الثورة في الشئون العسكرية و حروب الجيل الرابع بين التحديات وفرص المواجهة

04-01-2023 11:16 AM - عدد القراءات : 1334
كتب د.عادل عبد الصادق*
برز في اطار تطور ارهاصات الثورة في الشئون العسكرية والامنية اجيال مختلفة من الحروب ،والتي منها الجيل الرابع ، والذي يرتبط بشكل كبير بالحرب الإعلامية، وهو ما يجعل منها أشد بأسا وخطورة من نسخها التقليدية، فهي حرب من دون وضع أيد على الزناد وإطلاق رصاص ودوي مدافع، لكنها أشد وقعا وتأثيرا.وعلى الرغم من هذا التقسيم للحروب الا انها قد يتم ممارستها مجتمعه او كل نمط بمفردة ،
الثورة في الشئون العسكرية و حروب الجيل الرابع بين التحديات وفرص المواجهة

مقدمة

 برز في اطار تطور ارهاصات الثورة في الشئون العسكرية والامنية اجيال مختلفة من الحروب ،والتي منها الجيل الرابع ، والذي يرتبط بشكل كبير بالحرب الإعلامية، وهو ما يجعل منها  أشد بأسا وخطورة من نسخها التقليدية، فهي حرب من دون وضع أيد على الزناد وإطلاق رصاص ودوي مدافع، لكنها أشد وقعا وتأثيرا.وعلى الرغم من هذا التقسيم للحروب الا انها قد يتم ممارستها مجتمعه او كل نمط بمفردة ، وهناك من يقوم بتصنيفها الى انماط من الحروب الحديثة والقديمة ، ولكن هناك اجماع في الغرب وبخاصة داخل الولايات المتحدة الى تسميتها الى اجيال  فهناك مقاتلات ودبابات ومفاعلات وحروب قُسمَت إلى أجيال لأن هذه التصنيفات تُسهِل رسْمَ التكتيكات والاستراتيجيات. فالجيل الأول من الحروب يُعرف بالتقليدي، وهو الذي بدأ بعد معاهدة ويستفاليا 1648 ونشأة الدولة القومية الحديثة.إذ اعتمدت الدول في تلك الفترة على البندقية والصفوف المتقاربة، وانتهي هذا الجيل من الحروب بعد الاعتماد بصورة واسعة على البندقية الحديثة والمدفع الرشاش. وتعتبر الحروب النابليونية من أبرز أمثلة حروب الجيل الأول.

أما الجيل الثاني فيعرف بالحروب الكونية لأن الجيوش المتحاربة كانت تتكتل في تحالفات وتستخدم أحدث ما توصلت إليه من ابتكارات عسكرية منها المدافع الرشاشة والأجيال الجديدة من المدافع العملاقة ذات المديات الكبيرة. كما تتميز بانتشار الجيوش في خطوط دفاعية وهجومية متوازية، وأبرز الأمثلة على هذا الجيل من الحروب هي معارك الحرب العالمية الأولىوحروب الجيل الثالث تُعرف بالحروب الاستباقية (Preventive) أو (Pre-emptive) لأنها تحدث بسرعة بسبب استخدام الألوية المدرعة والطائرات لنقل القوات لمسافات بعيدة في قلب العدو. وأبرز أمثلتها بالطبع تكتيكات الجيوش في الحرب العالمية الثانية إذ استخدمت أحدث التكنولوجيات في ذلك العصر في تلك الحروب بل وشُيدَت مصانع عسكرية كانت نواة الصواريخ الباليستية الحديثة.أما حروب الجيل الرابع والتي تعرف بـ (Fourth Generation Warfare) أو (W4)، ؛ وتعد حروب الجيل الرابع هي تعبير سياسي وعسكري ظهر في الكتابات الأميركية تحديداً في نهايات العام 1989 مع بدء إنهيار الاتحاد السوفياتي. وعاد المفهوم لينتشر كالنار في الهشيم بعد انطلاق ما عُرف بـ"الربيع العربي" وما سبقهُ من نظرية الفوضى الخلَاقة في الشرق الأوسط، وتَستخدم حروب الجيل الرابع جميع الشبكات المتاحة–السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية–لإقناع القادة وصُنَاع الرأي على الجانب الآخر (العدو) بأن أهدافهم الاستراتيجية إما غير قابلة للتحقق أو أنها باهظة التكلفة من حيث الفائدة المرجوة وهذا النوع من الحروب يهدف بالمقام الأول إلى مهاجمة عُقول قادة الدول الأخرى والتأثير على شعبيتهم وبالتالي قتل الإرادة السياسة في تلك الدول تمهيداً لانهيارها أو للحصول على تنازلات سياسية منها.

