المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

كيف نواجه مخزن الكراهية الدينية عبر المنصات الرقمية ؟

📅 14-11-2021 06:09 ص | 👁️ المشاهدات: 1503 | كتب: د. عادل عبد الصادق*
تعد مشكلة نشر او اعادة نشر محتوى عنيف او محرض على الكراهية الدينية من اهم المشكلات التي تواجه المستخدمين عبر المنصات الرقمية ، وبخاصة مع امكانية تاثيرها على توجهات الراي العام او على غير مستخدمي تلك المنصات الرقمية ،وقضت المحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة اليوم الإثنين الماضي الموافق 21 مارس 2022 ، برفض الطعن المقام من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، والذي يطالب بوقف تنفيذ وإلغاء الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري، بإلزام الجهاز بالتدخل لإلزام الشركات المرخص لها بخدمة الإنترنت في مصر بحجب المواقع الشيعية بصفة عامة من على شبكة الإنترنت. وتعد مشكلة نشر او اعادة نشر محتوى عنيف او محرض على الكراهية الدينية من اهم المشكلات التي تواجه المستخدمين عبر المنصات الرقمية ، وبخاصة مع امكانية تاثيرها على توجهات الراي العام او على غير مستخدمي تلك المنصات الرقمية ، وياتي ذلك بعد قرار سابق حول التعامل مع المواقع الاباحية ،

 وتعد مشكلة انتاج محتوى محرض على الكراهية الدينية قضية ترتبط ببعض المتطرفين من كل  الاديان، والذين يحاولون ان يوظفوا الثورة الرقمية والاتصالية في تهديد الامن والسلم الاجتماعي ونشر خطابهم المتطرف، أو انتهاك لحرية الاعتقاد او  الازدراء او التقليل من شأنه دين ما او معتقدات او شخصيات دينية .  وهو ما يثير العديد من التساؤلات حول دور المجتمع في مواجهة المحتوى المتطرف ؟ وما هو دور الشبكات الاجتماعية في مواجهة المحتوى المحرض على الكراهية ؟ وما هو دور المواجهة التشريعية والتقنية ؟ وما هي الجدوي والفاعلية في منع تاثير المواقع التي تحمل مضامين مختلفة او تمثل انتهاكا للقيم الدينية والاجتماعية او الثقافية وذلك عبر حجبها او منعها من النشر او الانتشار الى الداخل ؟، وهل تلك المواقع تمثل البوابة الوحيدة لنشر تلك المضامين ام ان هناك نوافذ اخري يمكن الوولوج من خلالها ؟، وما هي الضمانة الحقيقة للحفاظ على القيم الدينية والثقافية من التاثيرات الخارجية التي تبث عبر المجال السيبراني ؟ وما هو طبيعة دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية والدينية والاعلامية في مواجهة تلك التاثيرات العابرة ؟ وكيف السبيل الى بناء وعي فردي وجماعي يحصن المجتمع من التاثيرات السلبية للمحتوى المحرض على الكراهية الدينية؟ وكيف يمكن الفصل بين حرية الاعتقاد والراي والتعبير من جهة وبين تحول ذلك الى تهديد للامن الاجتماعي من جهة اخرى ؟

اولا، بداية متكررة ما يين التوظيف السياسي والديني

كان من حيثيات حكم محكمة القضاء الإداري في الدعوى المقامة من سمير صبري المحامي، والتي طالب فيها بإغلاق ووقف بث المواقع والقنوات الشيعية وتضمن منطوقه بقبول الدعوى شكلا وفي الموضوع بإلغاء قرار الجهة الإدارية السلبي بالامتناع عن إصدارها قرارها بإلزام الشركات المرخص لها بخدمة الإنترنت في مصر بحجب المواقع الشيعية بصفة عامة وموقع ابن النفيس الاخباري بصفة خاصة من على شبكة الإنترنت مع ما يترتب على ذلك من آثاره، وألزمت المدعي عليه المصروفات وأتعاب المحاماة.

