كان من الصعب دائما التأكد يقينا من ملاءمة شخص ما لوظيفة بعينها إلى أن يضطلع بوظيفته ويقوم بعمله فعليا. لهذا السبب، قد تتطلب عملية التوظيف أن يتخذ كل من المرشحين للعمل وأرباب العمل قرارات عن يقين غيبي ـ وهو ما يصدق بشكل خاص اليوم، عندما يسبب نقص العمالة والتكنولوجيات السريعة التغير في جعل ممارسات استئجار العمالة التقليدية أقل فاعلية.
الواقع أن الشركات تحتاج إلى عدسة جديدة لتقييم الموهبة ـ ويتعين عليها أن تعمل على تصعيد التزامها بتنمية المهارات من خلال التدريب أثناء العمل.
يجب أن تبدأ الشركات بتكوين فهم أفضل لكيفية انتقال العمال بين الوظائف وما تعنيه هذه العملية لها. في بحث حديث، فحص معهد ماكينزي العالمي الملايين من سجلات العمل غير محددة الهوية، فضلا عن إعلانات الوظائف، عبر أربعة اقتصادات رئيسة ـ الولايات المتحدة، ألمانيا، المملكة المتحدة، والهند ـ للتعرف على الكيفية التي تتراكم بها المهارات لدى الناس على مدار حياتهم المهنية. وجدت الدراسة أن المهارات وملاءمة الوظائف المكتسبة من خلال الخبرة العملية ترتبط بما يقرب من نصف متوسط دخل الفرد طوال حياته. وتكون هذه الحصة أعلى كثيرا عادة بين الأشخاص الذين لا يحملون شهادات جامعية والذين تبدأ حياتهم المهنية في وظائف منخفضة الأجر.
على سبيل المثال، تسهم الخبرة المهنية في أكثر من 90 في المائة من الدخل مدى الحياة بين العمال الهنود الذين بدأوا حياتهم المهنية كمشغلين لمعدات البناء، لكن أقل من 30 في المائة بين المتخصصين في الرعاية الصحية في الهند، الذين تتحدد مكاسبهم على مدار حياتهم في المقام الأول وفقا لمدى تعليمهم. أما عن الأشخاص الذين يستهلون حياتهم المهنية بوظائف متدنية الأجر، فإن اتخاذ خطوات مهنية استراتيجية والتعلم على طول الطريق هو السبيل الأفضل ـ والوحيد في الأغلب ـ إلى تحقيق دخول أعلى بمرور الوقت.
أظهرت البيانات أيضا أن التنقل في سوق العمل أكبر مما يتصور كثير من الناس، حيث يبدل العامل العادي عمله كل عامين إلى أربعة أعوام. وما ينبئنا بالكثير أن 80 في المائة من كل التغيرات الوظيفية التي حدثت على مدار العقد السابق للجائحة تضمنت انتقال أشخاص من صاحب عمل إلى آخر. وكان هذا قبل أن تؤدي "الاستقالة العظمى" إلى زيادة وعي الملايين من العمال بقوتهم ومنحهم الاستعداد للتعبير صراحة عن رغباتهم. ويتعين على أرباب الأعمال أن يعكفوا على تصميم استراتيجيات التوظيف والإبقاء على العمال وفقا لحقيقة مفادها أن الموهوبين سيبحثون دوما عن الفرص في مكان آخر.
يتعلق تغيير الوظائف في النهاية بالبحث عن فرصة عمل أكثر ملاءمة. من منظور كثير من العاملين، قد يعني هذا البحث عن وظيفة تساعد على تحسين أسلوب حياتهم وجعلهم أكثر سعادة، ربما كنتيجة لمدير أكثر تعاطفا، أو لقدر أكبر من المرونة، أو لمسافة انتقال أقصر، أو لساعات عمل أكثر استقرارا. لكن الدراسات الاستقصائية تظهر أن العمال يركزون بشكل متزايد على الفرص لاكتساب مهارات جديدة والتقدم في حياتهم المهنية
من المؤشرات بالغة الأهمية أن دراسة معهد ماكينزي العالمي وجدت أن العمال الأكثر تنقلا إلى الأعلى لم يغيروا أدوارهم بشكل أكثر تكرارا فحسب، بل عملوا أيضا على توسيع نطاق مهاراتهم مع كل تحرك. لكن الأفراد لا يمكنهم اتخاذ خطوات وظيفية جريئة إلا إذا كان أرباب العمل على استعداد للرهان على إمكاناتهم.
