مجال مزدهر
بالنسبة لهول، يحب أن يكون هذا الرقم دقيقاً لأن طموحات شركته تعتمد على ذلك. فهو يريد أن تسيطر "أي دي. مي" على ما يُطلق عليه تسمية "طبقة تحديد الهوية على الإنترنت"، ما يجعل الشركة أشبه بحارس رقمي، على الرغم من أن البرنامج الإلكتروني لهذا الحارس قد لا يعمل دائماً بالشكل المناسب. يقول هول: "هدفنا هو أن نكون موجودين في أي مكان ترغب بأن تتواجد أنت به في المستقبل".
شركات التكنولوجيا الأمريكية تحذِّر من تهديد مشاريع قوانين الاحتكار للأمن القومي
وبالنسبة لمعظم الأشخاص، إنشاء حساب على "أي دي. مي" عملية سهلة جداً، فالشركة تدمج البيانات في الهاتف الذي تستخدمه والصور الشخصية التي تطلب منك إرسالها مع نسخ عن المستندات الحكومية للتأكد من أنك فعلاً الشخص الذي تدّعيه. وما أن تفعل ذلك، ستتمكن بحسب هول من القيام بكلّ ما تريده على الانترنت من الإجراءات المصرفية إلى الدخول إلى سجلاتك الصحية، حتى حجز غرفة فندقية بدون أن يُطلب منك باستمرار أن تقدم معلوماتك وتدخل كلمات المرور المختلفة. ومن المتوقع أن يستخدم ملايين الأمريكيين هذه العملية في موسم التصريح الضريبي الحالي. وفي نهاية المطاف، قد يمتلك كلّ مواطن أمريكي جواز سفر رقمي من "أي دي. مي".
تدفق الاستثمارات
جذبت رؤية هول هذه استثمارات بقيمة 275.5 مليون دولار من شركات من طراز "ألفابيت" و"مورغان ستانلي" ووزيرة التجارة الأمريكية السابقة بيني بريتزكر.
وحازت الشركة على ثقة 27 ولاية استعانت بخدمات "أي دي. مي" خلال الوباء، وأيضاً بثقة وزارة العمل التي أرست عليها خلال العام الماضي عقداً بقيمة مليار دولار من أجل تحديث أنظمة الكمبيوتر الحكومية. كذلك، استعانت مصلحة الضرائب بـ"أي دي. مي" من أجل مساعدة الأشخاص على التسجيل للحصول على مبالغ الإعفاءات الضريبية الشهرية للأطفال، والتي دخلت حيز التنفيذ في يوليو الماضي.
مع ذلك، يثير إحكام الشركة قبضتها على الصعيد المحلي في الولايات المتحدة سيلاً من الأسئلة، مثل: هل من الصحيح أن نوكل شركة خاصة بمسؤولية تقع عادة على عاتق الحكومات، من بينها التأكد من هوية مواطنيها؟ فتماماً مثلما لا نرغب على الأرجح في أن تتحكم "أمازون" أو "فيسبوك" بإمكانية دخولنا إلى السجلات الضريبية أو أي نظام إعانة حكومي حين تسوء الأمور، من غير الواضح بعد ما إذا كنا نريد فعلاً أن تتواجد "أي دي.مي" في كل مكان نرغب بأن نتواجد به.
تأسيس الشركة
انطلقت "أي دي. مي" قبل 12 عاماً تحت اسم آخر هو شركة "تروب سواب" (TroopSwap) وهي كانت أشبه بتقليد لموقع "كريغزليست" مخصص لمجتمع العسكريين. لاحقاً، حوّل هول وشريكه مات طومبسون، وهو أيضاً جندي سابق أصبح طالب ماجستير في إدارة الأعمال، الشركة إلى ما يشبه مواقع خدمات الحسومات مثل "غروبون".
ليست "أمازون" وحدها.. مكافحة الاحتكار في أمريكا تحتاج لإعادة إحياء
لكن الرجلان أدركا لاحقاً أن ثروة "تروب سواب" الحقيقية تكمن في برنامجها الالكتروني الذي مكّن المحاربين القدامى من إثبات أهليتهم لاستخدام الموقع بدون الاضطرار لتقديم وثائق تحمل أرقام الضمان الاجتماعي وغيرها من المعلومات الشخصية الحساسة.
قال هول إنه في أغلب الأحيان كان على الجنود السابقين أن يقدموا هذه المستندات من أجل الحصول على الرهونات العقارية المدعومة من وزارة شؤون قدامى المحاربين وإعانات الرعاية الصحية، وحتى للحصول على طبق مقبلات البصل في مطعم "أوتباك" للحوم خلال عيد المحاربين القدامى. وأضاف: "لا يبدو منطقياً أن تعطي رقم الضمان الاجتماعي الخاص بك لشخص غريب من أجل الحصول على طبق بصل مقلي مجاني".
