مليارات الدولارات تضع مسارا جديدا للتكنولوجيا الزراعية

21-08-2022 12:30 PM - عدد القراءات : 691
كتب هشام محمود من لندن الاقتصادية
فتحت أزمة الغذاء العالمي الباب واسعا أمام تساؤلات حول مستقبل القطاع الزراعي في العالم، وربما يكون أحد الأسئلة المحورية في هذا السياق طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الصناعي في إحداث تحويلات جذرية في إحدى أقدم المهن التي عرفها الإنسان ألا وهي الزراعة.
 مليارات الدولارات تضع مسارا جديدا للتكنولوجيا الزراعية


عبر آلاف الأعوام استخدم الإنسان الوسائل التقليدية في حرث الأرض وزراعتها، أما اليوم فيختلف المشهد في القطاع الزراعي في عدد من البلدان المتقدمة من بينها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وهولندا وفرنسا وألمانيا، فمن أتمتة المعدات إلى جمع البيانات وتحليلها، أصبح التطور الرقمي للزراعة حقيقة من حقائق الحياة لدى كبار المزارعين في تلك البلدان.
وباتت الزراعة الروبوتية باستخدام الطائرات دون طيار وتحليل البيانات والذكاء الصناعي، الحل المستقبلي لمواجهة التحدي العالمي الأكثر إلحاحا في عالمنا المعاصر، كيف يمكن إطعام الأعداد المتزايدة من سكان كوكبنا مع الحفاظ على البيئة؟
وبالطبع لا تزال التكنولوجيا الزراعية في مهدها في عديد من الأماكن، لكن من المنطقي أن تصبح التقنيات التي تعزز أساليبنا الإنتاجية في الزراعة أكثر قبولا وجاذبية مع مرور الوقت، فتاريخيا كانت طبيعة الزراعة ترتبط إلى حد كبير بعدم القدرة على التنبؤ، والآن تعمل التكنولوجيا على تخليص الإنتاج الزراعي من لعنة عدم القدرة على التنبؤ بكم وجود المحصول، بحيث يكون في مقدرة المزارع أن يكون لديه تقديرات دقيقة بما سيحصده، كما وجودة.
من جانبه، يرى المهندس الزراعي إل. ك. إلكسندر، أن حدود التكنولوجيا الزراعية الحديثة لن تقف عند حدود ضمان جودة وكمية المحصول، لكنها ستمكن من مواجهة التحدي الأكبر والمتعلق بزيادة الإنتاج الزراعي من مساحات أقل من الأراضي الزراعية.
وقال لـ"الاقتصادية" إن "الأمم المتحدة تقدر عدد سكان كوكبنا بنحو 7.6 مليار حاليا، وسيصل العدد إلى 8.6 مليار بحلول 2030، و9.8 مليار 2050 وبنهاية القرن سنصل إلى 11.2 مليار نسمة، ومن ثم، فإن السؤال هل تستطيع المساحة المتاحة من الأراضي الزراعية والمستصلحة مستقبلا أن تكفي لمد سكان الكوكب باحتياجاتهم الغذائية".
وأضاف "هذا سيكون مستبعدا في ظل معدلات الإنتاج الحالية للهكتار، ومن هنا تنبع الأهمية الجذرية للتكنولوجيا بوصفها الضامن الوحيد لزيادة الإنتاج الزراعي ولمواجهة الطقس المتطرف وفقدان التربة وإجهاد موارد الأرض والمياه، فالتكنولوجيا والروبوتات الصناعية لن يكون دورها محصورا في تضييق فرص فشل الإنتاج، ولكن الأكثر أهمية زيادة الإنتاج".
وفي الواقع، فإن قطاع التكنولوجيا الزراعية لم يكن تاريخيا مرتعا للاستثمار، وكان ينظر إليه على أنه صناعة من غير المرجح أن تدر عائدات كبيرة، لكن مع تنامي الإدراك لأهمية التكنولوجيا المتقدمة في مستقبل الزراعة، ومع تزايد الطلب على الاستثمارات الصديقة للمناخ والأمن الغذائي، ضخ المستثمرون 7.8 مليار دولار في صفقات التكنولوجيا الزراعية العام الماضي.