وقضت المحكمة بوقف قرار جهة الإدارة بالامتناع عن إصدار قرارها بإلزام الشركات المرخص لها بخدمة الإنترنت في مصر، بحجب المواقع الشيعية بصفة عامة، وموقع ابن النفيس الإخباري بصفة خاصة، من على شبكة الإنترنت، وإلزام صاحب الموقع المصاريف.وصدر الحكم برئاسة المستشار فتحي توفيق رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين رأفت عبد الحميد، وحامد محمود المورالي نائبي رئيس مجلس الدولة.واختصمت الدعوى التي حملت رقم 1965 لسنة 71 ق، رئيس الوزراء وآخرين، وطالبت الدعوى بإصدار حكم قضائي بإغلاق، ووقف بث جميع المواقع الشيعية بصفة عامة، ومن ضمنها موقع النفيس.

وبذلك فقد انهت  محكمة القضاء الاداري جدلا استمر لسنوات، بقبول دعوى إغلاق ووقف بث المواقع والقنوات الشيعية ، والامتناع عن إصدار تراخيص للشركات الناشرة لمواقع وقنوات ذات مرجعية شيعية، وتحديداً عبر خدمات الإنترنت في مصر.وحجب المواقع والقنوات على جميع الأراضي المصرية والتي يبلغ عددها 13 قناة وموقعا.وجاء القرار بناء على الدعوى المرفوعة من المحامي سمير صبري، والتي طالب فيها بإغلاق ووقف بث المواقع والقنوات الشيعية بصفة عامة، وموقع النفيس بصفة خاصة لأضرارها المتعددة وتأثيرها السلبي على المجتمع.واتهم صاحب الدعوى أن تلك القنوات  “تسبب في إحداث حالة من الانقسام في النسيج المجتمعي المصري”.

وكانت قد ظهرت مطالبات مماثلة  بحجب المواقع الاباحية  بداية من الحكم الصادر من محكمة القضاء الاداري بحجب المواقع الإباحية في عام 2009 ، وتلي ذلك اقامة دعاوى مماثلة ما بين عامي 2015، والعام 2017 وحملت مطالبات بإغلاق هذه القنوات، والجدير بالذكر ان  الدستور المصري ينص  في المادة 57 حرمة الحياة الخاصة وأنها مصونة لا تمس وأن للمراسلات البريدية والبرقية والإلكترونية والمحادثات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال حرمة وسريتها مكفولة ولا تجوز مصادرتها أو الاطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب ولمدة محددة.

وينص الدستور في المادة 64 على حرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الديانات السماوية. ولم يميز على أي نحو بين السنة والشيعة والطوائف الأخرى.وأكد الدستور فى المادة 65 أن حرية الفكر والرأى مكفولة، وأن لكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو بالتصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر.

وقد صدر القانون رقم 175 لسنة 2018 في شأن مكافحة الجريمة الالكترونية ، والذي تنص المادة(7)  منه على اعطاء  سلطة حجب مواقع الانترنت لجهات التحقيق بعد أخذ موافقة من المحكمة، وإعطاء جهات التحري والضبط (جهاز الشرطة) سلطة إخطار الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بحجب مؤقت للمواقع في حالة الاستعجال لوجود خطر حال أو ضرر وشيك الوقوع من ارتكاب جريمة.وينص قانون تنظيم الاتصالات في المادة 67 منه، على إمكانية إخضاع شبكات الاتصالات لصالح السلطات المختصة في الدولة، وبالتالي إمكانية مطالبتها بحجب المواقع.كما تنص  المادة (49) من قانون مكافحة الإرهاب: "وللنيابة العامة أو سلطة التحقيق المختصة وقف المواقع المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 29 من هذا القانون أو حجبها أو حجب ما يتضمنه أي وجه من أوجه الاستخدام المنصوص عليها في هذه المادة والتحفظ على الأجهزة والمعدات المستخدمة في الجريمة". 

 

ثانيا ، علاقة متجددة بين الرقمنة والدين  

تختلف كل من تكنولوجيا المعلومات والدين في الاستجابة السريعة للتغيير، بينما يتفقان في الرغبة في الانتشار عبر الكون، فالدين بطبيعته يستند إلى مجموعة من القواعد والمعايير الأخلاقية التي لا تقبل التطور لأنها تكون من أسس ذلك الدين، أما التكنولوجيا فإنها بطبيعتها متغيرة وتتطور بتغير الابتكارات والمهارات الفردية لمستخدميها. بتعبير آخر فإن الدين يميل بطبيعته للمحافظة، بينما تميل التكنولوجيا بطبيعتها إلى التغير باستمرار، فهى لا ترتبط إلا بمعايير السوق والمال والابتكار .
وقد استفادت الأديان كغيرها من مزايا الانترنت لتوفير مادة مستمرة وسريعة ومتفاعلة عن الدين، وللرد على منتقديه، والتأكيد على النزعة الكونية له، و كان للإسلام والمسيحية السبق لاعتمادهما على الدعوة التبشيرية بخلاف اليهودية وبث مبادئهما والوعى بها وتجنيد أتباعهما.