من المؤسف أن هذا يضع مديري التوظيف الحذرين في موقف حرج. لا يزال أغلب أرباب العمل يستأجرون العاملين من مصادر مجربة وحقيقية وخلفيات مألوفة. وهم يدونون الأوصاف الوظيفية مع قوائم طويلة من المتطلبات ويبحثون عن المرشحين الذين يؤدون بالفعل المهام ذاتها في شركة أخرى.
لكن البحث عن شخص يريد تكرار وظيفته الحالية في بيئة مختلفة من أجل زيادة طفيفة في الأجر قد يكون هادما للغرض منه. الواقع أن الموظفين حديثا الذين يفتقرون إلى منحنى تعليمي ـ الذين يمكن عدهم مناسبين للعمل بشكل فوري ـ نادرون. بدلا من ذلك، ينبغي للشركات أن تدرك أن عديدا من العمال يحاولون "ارتقاء السلم المهني" وتوسيع مجموعة خبراتهم العملية. وقد يشكل الأفراد الأكثر طموحا وقابلية للتكيف أصلا رئيسا لأي منظمة، حتى لو بدا أنهم مرشحون غير تقليديين. يتعين على الشركات أن تعمل على تحسين قدرتها على تقييم ليس فقط ما فعله شخص ما في الماضي، بل أيضا سماته الشخصية، ومهاراته ذات الصلة، وقدرته على التعلم.
لكن استئجار العاملين لوظائف محتملة لا ينجح إلا إذا قدم مديرو الشركة وبرامجها أيضا التدريب المهني أثناء العمل. وعندما يحدث هذا، يصبح بوسع الشركات تحسين إنتاجيتها واحتفاظها بالموظفين مع توفير فرص النمو التي يريدها العمال ويحتاجون إليها في الوقت ذاته. وقد وجد معهد ماكينزي العالمي أن أرباب العمل الذين يقدمون أداء جيدا في التعامل مع المقاييس المرتبطة بالصحة التنظيمية، والتدريب، والتقدم الداخلي يدفعون الناس إلى الأمام، وأن موظفيهم أكثر ميلا إلى مواصلة التنقل صعودا لبقية حياتهم المهنية.
في حين تستجيب أنظمة التعليم للتحولات المستمرة في المهارات التي تحتاج إليها الشركات في مواجهة التكنولوجيات ونماذج الأعمال الجديدة، فإن المناهج تتكيف ببطء ولا تمس سوى الجيل المقبل من العمال. في الاقتصادات الأكثر ديناميكية، تضطلع الشركات بدور لا يحظى بالقدر الكافي من التقدير كحاضنات للمهارات من خلال تنمية مزيد من المواهب والقدرات التي تحتاج إليها من مجموعة العمال من ذوي الخبرة. والشركات التي تفشل في الاضطلاع بهذا الدور تجازف بدفع ذاتها إلى وضع تنافسي غير موات.
لا شك أن الاستثمار في تنمية وتطوير الموظف ربما يجعله أكثر جاذبية في نظر أصحاب أعمال آخرين. لكن الشركات يجب أن تصبح أكثر تصالحا مع التدفقات التي تحكم سوق العمل. إن خسارة إحدى الشركات لموظف جيد هي في حقيقة الأمر مكسب لشركة أخرى، وفي سوق ضخمة تتساوى هذه التحركات، ما يعود بالفائدة على أرباب العمل الأكثر استباقية وإبداعا. قد يبدو السعي إلى مضاعفة الجهود في تحسين التعلم والتطوير في وقت حيث أصبح العمال أكثر قدرة على التنقل والحركة، مجافيا للبديهة والمنطق. الحق أن هذا أصبح الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى.