تقنيات باهظة
لنأخذ تقنيات إزالة الكربون على سبيل المثال. في حال تجاوزنا ميزانية الكربون العالمية؛ فإنَّ التقنيات التي يمكن أن تساعدنا على إزالة مليارات الأطنان من الكربون من الغلاف الجوي، وكذلك من المداخن وتخزينها، قد تكون حاسمة. يذكر أنَّ تقنية احتجاز الكربون من الهواء مباشرةً تعمل بصورة جيدة، ولكن على نطاق محدود. فمثلاُ، ستقوم منشأة "أوركا" (Orca) الشهيرة المخصصة لاحتجاز الكربون من الهواء مباشرةً، والتي افتتحت في أيسلندا في سبتمبر الماضي، باحتجاز أربعة آلاف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، مما يجعلها المنشأة الأكبر في العالم لهذا الغرض. لكن هذا القدر من الانبعاثات السنوية يوازي تلك الصادرة عن نحو 250 فرداً من سكان الولايات المتحدة.
من جهة أخرى، تعد تكلفة الاستعانة بتلك التقنيات باهظة للغاية، إذ يمكن أن يدفع الأفراد ما يصل إلى 1200 دولار لاحتجاز كل طن متري من ثاني أكسيد الكربون، في حين تقترب تكلفة الاحتجاز بالجملة من 600 دولار. وحالياً، يتم تداول انبعاثات الكربون بالقرب من المستويات القياسية في السوق الأوروبية بأكثر من 70 يورو، أو ما يقرب من 80 دولاراً، في حين تشير الأبحاث إلى أنَّ السعر الذي يقل عن 100 دولار ليس مرغوباً فحسب؛ بل يمكن الوصول إليه أيضاً. وفي هذا الإطار، تستهدف مبادرة "إيرث شوت" (Earthshot) التابعة للحكومة الأمريكية، وصول سعر احتجاز وتخزين كل طن من الكربون إلى 100 دولار. غير أنَّ هذا الأمر يتطلب المزيد من رأس المال لبدء العمل، وليس حفنة من الشركات والأفراد الذين يريدون تعويض انبعاثاتهم فقط. كما يتعيّن على الحكومات التدخل وخلق الطلب للمساعدة على جذب اللاعبين الصناعيين الذين سيقومون بتوسيع نطاق تطبيق تلك التقنية.
الحاجة إلى التمويل
عادةً ما تشكل هذه المرحلة الناشئة التي تسبق طرح التقنية بشكل تجاري مجالاً لعمل رأس المال الاستثماري. ووفقاً لـ"بلومبرغ لأبحاث تمويل الطاقة المتجددة" (BNEF)؛ فقد قفز تمويل الشركات الناشئة في مجالي المناخ والتكنولوجيا النظيفة، في المراحل المبكرة، من قبل شركات الأسهم الخاصة ومسرّعي الاستثمار والمستثمرين، وجهات الاستثمار المشابهة، إلى مستوى قياسي خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام، ليصل إلى أقل بقليل من 37 مليار دولار. ومع ذلك؛ فإنَّ الكثير من ذلك التمويل يذهب إلى تحسين المجالات الموجودة بالفعل، فقد ارتفع تمويل شركات البطاريات وشركات السيارات الكهربائية. لكن الأهم من ذلك أنَّ رأس المال الاستثماري لا يمكنه حل هذه المشكلة بمفرده. ومن ثم، قد يكون لجذب اللاعبين الصناعيين إلى التكنولوجيا التي تنطوي على مخاطر أكثر، والتي تتمتع بتطبيقات فورية ومزايا صديقة للبيئة، أهمية أكبر في التطوير والاستخدام النهائيين.
التعليم والدعم الحكومي
إذاً؛ ما الذي ينبغي أن يحدث؟ يعتبر التعليم والحدّ من المخاطر من العوامل المساعدة. لن يقوم كبار المستثمرين، الذين لا ينخرطون في أحدث التقنيات، بتمويل ما لا يفهمونه أو يجربونه. كما يمكن لرأس المال الخيري والبنوك متعددة الأطراف أيضاً المساعدة على تقليل المخاطر، وفتح الاستثمارات أمام مجموعة أكبر من الداعمين المحتملين.
مع ذلك؛ فإنَّ العامل الحقيقي الذي من شأنه تغيير قواعد اللعبة، هو الدعم الحكومي وفق توجه سياسي واضح، وبشكل حاسم، من خلال خلق الطلب، الأمر الذي يمكن أن ينجح بشكل خاص في حال البناء على نقاط القوة الحالية، كما تفعل أوروبا مع الهيدروجين الأخضر.
التجربة الألمانية
بالعودة إلى الحديث عن مصادر الطاقة المتجددة، تقدِّم ألمانيا واحداً من النماذج الناجحة في هذا الصدد، وذلك من خلال سياستها الخاصة بتعريفات التغذية الكهربائية، والتي وفرت دعماً للطاقة من المحطات المتجددة على مدى عقدين من الزمان. لقد تم ضمان سعر ثابت لأي شخص يولّد الكهرباء عن طريق الرياح، أو الطاقة الشمسية، أو الكتلة الحيوية، وكان التسارع فورياً. ومن ثم أصبحت طاقة المواطن تشكل ظاهرة. في النهاية لم يكن الأمر سهلاً أو رخيصاً، لكنَّ مصادر الطاقة المتجددة تشكل الآن أكثر من 40% من استهلاك الطاقة في ألمانيا، وقد تم إلغاء الدعم تدريجياً. وشأنها شأن معايير حافظة الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة للرياح، ربما فعلت السياسة الألمانية المزيد لدعم مصادر الطاقة المتجددة أكثر مما فعلت الاكتشافات التقنية.
يصح القول، إنَّه لن تحقق كل تقنيات المناخ في المرحلة التالية انخفاضاً حاداً في الأسعار كما هو الحال في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. فبعض المشروعات، على سبيل المثال، في مجال احتجاز الكربون، أو الطاقة النووية، تعد مشروعات هندسية كبرى يصعب تكرارها وحسب. وبالطبع؛ لا تشكل حلولاً في حد ذاتها. لكنَّ تسريع هذه الحلول التي تبدو واعدة أكثر من غيرها، قد يجمل الفارق بين النجاح بحلول عام 2050، والفشل غير المقبول.