بالرغم من الاعتقاد السائد بان الأصوليين هم أكثر الناس معاداة للحداثة والتكنولوجيا إلا أن الرؤية التحليلية لهم توضح أنهم لا يعارضون الحداثة إلا بقدر انتهاكها لقيمهم المحلية والتقليدية ، حيث سعوا بمختلف أشكالهم الفكرية والسياسية والدينية لاستخدام الانترنت لخلق نمط جديد ومختلف يتناسب مع مجتمعاتهم ويواكب السياق الاجتماعى المشترك وتغير طبيعة التفاعل مع المؤسسات الاجتماعية.

وتؤمن الحركات الأصولية الدينية بشكل صارم بالقيم، وتتمتع بدرجة عالية من التماسك الداخلى بين أعضائها بمعزل عن العالم الخارجى الذى يحيط بها ، ودائما ما ترجع إلى التاريخ حيث المصدر النقى للمعتقدات بدون أى تغيرات براجماتية، و تأخذ تلك الأصوليات اتجاها فكريا فقط أو اتجاها عسكريا فى محاولتها لهدم الواقع للعودة للمستقبل الذى منبعه التاريخ حيث القيم الأصيلة ، وتشترك فى ذلك كل الجماعات الأصولية سواء التى تتبع الديانات السماوية أو الوضعية على حد سواء .
وقد استخدمت الأصوليات على مستوى العالم الانترنت من خلال أربعة أبعاد وهى الهيراركية ، والسلطة الأبوية ،والتنظيم ، والعزلة ، فأصبحت أداة وجزءا من نشر الثقافة الأصولية، وأداة لتغيير الطرق التقليدية للحياة وساهمت فى وجود قوانين غير مكتوبة تتحكم فى سير تلك الأصولية الدينية، باستخدامها الانترنت كأداة للدفاع والحيلولة دون استخدمها كأداة للهجوم عليهم وعلى معتقداتهم الثابتة. وبذلك يصبح العالم أمام تكنولوجيا للثقافة تستخدم للترويج للقيم الثقافية المحلية، التى أصبحت معرضة للانتهاك تحت سقف العولمة الثقافية، حيث درجة التنميط لقيم واحدة قد تأخذ شكلا إنسانيا أو تعبر عن هيمنة ثقافة معينة.

ثمة الكثير من مسببات استخدام الانترنت والمنصات الرقمية كأداة لزرع الكراهية، إلا أن أهمها يتمثل أولا فيما يتعلق بخصائص وطبيعة الانترنت والمنصات الرقمية، وما توفره من مزايا نسبية مقارنة بالوسائل التقليدية الأخرى، سواء من حيث انتشارها أو قدرتها على صياغة الرسالة بشكل جيد. وثانيا حدوث تشابك للعامل الثقافى مع احتقانات داخلية تأخذ شكل تباينات اقتصادية وعرقية أو إثنية خاصة فى الدول الضعيفة فى بنائها القومى. وثالثا محاولة الاستغلال السياسى للدين وخاصة من قبل اليمين المتطرف فى أوروبا كنوع من التمييز ضد الأقلية العربية والإسلامية، أو تغليب العامل الأمنى على السياسى الذى يستغل الدين فى التعبئة والحشد كحالة المحافظين الجدد فى الولايات المتحدة. ورابعا هناك عامل يتعلق بأهمية وتصاعد دور الدين فى العلاقات الدولية وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وزيادة انتشار تكنولوجيا المعلومات بمعدلات متسارعة. وخامسا : قدرة المحتوى الرقمي في الانتشار بشكل متسارع وبخاصة في جانبه السلبي بدرجة اكبر من المواجهة ،سادسا، تصاعد دور الشبكات الاجتماعية في صياغة سياسات التعامل مع المحتوى المتطرف اوالعنيف، وسابعا ، تصاعد دور الفاعلين من غير الدول مثل الجماعات الارهابية واستخدامها للمنصات الرقمية في نشر خطابها المتطرف وبخاصة بين الشباب بحثا عن التجنيد والتاثير . وثامنا ، دفعت المنصات الرقمية إلى الإحساس المتزايد بالأنا مقابل محاولة الآخر فرض قيمه ومعتقداته، حيث كشفت عن الانتماءات الأولية والهويات التى كانت تعتبر سرية من قبل. وأثرت بالتالى فى أنماط المجتمعات من خلال التأثير على التراتبية الاجتماعية والوعى الجماعى و الهوية الشخصية

