · إعلان حرب معلومات للتأثير على عمليات التخزين والإدخال والمعالجة والإرسال ، أو التحكم في نظم المعلومات للمنشآت الحيوية والاستراتيجية عند الخصوم والأعداء . وهذا الأمر تتمتع به الدول العظمى ، أميركا وأوربا ، نسبة لإمكانيات الضخمة في مجال الإنترنت والاتصالات .
ومن المعروف إن الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ باحتكار الإنترنت وتقوم بتوجيه أقمار تجسس لرصد اتصالات الأجهزة السلكية واللاسلكية . ثغرة استغلال الإنترنت بواسطة الاستخبارات الدولية، ثغرة لا تتيسر معالجتها لأنها من فعل الدول العظمى .... الدول صاحبة إنتاج المعلوماتية....وصاحبة فك شفراتها وطرق معالجتها .وبالتالي ، يصعب التحوّط ضدها، أو حتى محاولة تجاوزها . ومن ثم، تصبح الدولة النامية والمبتدئة في دخول عصر المعلومات، عاجزة عن تأمين نفسها، فتلجأ إلى الاستعانة بدول الغرب، أوروبا وأميركا واليابان . تقانة المعلومات والهوية القومية فعلت العولمة الاقتصادية والعولمة السياسية قطرياً ودولياً فعلتها المتوقعة في العالم المتوقع بلا حدود ... عندما يصبح الأمن القطري جزءاً من الأمن الدولي . الطموح هنا – نظرياً – التطلع إلى المجتمع الدولي. الواحد، ومن ثم ، المواطنة الواحدة ... المواطنة العالمية ، والهوية الإنسانية بدلاً من الهوية القومية . فيكون التطور التاريخي للبشرية من القبلية إلى الوطنية إلى المذهبية ثم أخيراً إلى العالمية ... بيت القصيد هو توحيد الثقافات في ثقافة واحدة ، هي الثقافة العالمية. هذا التصور ينطلق من توحيد الأمن الذي استدعى توحيد التشريعات والقوانين ... وترسيخ " القانون الدولي" في كلّ المجالات. لم تأت محاولة الثقافة الواحدة عالمياً في خطة واضحة صريحة ، ولكنها أُخضعت لثورة الاتصالات وتقانة المعلومات ... ترك الأمر لوسائل الإنتاج الثقافي الحديثة من خلال الصورة التي تعبر حواجز الّلغة في كل إتجاه أسرع وأسهل من أي وسيط سابق ..... تسود الثقافة الجماهيرية العالمية من خلال كافة الوسائل التي دخل بها الفن البصري والجرافيكي مباشرة إلي إعادة تشكيل الحياة الشعبية ... [12] .
هذه ثقافة عالمية عامة ، ولكنها تأتي بواسطة لغات عدّة : الأفلام ، والتلفاز ، والتصوير ، والدعاية ... إلخ وكلّ ذلك يبثّ عبر أجهزة الاتصال العالمية التي أصبحت في متناول الجميع ... وبإعجاب الجميع .والإعجاب يغري بالتقليد ، وتكرار التقليد يغرس الثقافة الجديدة . فتأتي الثقافة العالمية وتتسرب في النفوس علي مستويات متعدّدة في وقت واحد[13] . مستوى القيم الإنسانية العامة، ومستوى السلع المعيارية العالمية ، ومستوى المصالح العامة ، ومستوى المنهج العلمي الواحد، ثم اندياح شبكة إتصال كقاعدة لكل هذه المستويات .هناك ميزتان أساسيتان لهذه الثقافة العالمية، احتكارها بواسطة الغرب، وقدرتها على استيعاب وعولمة كل ما هو خاص [14] . أميركا وأوروبا تحتكران آليات الثقافة العالمية : التكنولوجيا الغربية ورأس المال الغربي ، والعمالة الماهرة الغربية فضلاً عن القصص والخيال الغربيين . تحرك هذه المحتكرات الثقافة الجماهيرية بالّلغة الإنجليزية التي أصبحت لغة عالمية .