ولإحداث ثغرة كبيرة في المجتمع، لا بُد لهذا الجيل من الحروب من العمل على وتر الحروب الطائفية وإذكاء النعرات العرقية ودق إسفين بين أفراد المجتمع وخصوصاً في دول بها أقليات قومية وديانات ومعتقدات متعددة تمهيداً للتجزئة فيما بعد على أسس قومية ودينية وإثنية.

ويطرح هذا العديد من التساؤلات حول ، ماهية تاثير الثورة في الشئون العسكرية على نمو وتطور التهديدات الجديدة للامن القومي ؟ وما هو دور الثورة الرقمية في تطور وتيرة الثورة في الشئون العسكرية ؟ وما هو انعكاس ذلك في تنامي المخاطر والمهددات لامن المجتمع والدولة ؟ وما هي انماط واجيال الحروب الجديدة في القرن الحادي والعشرين؟ وما هو تعريف وخصائص واهداف حروب الجيل الرابع ؟ وما هي تكتيكات حروب الجيل الرابع وماهي منصاتها الاساسية ؟ وما هو تأثيرها على نمو المخاطر للامن القومي ؟ وما هي فرص مواجهة حروب الجيل الرابع ؟ وما هو مستقبل تلك المواجهة ما بين دور الدولة والفرد ؟ وما هو الدور الذي يلعبه الوعي كضمانة أساسية لمواجهة المخاطر الأمنية العميقة ؟                              

اولا ، الحرب والثورة في الشئون العسكرية في القرن  الحاي والعشرين

تعتمد الثورة في الشئون العسكرية  على ما تقدمه التقنيات العسكرية المتقدمة من إمكانيات وقدرات لم تتوفر من قبل، وهو أمر يلزم تقويمه من خلال الإبحار في أغوار التاريخ، لإثبات العلاقة الطردية بين التقدم التقني العسكري من جهة، وبين فكر الأداء العملياتي من جهة ثانية، فكلما زاد التقدم التقني العسكري ظهر فكر عسكري جديد، حيث كانت الحاجة تدعو دائماً لتطوير الأسلحة والعتاد الحربي لتلبية متطلبات العمليات، فيجد العسكريون أنفسهم أمام إمكانات جديدة في مسرح الحرب، فينعكس ذلك على تطوير العقائد القتالية، سعياً لتحقيق الهدف من الصراع المسلح بأقل خسائر مادية وبشرية ممكنة.

وفي كل عصر على مدى التاريخ تستغل القوات العسكرية التقدم العلمي والتقاني فيه من أجل تطوير أسلوبها وتحقيق تقدم عسكري على أعدائها. فإذا كانت الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، قد حققت انتصارها معتمدة على أفكار مثل الحرية والإخاء والمساواة، فإن حروب بروسيا في أوروبا والحرب الأهلية الأمريكية في منتصف القرن التاسع عشر، قد اعتمدت على التلغراف والسكك الحديدية والبنادق للانتصار. وفي الثلاثينيات من القرن العشرين وضعت ألمانيا التكتيك والإدارة العالية في خدمة الدبابات وموجات الراديو والقنابل التي انتشرت في هذا العصر، لكي تحقق ما عرف باسم “بليتزكريج”، أي قصف خاطف ومفاجئ.

ودفعت التطورات السريعة في تقنيات المعلومات والأسلحة ذات التوجيه الدقيق كثيراً من المحللين والمتمرسين إلى ظهور ما اطلق علية  بالـ “ثورة في الشؤون العسكرية” والتي تشير " إلى تحوّل في طبيعة الحروب الغربيّة منذ تسعينات القرن الماضي، عماده الثورة المعلوماتية وتكنولوجيا التّواصل التّي أثرت بشكل عميق على طبيعة الحرب وأدواتها ونظرياتها القتالية واللوجستية".

وتجعل بالإمكان تحقيق انتصارات سريعة وحاسمة بحد أدنى من الخسائر في الأرواح والأضرار غير المباشرة، وتؤكد هذه الدراسة أن هناك تغيرات جارية قد تكون ذات آثار ثورية بالفعل، لكن القضايا الباعثة على الصراع ستستمر، كما أن كثيراً من أوجه التقدم الذي رافق “الثورة في الشؤون العسكرية” لن يؤدي بالضرورة إلى حدوث تحول في طبيعة الحرب، وكان معنى نهاية الحرب الباردة أن هناك ثورة أخرى – ثورة في الشؤون السياسية – قد حدثت.

