المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

العملات الرقمية والتكنولوجيا المالية

📅 25-05-2022 03:35 م | 👁️ المشاهدات: 295 | كتب: إسوار براساد (الاقتصادية)
في كتابي الأخير بعنوان The Future of Money ودور العملات الرقمية والتكنولوجيات المالية الأخرى في إحداث تحول جذري في كل شيء بداية من الخدمات المصرفية المقدمة للمستهلكين حتى السياسة النقدية والمدفوعات الدولية، حيث تناولت المزايا والمخاطر الناتجة عن استخدام مختلف أشكال النقود الجديدة.


إن الأموال في صورتها النقدية أصبح مصيرها الفناء، حيث تمثل المدفوعات الرقمية وسيلة سهلة بالنسبة للمستهلكين والشركات، ما يجعل استمرار النقد أمرا مستبعدا للغاية. وفي الصين توجد جهتان لتقديم خدمات الدفع الخاصة، وهما شركة Alipay وشركة WeChat Pay. وقد نجحتا في تغطية الاقتصاد الصيني بالكامل من خلال توفير خدمات الدفع الرقمي بتكلفة منخفضة. فمن الممكن استخدام هذه الخدمات لإجراء عملية بسيطة كشراء قطعة من الفاكهة أو قطعتين من الفطائر من أحد الباعة الجائلين. وفي الاقتصادات المتقدمة مثل السويد، نري تقدما مماثلا في القطاع الخاص الذي يوفر بالفعل خدمة المدفوعات الرقمية بتكلفة زهيدة للغاية.
ويرجح استخدام العملات المشفرة، مثل بيتكوين في شراء كوب من القهوة أو دفع الإيجار ولم تحقق بيتكوين نجاحا كبيرا کوساطة للتبادل يمكن استخدامها في المعاملات اليومية. ومن أهم الأسباب وراء ذلك هو أن قيمة بيتكوين غير مستقرة بدرجة كبيرة. فالأمر أشبه بذهابك إلى أحد المقاهي حيث يمكن أن تشتري لك بيتكوين وجبة كاملة في أحد الأيام، أو کوبا صغيرا من القهوة فقط في يوم آخر، ويتسم استخدام بيتكوين بقدر من البطء والتعقيد أيضا.
ولحل لمشكلة التقلبات توجد أنواع جديدة من العملات المشفرة يطلق عليها اسم العملات المستقرة، حيث تستمد قيمتها الثابتة أساسا من خلال تغطيتها بمخازن من عملات الثقة، مثل الدولار أو اليورو، أي إنها تصبح مربوطة بقيمة تلك العملات، ما يتيح استخدامها في إجراء المدفوعات المحلية والمدفوعات عبر الحدود الوطنية بمزيد من الفعالية والكفاءة.
وأشرت في كتابي إلى أن العملات المستقرة قد لا تكون مستقرة في الواقع كما تبدو. فهناك مخاطر ناتجة عن استخدام تلك العملات، وقد يصرح مصدرو العملات المستقرة بأنهم سيحتفظون بأرصدة من الأوراق المالية السائلة، لكن من سيتأكد من حيازتهم هذه الأوراق المالية في الواقع؟ حتى إن احتفظوا بأوراق مالية، فمن الممكن أن يحاول كثيرون استرداد قيمة هذه العملات المستقرة وتحويلها إلى عملات ثقة في الوقت نفسه ليكتشفوا حينها أن عديدا من هذه الأوراق المالية، التي يفترض أنها تتيح غطاء للعملات المستقرة، ليست سائلة، كما قد يعتقد البعض، أي ليس من السهل تحويلها إلى عملات ثقة. كما أن هناك مخاطر أخرى ومخاوف من أن العملات المستقرة ما لم تخضع للتنظيم الصارم، قد تصبح وسيلة للتمويل غير المشروع لمختلف أنواع الأنشطة داخل الحدود الوطنية وخارجها. وهناك مشكلة أخرى بالطبع، وهي أن العملات المشفرة، مثل بيتكوين، لا تعرف الحدود. وسيكون من الصعب على أي بلد بمفرده إخضاع هذه العملات المشفرة لقواعد تنظيمية فعالة. ويتعين بالتالي وجود آلية عالمية لتنسيق هذه السياسات التنظيمية