أما الميزة الثانية ، فهي قدرتها على تحقيق التجانس على الرغم من اختلاف القيم والثقافات المحلية . هي قدرة على امتصاص كلّ ما بدا مختلفاً بين هذه الدولة الغربية أو تلك. القدرة علي توحيد كلّ أعراف وتقاليد الشعوب الأوروبية والغربية في نمط واحد يكون هـو الثقافة ( المتجانسة ) الواحدة التي يراد لها أن تستوعب بواسطة كلّ شعوب العالم . معنى ذلك أن الثقافة العالمية هي انتشار كلّ ما هو غربي : الحداثة الغربية ، والشكل العلمي للعقلانية البنيوية ، والرأسمالية ، والدولة البيروقراطية ، والتمثيل الشعبي في الأنماط السياسية . المطلوب تشكيل مجتمع جديد فوق المجتمعات المحلية متحرراً من كل انتماء لغوي أو قومي أو ثقافي ليتم الاندماج في مجتمع عالمي واحد منسجم بأعراف وتقاليد وقيم عالمية واحدة .... هي القيم الغربية والتقاليد والأعراف التي نشأت عبر مراحل تاريخ الغرب [15]. هكذا يراد لشعوب العالم إن أرادت أن تلحق بركب الحضارة. وبذلك تستحق الإعانة بعد الإعانة في مشاريعها التنموية . ولكن الواقع المعاش اليوم يشير للمشكلات التي أثارتها هـذه المحاولات ، إلي درجـة جعلت البعض يصف هـذا العصر بعصـر "الإبادة الثقافية " [16] .
ذلك لأن الاندماج العالمي ((حرّك عملية التفاعل والاحتكاك الثقافي بشكل سريع وتعسفي أحياناً ، ما أحدث تحولات جذرية وتوترات ثقافية ، نتيجة صعوبة إدراك واستيعاب قيم المنظومات الثقافية للآخر ( الغرب ) من جهة ، ونتيجة الاستعلاء الثقافي والتمركز الذاتي والتي تحول دون الاعتراف بالنسبية الثقافية من جهة أخرى . وهذا ما فتح الباب لشعور عدة فضاءات ثقافية غير غربية بضرورة مواجهة المد الثقافي الغربي))[17] . فكانت الحركات الأصولية الدينية والحركات الأصولية القومية التي بدأت تسيس البحث عن الذات ... البحث عن الهوية ولو كان ذلك بأساليب متطرفة . والنتيجة ، إذاً ، توتر جدلية الحداثة والتأصيل الثقافي ، وتوتر بين جدلية العالمي والمحلي ، وتوتر بين العالمي والخاص . ذلك توتر يمكن إجماله في : دوامة جدلية التجانس والاختلاف التي أزكتها تقنيات عصر المعلومات التي أغرت ، بدورها ، دول الغرب لتوحيد العالم ثقافياً .
ولكن الواقع يشير إلي أنه نجح نجاحاً نسبياً في توحيد العالم اقتصادياً وأمنياً ، ونجاحاً ، كذلك، في تفكيك العالم ثقافياً . لم تكن ثقافة المعلومات مسؤولة مسؤولية مباشرة من عملية تهديد الهويات الثقـافية المختلفة في العالم ، ولكن المسؤول هو الذي حاول أن يسخرها "لإبادة ثقافية" تمهد الطريق لعولمة ثقافته ... لتكون ثقافة آحادية مثلما يراد للنظام الدولي أن يكون كذلك.. أن يكون إمبراطورية عالمية . خلاصة البحث: جملة القول في الآثار المترتبة عن تقنية المعلومات السياسية ثلاث ظواهر تختلف من مكان وإلى آخر اختلاف درجة . تلك هي دورها في الاستقرار السياسي والحكم الراشد ، ودورها في العلاقات الدولية ، ودورها في تهديد الهوية القومية. أما في العلاقات الدولية ، فقد أكملت تقانة المعلومات السياسية دائرة العالم القـرية ..... أو القرية الكونية. تقانة المعلومات رسخت فكرة الاقتصاد الدولي ، والمجتمع الدولي ، والقانون الدولي ، والأمن الدولي ، والسياسة الدولية ، كلّ ذلك على حساب الدولة القطرية . لم يعد الأمن أمن دولة واحدة ، وإنما أمن كلّ الدول . لم تعد المشكلات السياسية أو الاجتماعية في دولة ما شخص هذه الدولة ، وإنما تهم المجتمع الدولي بأكمله . فبدأت الحدود السياسية تتراجع لتصبح شيئاً من التاريخ. كلّ ذلك يحدث بدرجة عالية من القبول هنا ، وبدرجات متفاوتة هناك . تقانة المعلومات تسارع ، شيئاً فشيئاً ، بترسيخ قبول فكرة المجتمع العالمي الواحد ، وبالتالي وجوب فرض السياسات العالمية الواحدة لتطبق على الجميع دون إعتراضات ـ بالطبع السياسات العالمية الواحدة في كـلّ شيء قد تغـني ، مؤقتاً ، عن السلطة العالمية الواحدة .