وأظهرت البيانات أن من هذا المبلغ وجه نحو خمسة مليارات دولار لأكثر من 440 صفقة لتمويل الشركات الناشئة العاملة في مجال إنتاج وتطوير الروبوتات الصناعية والتكنولوجيا المتطورة في المجال الزراعي، وذلك مقارنة بـ 3.3 مليار دولار لـ 422 صفقة في 2020.
وعلى الرغم من أن بيانات العام الجاري لم تتوافر بعد، إلا أن الشهر الأول من العام شهد مؤشرات قوية، إذ استثمر مليار دولار في الشركات الناشئة في التكنولوجيا الزراعية، وكان أحد الاستثمارات المهمة هو استثمار بقيمة 400 مليون دولار في شركة بلنتي الزراعية الناشئة، التي جمعت أكثر من 940 مليون دولار منذ 2014.
بدوره، قال لـ"الاقتصادية" الدكتور اندروا تيلر، أستاذ الاقتصاد الزراعي في المعهد الدولي للزراعة الحديثة، "بات سؤال لماذا يضع المستثمرون أموالهم فجأة في مجال التكنولوجيا الزراعية، مسار حديث لدى كثير من الخبراء، وفي الحقيقة، فإن هناك مجموعة متنوعة من العوامل الدافعة لذلك، مثل تغير عادات المستهلكين واحتياجاتهم والربحية المحققة من هذا النوع من الاستثمار".
واستدرك قائلا "استخدام التكنولوجيا المتطورة والربوتات في مجال الزراعة يضمن نوعية مميزة من الإنتاج، ويلاحظ أن عادات المستهلكين، ولا سيما بين جيل الألفية آخذة في التحول، ويهتم المستهلكون الآن بما يأكلونه أكثر من أي وقت مضى، إنهم يبحثون في مسألة مذاق الطعام والصفات الغذائية، كما أن الأجيال الشابة ومع تنامي الوعي البيئي تركز بشكل متزايد على كيفية إنتاج الطعام، ما يدفع الشركات للبحث عن طرق مبتكرة لإنتاج الغذاء مثل علم الوراثة والتخمير والزراعة العمودية".


وفي الواقع، فإن الزراعة العمودية تعد واحدة من أكثر المجالات شعبية للاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة في المجال الزراعي في الوقت الراهن، وينطوي هذا النمط الزراعي على زراعة الطعام على مستويات مختلفة تتراكم فوق بعضها بعضا، وهذا يؤدي إلى الحفاظ على المياه والأراضي ويسمح بتقليل المواد الكيميائية المستخدمة في إنتاج الغذاء.
ويعتقد بعض الخبراء أن القناعة تزداد بين المستثمرين على المستوى الدولي بأن هناك مزيدا من الفرص الاستثمارية في قطاع التكنولوجية المتقدمة في الزراعة، فعادة ما كان يتعين على الشركات الناشئة في التكنولوجيا الزراعية الاعتماد على الاستحواذ من قبل شركة أكبر كاستراتيجية للخروج، وعندما يكون هناك مزيد من خيارات الخروج يكون هناك عادة اهتمام أكبر من المستثمرين.
والمثير للاهتمام أن هناك أعدادا متزايدة من الاقتصادات الناشئة التي يعد القطاع الزراعي واحدا من القطاعات الاقتصادية الرئيسة فيها، وتظهر اهتماما ملحوظا بإدخال التكنولوجيا المتقدمة والروبوتات الصناعية في المجال الزراعي، على الرغم من أن اقتصاداتها تتميز بالكثافة العمالية.
والبرازيل تعد نموذجا واضحا في هذا المجال، فقد ازدهر قطاع التكنولوجيا الزراعية في البرازيل، ونما عدد الشركات البرازيلية الناشئة، التي تركز على التقنيات الزراعية المتقدمة 40 في المائة 2020 مقارنة بالعام السابق.