وفي هذا الوضع السياسي الجديد يبدو أن الدول الكبرى ترجح التدخل في صراعات بين الدول الضعيفة والمليشيات وعصابات المخدرات على خوض حروب فيما بينها، ذلك أن الأسلحة الدقيقة التوجيه والبنية التحتية القائمة على التقنيات الفضائية التي هي في صميم “الثورة في الشؤون العسكرية” قد لا تتلاءم مع طبيعة هذه الصراعات، وإذا قُدّر للأثر المتراكم للتغيرات التي سبق ذكرها أن يؤدي إلى ثورة فهي ثورة في الشؤون الاستراتيجية بقدر ما هي ثورة في الشؤون العسكرية[1]

تكتسب معرفة العدوّ أهمية بالغة وحاسمة في الأدبيات العسكريّة المختلفة. وقد  كتب "سان تزو" في كتابه "فن الحرب" قبل أكثر من ألفي عام، قائلاً: "إن كنتَ تعرفُ عدوّك وتعرف ذاتك، حينها لن تخاف نتائج مئة معركة". وجاء ذلك من تجارب التاريخ حيث اوضحت الحروب – وبالأخص حرب فيتنام - قد أوضحت الحساسية المفرطة لدى القوى الغربيّة للرأي العام والمناخ السّياسيّ الدّاخليّ، خاصّة عندما تفرز الحربُ أعدادًا مرتفعة للقتلى "لا يمكن القبول بها غربيًا". وهكذا أظهر لنا عقد التسعينات أن الغرب يفضل الحروب السّريعة التي يقتل فيها عدد محدود جدًا من القوى المهاجمة والتي تنتج في ذات الوقت انتصارات مبهرة يُمكن لها أن تُعزِّز من مكانة صانعي القرار في الدول الغربيّة أمام الجمهور العامّ. وبشكل عام يرى المتفائلون بالثورة التكنولوجية- العسكرية أنها حاليًا تتشكل من خلال تيارات تقنية هي:[2]

  • الذكاء الاصطناعي: وهي النماذج الرياضية والخوارزميات القادرة على معالجة بيانات البيئة العسكرية بسرعات فائقة. وكما في ألعاب الفيديو، تستطيع تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية أن تضع سيناريوهات غير نهائية لتحركات الخصوم، ومن ثم قرارات الهجوم أو الدفاع.
  • البيانات الضخمة: أصبح كل شيء مكشوفًا ومتعقبًا، وبات التخفي والاختراق أمرًا صعبًا مع تطور شبكات الاتصال الشخصي والأقمار الصناعية الرخيصة التي تستخدمها الشركات، واتساع نطاق ما يغطيه إنترنت الأشياء، وتضاعف البيانات المستخدمة عبر الإنترنت ثلاثة أضعاف بين 2016- 2021)، وهو ما يجعل العالم جهاز استشعار واحد.
  • الروبوتات: تشهد الصراعات الحالية اتساعًا في توظيف الطائرات المسيرة، سواء الموظفة للاستطلاع والرصد، أو لجمع المعلومات عن تحرك الأهداف المعادية، أو ربما لإلحاق أضرار بها. وتذهب التصورات المستقبلية عن إمكانية توظيف جنود آليين أو مساعدين للأفراد، أو آليات تحركها روبوتات.
  • سرعة واتساع الاتصالات: حيث تدار العمليات في الوقت الحقيقي، ويصبح التواصل بين الوحدات في الجبال والمناطق المعزولة والإدارة المركزية في العواصم أكثر يسرًا ووضوحًا.
  • التكنولوجيا الحيوية: مع الاتساع في استخدام تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد D-3 يصبح من السهل إنتاج المستلزمات وتقليل خطوط النقل والإمداد بالطعام والوقود. وقد تغير الحرب في الفضاء من كل ما هو معروف عن آليات الحركة والنقل والتموين والإمداد المعروفة على الأرض.

ثانيا: تصاعد دور الثورة الرقمية في الشؤون العسكرية والاستراتيجية  

1-التكنولوجيا الرقمية وحتمية التغيير العسكري:

أساس التغير الثوري في الشؤون العسكرية في العصر الرقمي، هو تطوير الأسلحة التي تعتمد على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات )المرادفة لأجهزة الحاسوب(، وإنشاء بنية تحتية، وشبكة معقدة من  المعلومات للتحكم، وهو ما يُصطلح عليه بأنظمة المعلومات المتقدمة  ،والتي تمشل القيادة، والسيطرة، والاتصالات، والحوسبة، والمخابرات، والمراقبة، والاستهداف، والاستطلاع(241 :Colin, 2007  ).هذه المكونات يتم تجميعها من  خلال رقمنة ساحة القتال (74 : Kane and lonsdale, 2012,)، أي ربط أجهزة الاستشعار، والعناصر القتالية بأجهزة الحواسيب المتطورة، وتمكين  الوحدات من  مشاركة الوعي الظرفي، والسماح للقادة باتخاذ قرارات تكتيكية سريعة ودقيقة.