ذلك ،لأن السلطة العالمية الواحدة ، هي الحكومية العالمية التي يستحيل قبولها حالياً. وأخيراً، المجتمع العالمي الواحد المتوجه نحو السياسات العالمية الواحدة ، أصبح بفضل تقنية المعلومات في أيدي أصحاب تقنية المعلومات معدات وأجهزة وبرمجيات . تلك هي أميركا وأوروبا أي الدول الغربية . الدول الغربية تخطط لنشر الثقافة الغربية عبر تقنية المعلومات .ذلك معناه استبدال الثقافات المحلية ، بثقافة عالمية، هي الثقافة الغربية . ردّ الفعل عالمياً جاء رفضاً جملة وتفصيلاً بالإعلان ، جاء رفضاً بأقصى درجات التطرف وبشتى أنواع الإرهاب المحلي والإرهاب الدولي.بذلك ، تكون محاولة استغلال تقنية المعلومات لاستبدال ثقافة بثقافة ، محاولة قد قادت إلى عدم الاستقرار السياسي محلياً وعالمياً. [1] أحمد أبو زيد ، المعرفة وصناعة المستقبل ، ( الكويت : وزارة الإعلام – مجلة العربي ، 2005 ) ، ص 114-123 . [2] أنظر حسن الساعوري ،" 11 سبتمبر ميلاد إمبراطورية العالم " في كتاب : العلاقات السودانية الأمريكية ، تحرير مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا ، ( الخرطوم ، 2003 9 ، ص 104 – 115 . [3] Ohmmae,k, The Borderless world : Power and strategy In The Interlinked Economy , (New York : Harper Business , 1999 ) . [4] حسن الساعوري ، المرجع السابق ، ص 116 . [5] Axtamann, Roland, liberal Democrcy Into The Twenty – First Century: Globalization, Integration and the Nation State, (Manchester: Mancheste University Press, 1996), pp.118-121. [6] عبد الخالق عبد الله، " عولمة السياسة والعولمة السياسية " ، المستقبل العربي ن بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، العدد 278،2004،ص 24 ـ31 . [7] المرجع السابق ، ص28 . [8] أحمد ابو زيد ، المرج السابق ، ص 24ـ33 . [9] ذياب البداينة ، الأمن وحروب المعلومات ،( عمان : دار الشروق للنشر والتوزيع ،2002)،ص 22 . [10] المرجع السابق ،ص 22 . [11] عادل عبد الصادق ، " الإنترنت ساحة جديدة للتجسس الدولي " تحليلات عربية ودولية،WWW.org.eg/acpss/ahram/200/1/1/ANAL 709.HTM-17K k 20/9/2007م الساعة 12 ظ [12] أنطوني كنج ، الثقافة والعولمة والنظام العالمي ، ( القاهرة الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 2001م ) ، ص 53 . [13] Axtmann , op.cit., p. 123. [14] انطوني كنج ، المرجع السابق ، ص 54-55 . [15] أنظر ، اندرو باسيفتش ، الإمبراطورية الإمريكية : حقائق وعواقب الديمقراطية الأمريكية ،(بيروت : الدار العربية للعلوم ،2002) ،ص 153ـ154 . [16] محمد سعدي ،مستقبل العلاقات الدولية : من صراع الحضارات إلي أنسنة الحضارة وثقافة السلام ، ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 2006 ) ،ص34 [17] المرجع السابق ، ص 266 .