من ناحيتها، ذكرت لـ"الاقتصادية" الدكتورة كارمين بوهان الباحثة في مجال الزراعة الإيكولوجية، "لا يظهر الاستثمار في قطاع التكنولوجيا الزراعية أي علامات على التباطؤ على المستوى الدولي، وتجاوز الاستثمار في الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الزراعية أسواق رأس المال الاستثمارية العالمية عبر القطاعات بزيادة 6.8 في المائة على أساس سنوي، وقد بلغت الاستثمارات 4.7 مليار دولار في 2019 أي بزيادة 370 في المائة، مقارنة بما كان عليه الوضع 2013".
وأضافت، أنه بعكس التوقعات بأن تؤدي فترة انتشار وباء كورونا وتداعياته الاقتصادية إلى إيجاد واقع سلبي في نمو الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، حدث العكس نظرا للإدراك المتزايد بأهمية التكنولوجيا الزراعية في أوقات الأزمات، فنمت الاستثمارات في هذا القطاع بشكل واضح في العامين الماضيين.
لكن الأمر لا يخلو من انتقادات جوهرية توجه إلى التكنولوجيا الزراعية الرقمية واستخدام الروبوتات في مجال الإنتاج الزراعي، فتكلفتها المرتفعة تجعلها حكرا على مالكي المساحات الزراعية الضخمة والشركات الدولية متعددة الجنسيات العاملة في مجال الإنتاج الزراعي، كما أنها توسع الفروقات في الربحية بين مستخدميها وصغار المزارعين الذين يعتمدون على أساليب الإنتاج التقليدية، ما يضعف قدرة أصحاب الحيازات الصغيرة من منافسة كبار مالكي الأراضي الزراعية، ويخرجهم من السوق ويؤدي في نهاية المطاف بالشركات متعددة الجنسيات أو كبار الملاك لشراء أراضي صغار الفلاحين.
في هذا الإطار، تبذل الآن جهود لتعزيز المفاهيم التعاونية بين صغار المزارعين، لمساعدتهم على استخدام تلك التكنولوجيات المتطورة ليس فقط في مجال الإنتاج ولكن أيضا في مجال التسويق عبر مفهوم من المزرعة إلى المستهلك، حيث تعد تلك المنصات عبر الإنترنت وسيلة للمزارعين لبيع منتجاتهم وتسليمها مباشرة للمستهلكين، ما يلبي احتياجات الوعي المتزايد لدى المستهلكين بأهمية معرفة مصادر الطعام، وفي الوقت ذاته تسمح للمزارعين من المنافسة السعرية مع الشركات الكبيرة عبر تجاوز محال بيع الخضراوات.
من جانبه، أوضح لـ"الاقتصادية" سيمون فاراج، المتحدث الرسمي باسم هيئة التسويق الزراعي لفلاحي مقاطعة كنت الإنجليزية، "علينا النظر إلى التكنولوجيا الرقمية الزراعية كمفهوم متكامل لا ينحصر أداؤه الإيجابي على العملية الإنتاجية فحسب، بل يمتد لعملية التسويق لضمان أن يمتلك صغار المزارعين القدرة على تمويل التكلفة المرتفعة للزراعة الرقمية.
وشدد على ضرورة أن يكون للمزارعين جسر رقمي إلى أسواق التجزئة الجديدة، مشيرا إلى أن التجربة في أوروبا نجحت، إذ تظهر البيانات ارتفاعا 23 في المائة في القيمة الإجمالية لاستثمارات تكنولوجيا المزارع في أوروبا العام الماضي.
وأشار إلى أن فرنسا تعد حاليا الدولة الرائدة في القارة الأوروبية في هذا المجال، وتضاعف حجم رأس المال المتدفق على شركات التكنولوجيا الزراعية الناشئة في فرنسا أكثر من الضعف العام الماضي، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل وباء كورونا، وهذا يعود إلى قدرة التعاونيات الزراعية على ترسيخ مفهوم الشمولية في التكنولوجيا الزراعية عبر الربط بين عملية الإنتاج والتسويق.



© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>