في السادس من كانون الأول (ديسمبر)، انضم جو بايدن رئيس الولايات المتحدة إلى موريس تشانج، مؤسس شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة، في أريزونا في احتفال رمزي للاحتفال بالخطوة الأخيرة في استثمار شركة تصنيع الرقائق في مصنع جديد في الولايات المتحدة.
لم يتمن كريس ميلر طريقة أفضل من هذه ليشدد على التوقيت المناسب لكتابه "حرب الرقائق". على أعتاب زيارة بايدن لأريزونا. فاز ميلر بجائزة "فاينانشيال تايمز" لكتاب الأعمال للعام. يعد كتابه تاريخا موضوعيا للغاية لتطور أشباه الموصلات وكيف سيطرت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات وشركات مصنعة قليلة أخرى على الإمداد العالمي للرقائق المتقدمة.
ظهر تشانج وبايدن في أريزونا إلى جانب الرؤساء التنفيذيين لـ"أبل" و"إنفيديا"، اثنان من أكبر عملاء شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات. أخبر ميلر "فاينانشيال تايمز" هذا الأسبوع "تواجه شركات مثل شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات عدة أسباب لإعادة التفكير في جغرافية سلاسل الإمداد. وليس فقط السياسيون هم من يتصل بهم (...) بل عملاؤهم أيضا".
تقع تايوان على خطوط صدع جيوسياسية وزلزالية. حتى وقت قريب، كانت الشركات تثق بأن الشبكات المعولمة السلسة ستدعم إمداداتها من الرقائق. لكن مجالس الإدارة أصبحت تشعر بالقلق فجأة بشأن "خطر تايوان". إنهم يفكرون في إمكانية المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة والصين، ويتصارعون مع تداعيات الحرب التجارية على تطوير الرقائق وإمداداتها.
يطلق الأكاديميون على هذا الموقف "الاعتماد المتبادل المسلح"، حيث كتب ميلر "إنه بدلا من إخماد النزاعات وتشجيع التعاون، توفر المصالح المتداخلة للقوى الاقتصادية أماكن جديدة للمنافسة". إن تشجيع مزيد من الاستثمار في تصنيع الرقائق المحلية - كما تحاول الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي القيام به مع الإعانات والإعفاءات الضريبية - هو إحدى السبل لتعويض هذه المخاطر.
لم يكن هذا هو "الافتراض غير المدروس" الذي بدأ ميلر به العمل في كتابه قبل خمسة أعوام. اعتقد أن خطر "الدمار الاقتصادي المؤكد المتبادل" سيمنع القوى العظمى من استخدام موقعها في سلسلة توريد الرقائق للضغط على بعضها. "وبعد ذلك، على مدار الأعوام الخمسة من كتابته، بدا الأمر وكأنني أقرأ فاينانشيال تايمز كل يوم وهناك نقطة بيانات مرعبة جديدة قادمة، مشيرة إلى أن الأمر لم يكن كذلك".
مثلا، كان للجائحة تأثير منعكس في الطلب على الرقائق المستخدمة في صناعة السيارات وغيرها من الصناعات، ما تسبب في نقص وأكد الاعتماد على الشركات المصنعة مثل شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات، وسامسونج الكورية الجنوبية. الحرب الروسية - الأوكرانية قوضت التوقعات بشأن الاستقرار الجغرافي الاقتصادي. في تشرين الأول (أكتوبر)، في الوقت الذي كان فيه كتاب "حرب الرقائق" متاحا للشراء، فرضت الولايات المتحدة ضوابط التصدير على الصين، لإبطاء محاولتها تحقيق الاكتفاء الذاتي في تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة.
يشرح ميلر الفرق الرئيس بين مفهوم الدمار المؤكد المتبادل الذي حافظ على السلام النووي خلال الحرب الباردة والنسخة الاقتصادية. "هناك حد واضح جدا للاستخدام النووي. إما أن تستخدم الأسلحة أو لا تستخدم، بينما في فضاء الاعتماد المتبادل الاقتصادي، لا يوجد حد يظهر أنك تجاوزت الحد. وفي الواقع، هناك كثير من الحدود المختلفة التي يمكن للمرء تجاوزها".
بدأ ميلر، وهو مؤرخ اقتصادي متخصص في روسيا، بدراسة الفجوة التي انفتحت بين الجيوش الأمريكية والجيش السوفياتي في الثمانينيات، ويرجع ذلك جزئيا إلى تفوق أشباه الموصلات للولايات المتحدة. حول تركيز عمله عندما أدرك أن "التكنولوجيا الرئيسة التي تمكن الأنظمة العسكرية التي أقنعت السوفيات بأنهم خسروا سباق التسلح كانت هي التكنولوجيا الرئيسة التي كانت تبني المنافسة بين الولايات المتحدة والصين اليوم". حقيقة إن الصين كانت تنفق أموالا أكثر في استيراد الرقائق أكثر مما تنفق على النفط - وهي نقطة بيانات مدهشة للغاية أثارت شك ميلر لدرجة أنه قام بتنزيلها من قاعدة بيانات التجارة التابعة للأمم المتحدة عدة مرات للتحقق منها - عززت اهتمامه، على الرغم من أنه بدأ دون أن تكون لديه معرفة تكنولوجية عميقة.