في عام 2012، رأى هول وطومبسون أن الفرصة سانحة أمامهما، على الرغم أنهما لا يتمتعان بأي خلفية تكنولوجية. حيث أعلنت حينها إدارة الرئيس باراك أوباما عن الاستراتيجية الوطنية للهويات الموثقة في الفضاء الإلكتروني، والتي تهدف لتشجيع الشركات الخاصة على تطوير تقنيات للتحقق من الهويات. وقد اشترى فريق "تروب سواب" ملكية اسم "أي دي. مي"، وغير اسم الشركة، ثمّ فاز بمنحة بقيمة 2.6 مليون دولار من المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا التابع لوزارة التجارة.
التوغّل الحكومي
بحلول عام 2016، استخدم هول ذلك الدعم من أجل الحصول على عقود حكومية، بينها عقد للتحقق من الهويات لصالح وزارة شؤون قدامى المحاربين.
يقول طومبسون إن هول كان يدفع أيضاً باتجاه تبني استراتيجية تسويق بالعمولة، من خلال تقديم إعلانات وصفقات للأشخاص الذين وثَّقوا هوياتهم عبر "أي دي. مي"، وكان هذا السبب الرئيسي الذي دفع طومبسون في النهاية إلى ترك الشركة في عام 2015.
قال طومبسون الذي أصبح مديراً تنفيذاً متخصصاً في القطاع العام لدى شركة "سوكور" (Socure) وهي شركة منافسة تنشط هي الأخرى في مجال توثيق الهويات وكشف التزوير: "لا يجب أن يتم استهدافك من أجل التسويق لمجرد أنني بت أعرف الآن أنك عسكرياً، وبالتالي أصبح بإمكاني تسويق صفقات ذات طابع عسكري لك". (يرفض هول تبريرات طومبسون لمغادرته الشركة. ويقول إن لدى مستخدمي "أي دي. مي" الحق في اختيار ما إذا كانوا سيشاركون في أي حملات تسويقية أم لا، وهو مجال يشكل 10% من إيرادات الشركة، ولا يحق لأي طرف ثالث الاطلاع على بيانات المستخدم).
دفعة الوباء
كانت الفرصة الأكبر أمام "أي دي .مي" خلال عام 2020، حين تسبب الوباء بموجة من البطالة واضطرت المكاتب الحكومية المعنية بشؤون إعانات البطالة، للعمل عن بعد بشكل كامل.
وفيما انكبت الولايات على تحديث عملياتها الالكترونية من أجل توزيع إعانات البطالة المتراكمة، وجدت نفسها محاصرة بعمليات الاحتيال. وفي شهر يونيو من ذلك العام، أبرمت الشركة اتفاقيتها الأولى مع هيئة حكومية، حيث تم تكليفها بتوثيق الهويات لصالح مكتب التوظيف في فلوريدا، ما دفع الشركة إلى ضمّ عدد كبير من الموظفين لتلبية الطلب. فافتتحت الشركة ومقرّها في ضواحي واشنطن في فيرجينيا، أول مكتب فرعي لها في تامبا، بلغ عدد العاملين فيه 500 موظف. وخلال الأشهر الـ13 التالية، أبرمت "أي دي. مي" عقوداً مع 26 ولاية أخرى.
هل ينجح البرنامج في مهمته؟
وفي الحالة الطبيعية، تكون باستطاعة المستخدمين أن ينشؤوا ملفاً شخصياً على البرنامج الالكتروني خلال دقائق، ويمكّنهم ذلك لاحقاً من تقديم طلبات الحصول على إعانات البطالة أو إنشاء ملف الكتروني لدى مصلحة الضرائب. لكن حين يتعطل هذا البرنامج، فإن الأمر يصبح مأساوياً. حيث تطلب منك الخوارزميات أن تثبت هويتك، ولكن قد يتعذر عليك ذلك لأن البرنامج لا يرى أنك تشبه الصورة التي التقطت لك قبل زمن بعيد لدى إدارة تسجيل المركبات، أو لا يفهم لماذا غيرت عنوان سكنك منذ ذلك الحين أو لماذا تستخدم جهاز "أيفون" ابنتك مثلاً. وهذه المشاكل تعني أنه قد يتم تجميد إعانات البطالة المخصصة لك، أو تعليق حصولك على معلوماتك الضريبية أو حتى قدرتك على الاطلاع على سجلاتك الصحية إذا كنت من المحاربين القدامى.