ثالثا ، مخزن جديد للكراهية الدينية

وتعد مشكلة انتاج محتوى محرض على الكراهية الدينية عبر المنصات الرقمية من القضايا التي  ترتبط ببعض المتطرفين من كل  الاديان، والذين يحاولون ان يوظفوا الثورة الرقمية والاتصالية في تهديد الامن والسلم الاجتماعي ونشر خطابهم المتطرف، أو انتهاك لحرية الاعتقاد او  الازدراء او التقليل من شأنه دين ما او معتقدات او شخصيات دينية .

ومع ثورة الانترنت والاتصالات اصبح هذا المحتوى الذي يحض على الكراهية يتم انتشاره وبسرعة عن تطبيقات الشبكات الاجتماعية وبما يزيد من درجات التفاعل والتاثر مع ذلك المحتوى ، ويتم الترويج لتلك الفيديوهات من قبل اناس لتحقيق اهداف خاصة بتهديد السلم الاجتماعي او بث الفتنة الطائفية

ويحاول الفاعليين الجدد عبر المنصات الرقمية توظيف شبكة الإنترنت بعد ان اصبحت  فاعلا مؤثرا فى عملية إنتاج وإدارة وتوزيع العملية الثقافية فى العالم، لتدفع الأفراد للتعرف على أوجه عديدة للإنسانية ومتمايزة عن نظرتهم الأحادية، وبشكل يتم فيه التفاعل إلى حد الصدام ما بين القيم المحلية وما تفرضه عولمة الانترنت من تحد لتلك القيم والجماعات التي تدافع عنها فى صورتها التقليدية. ويأتى هذا مع تراجع الإعلام الجماهيرى لصالح الالكترونى، حيث لا سيادة للدولة عليه، في ظل قدرته على الانتشار وقدرته الفائقة على تضخيم جزئيات إعلامية بعيدا عن أهميتها النسبية عبر مواقع الانترنت. وفى هذا السياق بدأ البعض يستغل الانترنت فى بث الكراهية الدينية مع المختلف الدينى، وتتفاقم المشكلة مع تزايد أعداد تلك المواقع، بما يزيد من أهمية التساؤل عن الأسباب التى أدت إلى إنشاء تلك المواقع، ومدى تأثيرها وطرق عملها، وأخيرا مستقبلها؟

وياتي ذلك في ظل تصاعد دور المنصات الرقمية وبخاصة في ظل الشبكات الاجتماعية  والهواتف الذكية وتاثير ذلك في انتاج المحتوى والتاثير في الراي العام لدي المستخدمين لتلك المنصات من جهة والتاثير في غير المستخدمين من جهة اخري. وبخاصة مع وجود الملايين من المستخدمين  حول العالم ، وحالة الانفتاح ما بين الداخل والخارج ، بما يشكل جمهورا واسعا للرسالة الإعلامية، وفرصا أكبر للاتصال الدائم بين البشر عن طريق تكنولوجيا الاتصال، بما انعكس فى إعادة تشكيل الحدود بين المجالين العام والخاص. ومن ثم فقد ارتبط بها البشر ليس فقط للاستخدام اليومى المعروف، ولكن لنقل القيم والرموز المرتبطة بهم، حيث قسم الإعلام الالكترونى الجمهور لفئات ومجموعات صغيرة، و بدأ هذا التنوع يزيد بدوره من التشتت الثقافى والتمحور حول موضوعات محددة، وتاه التماثل الثقافى الذى ميز المجتمعات القومية، وتحول الإعلام الجماهيرى إلى إعلام فئوى يستخدم لاذكاء الصراعات العنصرية وتنمية اتجاهات الكره لدى الكثير من الفئات المناهضة لفئات أخرى. والجدير بالذكر أن تلك السمات أصبحت تتمتع بحضور دائم فى منظومة الإعلام الالكترونى ووسائله، وذلك فى سياق تطور تقنيات المعلومات المعاصرة، وتراجع قوة الدولة القومية لصالح فئات وجماعات، سرعان ما تصبح فيما بعد لقمة سائغة يسهل ابتلاعها ثقافيا واقتصاديا واجتماعية. إضافة إلى ذلك، فقد بدأت التكنولوجيا تأخذ مكانها ضمن سياقات مجتمعية تملك خصوصيات تاريخية لكنها تندرج فى الوقت نفسه ضمن الحراك الاجتماعى العالمى ، لما يتميز به الإعلام الالكترونى سواء من حيث كونه أداة رخيصة التكلفة، أو من حيث تنوع وسائله وسرعة انتشاره وتخطيه للحدود، وضعف الرقابة عليه، وقدرة أى فرد على التأثير فيه. وعلى الرغم من أن الإعلام الالكترونى قد شكل شكلا اجتماعيا جديدا من التواصل ـ وهو كثيف دون شك ـ لكنه صادر ومتلقى ومحسوس من قبل كل فرد على حدة، وتم امتلاكه فى مختلف أنحاء العالم من قبل كل الحركات الاجتماعية الساعية للتأثير على وسائل الإعلام الكبرى والتحكم فى المعلومات، وتكذيبها إذا لزم الأمر أو حتى إنتاجها، والقيام بدور فى زرع الشك وليس حصاد اليقين.