لكن "حرب الرقائق" أكثر من مجرد تاريخ جيوسياسي وتكنولوجي. إنه أيضا يتحدث عن قصة المبتكرين ورواد الأعمال البارزين، مثل تشانج المولود في الصين، الذي فر إلى الولايات المتحدة عبر هونج كونج، وترقى في رتب شركة تيكساس إنسترمينتس، إحدى الشركات الرائدة في تكنولوجيا الرقائق. اقترح تشانج في السبعينيات فكرة "مسبك" الرقائق الذي سيغير العالم، ويصنع أشباه الموصلات لعدة عملاء. رفضت "تيكساس إنسترمينتس" الفكرة وأحبطت طموح تشانج لاحقا في أن يصبح الرئيس التنفيذي. نتيجة لذلك، لم يكن لديه ما يفعله في 1985 عندما اتصلت حكومة تايوان وأعطته شيكا مفتوحا لتطوير فكرة المسبك هناك. أصبح من الصعب الآن على المنافسين الوصول إلى النجاح والتطور والحجم الهائل لابتكاره شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات.
يتساءل ميلر عما كان سيحدث لو أصبح تشانج الرئيس التنفيذي لشركة تيكساس إنسترمينتس بدلا من ذلك؟ يقول "أعتقد أنه من السهل تخيل الطرق التي يمكن من خلالها لشركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات (الآن) أن تصبح شركة تيكساس لتصنيع أشباه الموصلات". هناك فرصة أخرى ضائعة، كما يقول ميلر، هي فشل شركة إنتل الأمريكية لصناعة الرقائق في المضي على ما أحرزته من تقدم في ابتكار أشباه الموصلات تحت قيادة مهاجر أمريكي آخر، آندي جروف، رئيسها التنفيذي. يقول ميلر "كانت إنتل قوية جدا لفترة طويلة جدا ولم تتخذ بعض المخاطر التي احتاجت إلى أخذها. دون الهواتف الذكية، مثلا، ودون التحول المبكر (للذكاء الاصطناعي) في الصناعة، وأعتقد دون قليل من الذعر الذي جعل جروف مديرا فعالا، وإن كان مرعبا".
يركز ميلر، الأستاذ المشارك في التاريخ الدولي في كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس، بشكل كبير على أهمية القدرات التي غالبا ما يقلل من شأنها، مثل التميز الإداري وإتقان سلاسل الإمداد وكفاءة التصنيع. لقد كانت مهمة في السباق لتأمين تفوق أشباه الموصلات كأهمية الابتكارات المتقدمة الأصلية، أو الدعم الحكومي الذي شجعهم، كما يقترح.
مثلا، خص بالذكر "إيه إس إم إل"، الشركة الهولندية المصنعة لأدوات صناعة الرقائق المعقدة للغاية. يقول ميلر، "إنهم يصفون وظيفتهم بأنها إدارة سلسلة إمداد معقدة"، التي تتضمن الحصول على الأجزاء من الشركات المصنعة الأخرى. "إنهم مهندسون بارعون، لكن في بعض النواحي تكمن البراعة الحقيقية في الواقع في تجميع المكونات - التي عندما تقولها بهذه الطريقة - تبدو ذات قيمة مضافة منخفضة". في الحقيقة، تضيف براعة "إيه إس إم إل" في التجميع قيمة هائلة، فآلات الشركة الفائقة للطباعة الحجرية فوق البنفسجية التي تستخدم في حفر أكثر الرقائق تقدما تحتوي على مئات الآلاف من الأجزاء الدقيقة وتكلف مائة مليون دولار للقطعة الواحدة، وفقا لميلر.
يقول ميلر "إنه إذا كان هناك أي شيء، فقد أصبح أقل تفاؤلا في الأعوام الخمسة الماضية حول كيفية التوفيق بين المصالح المتداخلة والمتناقضة أحيانا للعملاء والمصنعين والحكومات في أشباه الموصلات".
ويضيف "إن التحدي الأكبر لإدارة بايدن في دبلوماسية الرقائق هو إقناع حلفائها بأنه يمكنها تحقيق توازن بين الاعتبارات الأمنية والاقتصادية، عندما تكون هناك أصوات على كلا جانبي هذه القضية. أشخاص أكثر قلقا بشأن الأمن، وأشخاص أكثر اهتماما بشأن إبقاء الأسواق مفتوحة".