وتعبر حالة رقمنة ساحة المعركة عن محاولة  تطبيق التقنيات لاكتساب، وتبادل، وتوظيف المعلومات الرقمية في الوقت المناسب في جميع أنحاء ساحة القتال، مصممة خصيصا لاحتياجات كل من  القائد، والجنود. وتسمح الرقمنة لكل جندي بالحفاظ على رؤية واضحة مشتركة، ودقيقة لساحة القتال اللازمة لدعم التخطيط والتنفيذ. (35-34 :Kane, and lonsdale, 2012)

تشمل أيضا الأسلحة "الذكية" اليوم مجموعة من  الأسلحة الموجهة، والدقيقة والنشطة: والتقدم التكنولوجي الأكثر شهرة في الحرب الحديثة هو تطوير الذخائر دقيقة التوجيه، بالإضافة إلى الصواريخ، والرؤوس الحربية الفردية، والدفاعات ضد أسلحة العدو الذكية، Sloan, 2002: 04))

ومن  استخدامات الثورة الرقمية القوة الجوية التي تحولت من  خلال التكنولوجيا الجديدة، وسمحت وفقا لة"ديفيد أوشميك"من  مؤسسة راند "بتدمير جيش العدو قبل الوصول إلى أرض المعركة."  (58 : (Dunn, 2002وذلك بالاعتماد على الطائرات الحربية المتقدمة، وقدرات القصف الدقيق للقوات الجوية على ضبط جميع أنواع الأهداف الاستراتيجية على مسافات طويلة، وفي أي منطقة من  العالم ليلا ونهارا. (88 :Bruneau, 2008)

وهناك تطبيقات متقدمة اخرى مثل  نظام الكتائب القادر على أداء وظائفه الخاصة في: البحث، والاستكشاف، والتقييم، والتتبع، والمشاركة، والقتل بشكل مستقل"، والطوربيدات، والألغام المضادة للغواصات الذكية، أو الألغام المضادة للدبابات وغيرها م  الأمثلة. يعتبرها رؤساء الأركان الأمريكية المشتركة على أنها اتجاهًا حاسم يمك  أن يكون له العديد من المزايا.(Hoffman, winter2017: 22 .)

2 -التحول في المذهب وتنظيم الجيوش:

قاعدة التفكير الاستراتيجي الأساسية للثورة في المذهب في العصر الرقمي والمعلوماتي تقوم على: التطور في   العمليات، والتكتيكات القتالية القائمة على فكرة تطوير القدرات القتالية والإمكانات العملياتية، واللوجستية لشن  الحرب بدون اللجوء إلى الأسلحة النووية، أو بمعنى آخر كيفية ربح الحرب ضد عدو مسلح نوويا )في أوربا على وجه التحديد(، لك  بدون اللجوء إلى استخدام أسلحة نووية. لا يكون ربح الحرب خيارا ممكنا إلاّ إذا مكّن  المذهب القتالي القوات المسلحة من  امتلاك زمام المبادرة وفي مرمى نيران الهجوم، لقد كانت هذه العناصر المفاهيمية لثورة المعلومات في الشؤون العسكرية مجسدة خلال حرب الخليج 1991.(مصباح ،2017: 458)، من  خلال المراقبة، الاستهداف، والسيطرة الدقيقة، والتنسيق المحسن  في عمق وعرض حقل المعركة الكبيرة.

جلبت ثورة تكنولوجيا المعلومات والرقمنة تغييرات جذرية في الحرب الحديثة جسدت التحول من  حروب "الدمار الشامل" إلى "الحرب الدقيقة، وتحول التنظيم من  الجيوش التقليدية التي تركز على أعداد كبيرة للقوات، إلى القوات المسلحة الأصغر حجماً، والأكثر فتكا، والتي تتولى وحداتها هيكل أكثر اتساعًا لصنع القرار، بالاعتماد على الأسلحة التقنية عالية الجودة.  (04:Sloan, 2002)، جوهر هذه الحرب الحديثة هو المعلومات، حيث يمثل فيها التفوق المعلوماتي عامل حيوي، والذي يعني تزويد القائد بصورة مثالية قريبة من  ساحة المعركة حتى يتمكن  من  اتخاذ قرارات تحقق الأهداف الإستراتيجية المرجوة في الوقت المناسب. هذا يعني أنه يجب عليه الوصول إلى إجمالي المعلومات الجديدة المتوفرة في أي وقت، وفي أي مكان.