 وعلى الرغم من محاولات مواجهة نشر المحتوى المتطرف عبر المنصات الرقمية الا انه يتميز بالقدرة على انتقاله من حالة الجمود الى الانتشار او باعادة نشره مرة اخرى وربما يتجاوز نشر ذلك المحتوى الزمن الى اجيال في المستقبل مع القدرات المرتفعة على التخزين والاسترجاع والبحث والتصنيف واعادة النشر الى جانب التحكم في جودة المحتوى واضافة المؤثرات الصوتية والمرئية عبر المنصات الرقمية ، وهو الامر الذي من شأنه ان يساعد في  اتساع دوائر التاثير له ليس في الحاضر فقط بل كذلك وجود فرص له للتاثير في المستقبل وفي الاجيال القادمة ، ويحمل تاثيرات ممتدة ومن ثم فان مواجهة هذا النمط من المحتوى مهم للحد من التاثيرات الضارة ذات الطبيعة النفسية وبخاصة بين المراهقين او الشباب .  

رابعا ، مسببات واهداف بث الكراهية الدينية عبر المنصات الرقمية  

ثمة الكثير من مسببات استخدام الانترنت والمنصات الرقمية كأداة لزرع الكراهية، إلا أن أهمها يتمثل أولا فيما يتعلق بخصائص وطبيعة الانترنت والمنصات الرقمية، وما توفره من مزايا نسبية مقارنة بالوسائل التقليدية الأخرى، سواء من حيث انتشارها أو قدرتها على صياغة الرسالة بشكل جيد. وثانيا حدوث تشابك للعامل الثقافى مع احتقانات داخلية تأخذ شكل تباينات اقتصادية وعرقية أو إثنية خاصة فى الدول الضعيفة فى بنائها القومى. وثالثا محاولة الاستغلال السياسى للدين وخاصة من قبل اليمين المتطرف فى أوروبا كنوع من التمييز ضد الأقلية العربية والإسلامية، أو تغليب العامل الأمنى على السياسى الذى يستغل الدين فى التعبئة والحشد كحالة المحافظين الجدد فى الولايات المتحدة. ورابعا هناك عامل يتعلق بأهمية وتصاعد دور الدين فى العلاقات الدولية وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر وزيادة انتشار تكنولوجيا المعلومات بمعدلات متسارعة. وخامسا : قدرة المحتوى الرقمي في الانتشار بشكل متسارع وبخاصة في جانبه السلبي بدرجة اكبر من المواجهة ،سادسا، تصاعد دور الشبكات الاجتماعية في صياغة سياسات التعامل مع المحتوى المتطرف اوالعنيف، وسابعا ، تصاعد دور الفاعلين من غير الدول مثل الجماعات الارهابية واستخدامها للمنصات الرقمية في نشر خطابها المتطرف وبخاصة بين الشباب بحثا عن التجنيد والتاثير . وثامنا ، دفعت المنصات الرقمية إلى الإحساس المتزايد بالأنا مقابل محاولة الآخر فرض قيمه ومعتقداته، حيث كشفت عن الانتماءات الأولية والهويات التى كانت تعتبر سرية من قبل. وأثرت بالتالى فى أنماط المجتمعات من خلال التأثير على التراتبية الاجتماعية والوعى الجماعى و الهوية الشخصية