ينظر بعض الدول حاليا في إصدار ما يسمى بعملة البنك المركزي الرقمية. وعند البحث في أسباب اتخاذ هذا القرار فبالنسبة لبعض الدول النامية يتمثل الهدف في توسيع نطاق الشمول المالي. فكثيرون في تلك الدول لا يمكنهم الاستفادة من خدمة المدفوعات الرقمية ولا تتوافر لهم المنتجات والخدمات المصرفية الأساسية لكن في دول مثل السويد، حيث يمتلك معظم المواطنين حسابات مصرفية، يختلف الأمر قليلا. فالبنك المركزي السويدي يخطط لطرح الكرونة الإلكترونية أو الكرونة الرقمية في الأساس كأداة داعمة للبنية التحتية للمدفوعات الخاصة.
وفي هذا الجانب تشعر الحكومة الصينية بقلق كبير حيال سيطرة شركتي مدفوعات على نظام الدفع ونجاحهما في صد المنافسين الجدد الذين بمقدورهم طرح ابتكارات جديدة في السوق. ويؤمن البنك المركزي الصيني بأهمية اليوان الرقمي كأداة مكملة لنظم الدفع الحالية في الأساس ووسيلة أيضا لزيادة المنافسة.
وحول كيفية تأثير العملة الرقمية في قدرة البنك المركزي على إحكام السيطرة على التضخم وضمان التوظيف الكامل فإذا افترضنا أن جميع المواطنين الأمريكيين ستكون لديهم بالفعل حسابات في بنك الاحتياطي الفيدرالي، سيسهل ذلك على الاحتياطي الفيدرالي إجراء عمليات معينة مثل صرف المدفوعات التنشيطية. فمع ظهور الجائحة تضمنت فاتورة التدابير التنشيطية الأولية لمواجهتها تحويل مبالغ نقدية كبيرة إلى الأسر الأمريكية. وكانت بيانات الإيداع المباشر لعديد من الأسر مسجلة بالفعل لدى مصلحة الضرائب الأمريكية ما أتاح حصولها على إيداعات مباشرة في حساباتها، بينما حصلت الأسر التي لم تتوافر عنها معلومات في سجلات المصلحة على بطاقات خصم مسبقة الدفع أو شيكات فقد عديد منها في البريد، وتم الاستيلاء على بعضها أو أصابه التلف.
والسؤال المطروح هنا هل يمكن استخدام العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية في مكافحة التهرب الضريبي وغيره من الجرائم؟ إذا لم يكن بإمكانك استخدام النقد لدفع أجر عمال الحدائق أو جليسة الأطفال، سيتم إبلاغ هذه المدفوعات للحكومة على الأرجح. وفي حالة المعاملات عالية القيمة خصوصا، سيؤدي ذلك إلى إحداث فرق كبير في حجم الإيرادات الضريبية. كذلك تحد النقود الرقمية من استخدام النقد في المعاملات غير المشروعة، مثل تهريب المخدرات أو غسل الأموال.
وحول المخاطر بالنسبة للبنوك ومقدمي خدمات الدفع من القطاع الخاص إذا كانت الحكومة توفر بالفعل نظام مدفوعات رقمية مقابل تكلفة منخفضة للغاية، قد يصعب كثيرا على جهات تقديم خدمات الدفع الخاصة للاستمرار في تقديم خدماتها. ففي نهاية الأمر، ماذا تملك الشركات الخاصة لمنافسة الحكومة بما يتوافر لها من موارد ضخمة؟ وهناك خطر آخر، وهو أن البنوك التجارية، التي تمثل وسيلة مهمة للغاية في الاقتصادات الحديثة لدورها في توفير الائتمان الذي يدعم النشاط الاقتصادي قد تتعرض لسحب الودائع التي تصب لاحقا في حسابات البنوك المركزية. وفي أوقات الأزمات، قد يشعر المودعون في نهاية الأمر أن ودائعهم ستكون بمأمن أكبر لدى البنك المركزي أو غيره من المؤسسات الحكومية مقارنة بالبنوك التجارية حتى في حالة التأمين على ودائع البنوك التجارية.

© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)