ومن  أهم المفاهيم الأخرى لثورة المعلومات، وهي من  الأفكار، والمبادئ الفرعية التي اختبرت على أرضية القتال: الهيمنة السريعة، والصدمة الترويع، والعمليات الحاسمة السريعة: أي  اكتسب مفهوم الهيمنة السريعة Rapid Dominance من  خلال الصدمة والترويع Shock and Awe،والتي أصبحت أكثر  شعبية خلال التسعينيات كمفهوم منظم للثورة المعلوماتية في الشؤون العسكرية. بناءً على ذلك، تم اقتراح العمليات الحاسمة السريعة Rapid Decisive Operations كمفهوم جديد في مذهب الثورة الرقمية في الشؤون العسكرية في عام 2000. ركزت معظم المناقشات على استخدام الذخائر الدقيقة، وأهمية تحقيق "الأهداف الاستراتيجية" التي ستساعد على كسر إرادة الخصم. بدلاً من  حشد القوات. (Adams, 2008: 61)،ولعل الأثر الاستراتيجي الأكثر فعالية لمخرجات الثورة الرقمية في الشؤون العسكرية، هو ظهور مذهب معركة الجو-بر doctrine AirLand Battle، والذي يدمج بشكل كامل قدرات جميع أنظمة القتال البرية والبحرية والجوية (33 :Adams, 2008

3. التأثير الاستراتيجي للثورة الرقمية في الشؤون العسكرية:

توصلت أبحاث _)إميلي جولدمان( "Emily Goldman" إلى أنه يمكن  تقييم التحسينات في الأداء العسكري على أساس ستة أبعاد مختلفة تتوافق مع ستة أهداف أساسية ميّزت العمليات العسكرية الحديثة: الفتك، والوصول، وإعادة الإمداد، والدقة، والشرعية، والتوقيت / السرعة ) :Goldman,2004,09)).

ان التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي للأنظمة والعمليات الذاتية: وهي التطبيقات الأكثر حداثة في مجال القتال، تشمل التعاون بي  الإنسان والآلة وفريق القتال" من  آثارها: الدقة في تحقيق الأهداف، وتحسين  زمن  رد الفعل والأداء، مع التقليل في التكاليف، والقدرة على مواصلة العمليات العسكرية في البيئات المتدهورة أو معدومة الاتصالات. وخفض عبء الاعتماد على العنصر البشري، وزيادة قدرات صنع القرار. (22 :Hoffman, winter2017). 

إنّ توظيف  تقنيات الثورة الرقمية في المجال العسكري،يخلق وضع غير متماثل للحرب، لن  يسمح فقط برصد ساحة المعركة، بل سيسهل أيضًا المشاركة الواسعة، والحقيقية لمعلومات استخبارات ميدان المعركة في جميع أنحاء المؤسسة العسكرية. وهذه القدرة على تبادل المعلومات الاستخباراتية هي التي ستقلل، أو تزيل بالكامل حالة عدم اليقين ، و تعمل هذه الميزة بعد ذلك على تسهيل "حرب المعلومات" – أي السيطرة على تصورات العدو عن  طريق زيادة ضبابيته، والذي يتحقق عن  طريق تعطيل أو تشويه اتصالاته، وتعتيم، أو خداع استطلاعه.

 (191.2009 , (Weng, Fookوتعمل الثورة الرقمية على تحسين  نظم السيطرة  بخفض زمن  رد فعلها، وتحسين  عملية اتخاذ القرار، وزيادة نطاق سيطرتها.(زلمي، ووايت، 2004: 117)، وياتي ذلك الى جانب نظم الرمي (Shooters)عن طريق زيادة درجة بقاء وسائل الرمي، وقدرتها على القتل، ودقة إصابتها لأهدافها والقدرة على ضمان تدمير أهم الأهداف أي التدمير المكثف وضرب القلب الاستراتيجي للعدو أي التدمير الشامل (4 :Bernard, 2009)

ثالثا ، ملامح التطور في اجيال الحروب بين التحول الاستراتيجي والواقع الدولي

تعد حروب الأجيال الحديثة الأحدث والأخطر عبر التاريخ، وسمي أغلبها بالحروب اللاتماسية، لما لها من تأثيرات كبيرة على الإنسان وحياته وظروفه المعيشية، إذ تستطيع بأدواتها وتقنياتها ودقتها أن تخضع الجميع أشخاصاً وجماعات ودولاً تحت السيطرة، لتتحكم في أعمالهم وتصرفاتهم وأدائهم، وينفذون ما يصدر إليهم من أوامر وتعليمات دون تردد، وهذا ما تنشط به الولايات المتحدة الأمريكية حالياً كونها الأكثر تقدماً اقتصادياً وتكنولوجياً. لكن من المهم علينا جميعاً الإلمام بهذه الحروب ومعرفتها للتصدي لها ومواجهتها بقدراتنا، وهذه مسؤولية كبيرة تقع على عاتق مراكز الدراسات، والبحث العلمي، وصناع القرار