تتعدد أهداف المصات الرقمية الدينية على شبكة الانترنت بتعدد الموضوعات التى تركز عليها، فهناك أولا ،مواقع تركز على بث المادة الدينية الموجهة لأتباع الدين من خلال بث التعاليم والخطب والحوارات الدينية حول إحدى القضايا المثارة، وكذلك عرض النشأة التاريخية للدين وكيف تطور إلى الآن مع استخدام كافة الوسائل التقنية لجذب القارئ. وثانيا هناك مواقع تركز على زرع الشك فى أتباع الدين المخالف من خلال الاستناد إلى بعض الكتب الدينية القديمة غير المعروفة، أو الاستناد إلى ممارسات معينة ووصمها بأنها تمثل ذلك الدين، وكذلك اختلاق بعض الحوارات مع من يدعون أنهم تحولوا إلى الدين المخالف ثم قرروا العودة لدينهم الأصلى، والاستهزاء ببعض الرموز والشعائر من خلال رسوم الكاريكاتير، ونشر إشاعات وأخبار كاذبة كجزء من حرب نفسية. وثالثا هناك الأقسام الخاصة فى بعض المواقع المتعلقة بحوار الديانات، ولكن يتم عرضه بشكل غير موضوعى، بحيث يظهر التحيز سواء فى المساحة أو فى تقييد حرية الرد، فتفرد مساحات واسعة لمعتنقى دين صاحب الموقع. وعامة فإن تلك الأقسام تنتهج أسلوب التحريض غير المباشر. ورابعا فهناك بعض المواقع التى تتحدث عن الأديان السماوية، ولكنها تحاول التشكيك فى كل تلك الأديان من خلال مجموعة من اللادينيين أو من غلاة العلمانيين أو الشيوعيين. وخامسا هناك بعض المواقع التى تتناول الأديان بشكل خبرى مثل المواقع الإخبارية، والتى تكون امتدادا لإذاعات أو فضائيات  أو مواقع الموسوعات العلمية بطابعها الحيادى الى حد كبير.

خامسا ، بين الحجب والاتاحة  :كيف نواجه ومن سيبقى ؟

تعني عملية حجب المواقع سواء كانت ذات توجهات دينية او اسياسية هو العمل على منع تصفحها او القدرة على الوصول لها من قبل المستخدمين في الداخل ، وبشكل يمنع الوصول الى المحتوى الذي تحركة ، ويتم ذلك عبر تطبيقات تقنية للحجب من قبل المشغليين لشبكات الانترنت ، وعلى المستوى العملي ان نمو عملية الحجب من جانب الحكومات او من قبل المشغليين قد ادى الى ظهور برامج تفادي الحجب او الشبكات الخفية المعروفة VBN   او عبر برامج proxy  لكسر الحجب عبر توفير معرفات خارجية للتمكن من تصفح الموقع المحجوب ويتم تغيير تلك الايبهات من حين لاخر ومن موقع جغرافي الى اخر ، وياتي الى جابن ذلك نم صناعة التشفير من جانب الشركات التقنية المقدمة لخدمات الاتصالات او الشبكات الاجتماعية ،  وياتي الى دانب ذلك تطبيقات الانترنت العميق او المظلم  ، اواستخدام المجموعات السرية المغلقة عبر شبكات التواصل الاجتماعي ، او عبر مجموعات الواتس اب وغيرها .