اثبت الاستخدام الفعلي للجيوش النظامية المدربة والمسلحة بأحدث الأسلحة المتطورة كالطائرات والدبابات والصواريخ وحتى أسلحة الدمار الشامل عجزه في ساحات المعارك في ظل أساليب القتال المبتكرة التي باتت تسيطر على البشر باستخدام تقنية النانو التي تمتلك مستوى ذكاء اصطناعي عالي. ويشير اصطلاح " أجيال الحروب" إلى مراحل تطور الحروب وتطبيقاتها وأساليبها واستخداماتها على الرغم من أنّ هناك تداخلاً بين كافة أجيال الحروب من حيث الأسلوب والاستخدام الفعلي للأسلحة والمعدات. ووفقاً للمحللين والاستراتيجيين فإن حروب الجيل الرابع كانت السائدة في العالم لفترة ليست بالقصيرة، إلا أن الأجيال اللاحقة من الحروب ستكون أكثر تعقيداً، نظراً لما توصلت له تكنولوجيا الأسلحة في العالم، حيث بات بإمكان عدوك أن يراك ويدمرك من حيث لا تراه.

وهنالك عدد من الأسباب التي أفضت إلى تطور الحروب وتحولها، منها تراجع الصراعات المسلحة بين الدول، وتزايد وتأجيج الحروب الأهلية نتيجة تبدل الولاءات داخل الدول، والتكالب على السلطة، وزيادة الخلافات والاضطرابات بين طبقات المجتمع الواحد، والإخلال بتوازن القوى بين الدول، وهذا أدى إلى تطور الحروب وتحولها باستخدام أساليب وأدوات وتقنيات متطورة ومختلفة استخدمت فيها أحدث التكنولوجيا،وظهر اجيال للحروب هي  حروب الجيل الأول: وهي الحرب التقليدية بين دولتين، تتواجهان مباشرة بجيشين نظاميين.وحروب الجيل الثاني: تعًرف بـحرب العصابات. و- حروب الجيل الثالث: يعرفها البعض بالحروب الوقائية أو الاستباقية.

ثم حروب حروب الجيل الرابع والتي تعتمد بشكل أساسي على تدمير الروح المعنوية للدولة من الداخل، بتأجيج الصراع الديني، والعرقي، والثقافي، والتاريخي، واللاأخلاقي ليشمل كافة الدولة، بعيداً عن مواجهة القوة العسكرية النظامية.

وحروب الجيل الخامس، وتسمى "الحروب الهجينة" والتي  تعتمد على مجموعات صغيرة مدربة بأساليب مختلفة وباستخدام تكنولوجيا متطورة، تعمل داخل الدولة بعيداً عن مواجهة القوات المسلحة، وتستهدف المؤسسات والأهداف الحيوية في الدولة، محدثة خسائر كبيرة وباهظة مادية ومعنوية للعسكريين والمدنيين على حد سواء. وتعمل بالدرجة الأولى على تجنيد العديد من أفراد الشعب في صفوفها، وقوى معارضة من جمعيات ونقابات ومنتديات، وكم هائل لأعمال الطابور الخامس لبث الإشاعات، وينتمي هذا النوع من الحروب إلى الحرب الهجينة وهي الحرب التي تدمج مجموعة من الأنماط والأساليب القتالية المختلفة، كنموذج عصري لحرب العصابات، ومنهج حرب الأشباح. ويتميز هذا النوع من الحروب بأنه يستخدم بشكل كبير جداً العمليات الانتحارية، والكمائن، والأعمال الإرهابية المتطورة باستخدام التكنولوجيا الحديثة. ويتم تدريب هذه المجموعات على فنون القتال عالية الكفاءة، وحرب الشوارع وباستخدام تكتيكات الطعن والذبح والحرق، واستخدام السيارات المفخخة. وتتميز الحرب بانتهاج أسلوب التحالفات مع الدول التي تتعارض مصالحها مع الدولة المستهدفة.

وحروب الجيل السادس: وتعرب بحروب خلق الأضداد والتي  تدار عن بعد، أي أنها لا تعتمد على الاتصال المباشر بين الأطراف المتناحرة سواء للمقاتلين أم الاستخدام الفعلي للأسلحة المختلفة كالأسلحة التقليدية وأسلحة الدمار الشامل. كما تستخدم حروب الجيل السادس حرب المعلومات على نطاق واسع والذي له تأثيرات كبيرة على الروح المعنوية للعسكريين والمدنيين وعلى خطط وعمل القوات. وتلجا كثير من الدول الكبيرة إلى استخدام الحصار الاقتصادي، كنوع جديد من الضغط على الدول لإرغامها على قبول الشروط المطلوبة.

كما تلجأ إلى استهداف الدول أو الأفراد عن بعد عبر شبكة الإنترنت، أو بواسطة توجيه الذخائر الذكية على الأهداف أو الأشخاص عن طريق الأقمار الصناعية، كما حدث في غزة من اغتيال إسرائيل لبعض الشخصيات الفلسطينية. وقد انتهت حروب الجيل السادس عند القدرة على إحداث تغيرات في المناخ وإحداث كوارث طبيعية من خلال أسلحة النبضة الكهرومغناطيسية وغيرها.

وحروب الجيل السابع: اعتبرها الاستراتيجيون أنها "حروب السيطرة على البشر"، وذلك بإدخال رقاقات صغيرة لجسم الإنسان من خلال قذفها فتخترق الجسم بألم لا يتعدى ألم قرصه بعوضة، وتستهدف المكان المخصص وفقاً لبرمجتها، ما يعني أنها تزرع بسهولة وبدون علم الشخص المستهدف، ومن ثم تتحكم به. وقد يكون الوصف خيالياً للكثير، ولكن بالاعتماد على تقنية النانو أصبح الأمر عادياً، إذ تعتمد تلك الرقاقات في تصنيعها على مكثفات كيميائية وبلاستيكية مهجنة تشبه المصل تدخل في الجسم، ويمكن زرعها بالدماغ، حيث تبرمج وتسيطر على الشخص ويصبح تحت إمرة المبرمج في تنفيذ ما يصدر له من تعليمات أو أوامر.
حروب الجيل الثامن ، وتسمي حروب الصوت الصامت وصفها المفكرون بأنها تستخدم (الكيمتريل) وهو أحدث أسلحة الدمار الشامل، للحصول على تفاعلات كيميائية وعمل كوارث طبيعية مثل العواصف والأعاصير والزلازل والبرق والرعد والتصحر والجفاف لإحداث أضرار مدمرة في الأماكن المستهدفة. حيث تستخدم نظام الملاحة العالمي والتقنية الرقمية في اختراق نظم المعلومات، والقدرة على مسح خريطة النشاطات المغناطيسية للعقل البشري، وإمكانية استهداف أفراد وشعوب وهذا يعتمد على الحزم المستخدمة.           

حروب الجيل التاسع: يعتبر الأعقد وهو ما يسمى بحرب العقول، إذ يعتمد بشكل أساسي على السيطرة المباشرة على العقل حيث يتم تحويل المعلومات المخزنة في الدماغ إلى سلاح، حيث تستهدف تلك المعلومة صاحبها دون إدراكه وتدفعه إلى الانتحار، وتستخدم أيضاً الأسماك والحيوانات والطيور كأدوات تجسس وسيطرة وتجنيد، بحيث تقوم بإلحاق أضرار كبيرة بالدول والشعوب المستهدفة عن بعد،

أما الجيل العاشر من الحروب  فيستخدم فسيولوجيا الإنسان نفسه سلاحاً ضده، وقد أعلن عن نجاح صنع طاقية وبدلة إخفاء إلكترونية في معامل البنتاجون، كما نجح علماء ألمان في تطوير "معطف ثلاثي الأبعاد للتخفي".

  رابعا ،تعريف وخصائص  حروب الجيل الرابع

  1. تعريف وخصائص  حروب الجيل الرابع

تشير بعض الأدبيات السياسية والعسكرية إلى أن مصطلح الجيل الرابع من الحروب ظهر للمرة الأولى في دائرة النقاشات داخل الولايات المتحدة الأمريكية عام (1980)، ثم تكرس تدريجياً بعد سنوات عبر مقالة نشرها بعض ضباط الجيش الأمريكي بعنوان: "الوجه المتغير للحرب: إلى الجيل الرابع"، وبدا الأمر في ذلك الوقت وكأنه تفكير خارج السرب أو أقرب إلى التصورات منه إلى الحقائق. حيث كان يشير إلى كسر احتكار الجيوش للحروب والعودة إلى ما قبل الحروب الحديثة من حيث نظريات القتال وأوضاع الصراع. وترتبط نظرية حروب الجيل الرابع أساساً بالفكر السياسي الذي ساد العالم منذ نهاية الثمانينيات وتفكك الاتحاد السوفيتي، وتوغل العولمة وسيطرتها على مجالات الحياة كافة، ومن ثم شيوع فكرة "النمذجة" أو "القولبة" في مختلف مجالات الحياة العالمية، والمجال الثقافي في القلب من ذلك على وجه التحديد. ثم جاء انتشار الإرهاب والحروب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق ليؤكد طبيعة حروب الجيل الرابع واختلافها عن أجواء الصراع السابقة برغم وجود أوجه تشابه عديدة بين طبيعة الصراع في العراق، وظروف أخرى مثل الحرب الأمريكية في فيتنام وأفغانستان والحرب السوفيتية في أفغانستان في مرحلة الثمانينيات وغير ذلك.