 ويبقى التساؤل الأساسى هو هل يدفع ذلك التمايز والاختلاف الثقافى على الانترنت إلى التكامل والتفاهم حول رؤى مشتركة، أم سيخطفها الجانب المتشدد من كل طرف إلى ساحة المعركة حيث يكون الجميع خاسرين؟ وفى محاولة للإجابة على هذا التساؤل لابد من الإشارة إلى أن التطرف ليس له مستقبل، كون مسألة الطعن فى الأديان ككل أو احدها ليست بجديدة، كما أنها لا تأتى فقط من المتشددين من كل طرف، بل تأتى من أطراف أخرى كالتيار اليمينى المتطرف والجماعات اللادينية أو الفوضوية أو نتيجة لأهواء شخصية. وقد مثلت الانترنت مجالا خصبا لتلاقح الأفكار من اجل الخروج بفكر إنسانى مشترك، فجودة الفكرة واستمراريتها هى الأجدر على البقاء فى ظل سوق ثقافى تنافسى مفتوح ، ومن ثم فإن العالم ربما يمر بمرحلة تطور للأفكار دافعة إياه نحو التعايش، و حتى ما تعرضه المواقع المتطرفة فى التعرض للأديان وصلت إلى درجة أنها لم تستطع الإتيان بجديد فى أفكارها. ومن ثم فقد ينصرف الناس عنها إلى الأكثر انفتاحا ومرونة، وهو الأمر الذى دفع البعض من تلك المواقع إلى إحداث بعض التغيير فى سياستها التحريضية بتوسيع دائرة نشاطها الإعلامى، وذلك كمحاولة لزيادة عدد متصفحيها. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه حتى الآن لا توجد مواقع متخصصة فى إقامة حوار حقيقى بين الأديان والتى تعكس فى الغالب تواضع نتائج حوار الأديان على ارض الواقع. وهنا تأتى خطورة تغافل المثقفين عن مهمتهم باعتبار أنفسهم طبقة متميزة عن باقى الطبقات الموجودة، أو أنهم مجرد متفرجين على حجم التفاعلات من أجل رصدها، وليس بالضرورة محاولة تغييرها.

وتبقي الحصانة الحقيقية لمواجهة محاولات زرع الفتنة او التفاعل مع المحتوى المحرض على الكراهية هو وعي ومسئولية المستخدم عبر الشبكات الاجتماعية ، الى جانب اهمية تعزيز ثقافة التسامح والحوار واحترام الاخر ، ولاشك ان المجتمع العربي والمصري في عام 2021 قد تغير في درجات ثقافته عن ذي قبل حيث تصاعد الرشادة في التعامل مع المحتوي المتطرف من جهة ، وسقوط المنتسبين لحركات الاسلام السياسي في التجربة السياسية ، والتقدم الذي احرزته الدولة المصرية في مجال التنمية وثقافة المواطنة ، والتقدم في مجال التشريعات المواجهة للارهاب والتطرف والتحريض على العنف والكراهية ، ناهيك  عن تنامي  دور مؤسسات المجتمع المدني ومنصات الشبكات الاجتماعية في تعزيز خطاب العقلانية في مواجهة التطرف

وهناك دور كذلك للمنصات الرقمية التابعة للشركات التقنية والتي يجب ان تعمل على تحسين سياسات التعامل مع المحتوى المحرض على الكراهية سواء بالحذف او بحجب ناشروه عبر المنصات الرقمية ، ناهيك عن اهمية وعي المستخدمين انفسهم باستخدام ادوات الابلاغ عن المحتوى المحرض على الكراهية ، وعدم المشاركة في نشره والتي تؤدي الى  تقديم خدمة مجانية للمتطرفين .

انه من غير المتوقع ان توقف عملية نشر المحتوى المحرض على الكراهية بينما يمثل الضمانة الاساسية لمواجهته هي درجات الوعي لدى المواطن بمخاطر تلك الفيديوهات او المحتوى سواء عبر ثقافته المشبعة بالتسامح وقبول الاخر ناهيك عن العقلية الناقدة التي تستطيع ان تفرز الغث والثمين وتفسر اهداف من يقف وراء ترويج ذلك المحتوى ،والتي يمكن ان تتشكل عبر تعزيز دور المؤسسات التعليمية ، الى جانب دور المؤسسات الدينية والتي يجب ان تتحول وتتحرك بفاعلية عبر المجال السيبراني للرد وتقديم الاجابات حول التساؤلات المختلفة ، وذلك الى جانب اهمية دور وسائل الاعلام في فهم محددات التعامل مع تلك القضايا والحيلولة دون ان تتحول دون ان تدري الى منصات للترويح العكسي لذلك المحتوى المتطرف ،او ان تصعدة من نطاق محدود الانتشار الى تحولة الى ترند او اتجاه  بغض النظر عن دور وسائل الاعلام في التعبير عن القضايا التي تمثل اولويات لدى الراي العام وتعبر عن الامة واحلامة الحقيقية ، ويحكم مسارها وبوصلتها علاقة وسائل الاعلام بخدمة اهداف المجتمع والدولة.

 

*مدير المركز العربي لابحاث الفضاء الالكتروتي


© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)