وفي عام (2006) صدر كتاب "الحبال والصخرة" للكولونيل المتقاعد (توماس هامز) ، وهو الكتاب الذي تكلم عن (حروب الجيل الرابع)، وأوضح أن التمردات والاحتجاجات الشعبية قادرة على هزيمة الدولة من الداخل، حيث يمكنها ضرب الشبكة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية للدولة، ومهاجمة عقول صانعي القرار وهزيمة إرادتهم السياسية، مع تأكيده أن حركات التمرد من الصعب هزيمتها سياسيا

(الجيل الرابع من الحروب هو الحرب بالإكراه، إفشال الدولة، زعزعة استقرار الدولة، ثم فرض واقع جديد يراعي المصالح الأمريكية).

يقول (أنطونيو إيشافاريا ) الرئيس السابق لقسم الإستراتيجية والتخطيط الإقليمي في مؤسسة الدراسات الإستراتيجية بالولايات المتحدة في دراسة له بعنوان "حرب الجيل الرابع وأساطير أخرى"نشرت عام (2005) يقول فيها : "تم الترويج لنظرية حرب الجيل الرابع من أجل حفظ ماء وجه وتبرير فشل أجهزة الاستخبارات الأميركية في توقع هجمات (11 سبتمبر 2001). وهناك من عرّف هذا الجيل من الحروب بـ: حرب نفسية متطورة للغاية من خلال الإعلام والتلاعب النفسي.

لذلك فأن الهدف من حروب الجيل الرابع هو إشاعة الفوضى في بلاد العدو المستهدف، وبدون تدخل عسكري من جيش البلد المهاجم إلا في نطاق ضيق جدا ومحدود، بل قد يسلط الشعب في مفهوم حروب الجيل الرابع على حكومته، أو يسلط الجيش على شعبه، أو تتخلى الشرطة عن مهمتها الأمنية والنظامية لتكون أداة للخوف وسبيلًا للفوضى!!

هناك من يعتبر الجيل الرابع من الحروب: "من أشكال حروب العصابات (Guerill War)، تشنها فواعل من غير الدولة، وتحركها دوافع أيديولوجية أو دينية أوبقصد الانتقام أو شهوة السلطة.

وقد أطلق اسم حرب الجيل الرابع على الحرب على التنظيمات الإرهابية بحسب المفهوم الأمريكي. وطرفا الحرب في الجيل الرابع من الحروب هما جيش نظامي لدولة ما، مقابل لا دولة أو عدو وخلايا خفية منتشرة في أنحاء العالم

  1. ;خصائص واهداف حروب الجيل الرابع .

تقوم هذه الحرب على الدعاية والدعاية المضادة، وتتبنى استراتيجية التأثير لتغيير السلوك ونمط التفكير دون أن تعلن عن نفسها ودون أن يكون لها عنوان واضح مرئي أو تأثير مكشوف جلي، غايتها إجهاد العدو وتفكيك عناصر وحدته بتغييرات نفسية يمكن أن تمتد على مدى متوسط أو مدى بعيد، قد يكون أسابيع وشهورا أو سنوات، تقوم أدواتها على عناصر جديدة غير القوة العسكرية لكي تجنبه أهوال التدخل المباشر والروح العدائية التي تقابل بها قواته الغازية.

وأبرز أسلوب معتمد في حروب الجيل الرابع، هو استخدام نظرية الكاوس الفوضوية في الفيزياء الحديثة، قوامها تكسير النظام بالفوضى وخلق نظام جديد يخرج من رحم تلك الفوضى.

مؤدى هذه العملية تأمين انسياق الجماهير وتبعيتها المطلقة بدعاية الاستقطاب أحيانا ودعاية التدمير أحيانا أخرى، بحيث تصنف الجماهير كمجرد أرقام. يقوم تصنيفها بحسب العاطفة والجذب باللعب على الغرائز والعاطفة والإثارة، فمنها من يجذبه الخوف، ومنها من تجذبه صورة الشجاعة، ومنها من تستفزه صور الحرمان، ومنها من تجذبه مظاهر الثراء والقوة، ومن ثم تنهال المعلومات والأخبار والصور والوشايات التي تخاطب عاطفته ومشاعره بفعل تلك الهندسة الغرائزية لكي يقع في حضنها أسيرا لا يمكن أن يفك طلاسمها أو يسبح في بحر أمواجها.

والواقع، ترجع فلسفة حروب الجيل الرابع إلى الحكيم الصيني صن تزو (551 و496 قبل الميلاد) بقوله الشهير “الانتصار في المعارك ليس هو النجاح التام في المعارك التي تخوضها… النجاح التام هو أن تكسر مقاومة العدو من دون أن تخوض قتالا”.

وكانت“الحرب في نظر فون كلاوزفيتز استمرارا للسياسة بوسائل أخرى”. لكن حال الحروب اليوم في تغير دائم، فإذا كانت حرب الجيل الأول تعتمد على قوة الرجل وما يحمله من عدة وعتاد، وحرب الجيل الثاني تعتمد على قوة الحديد والنار لإحكام القبضة، فإن حرب الجيل الثالث قامت على حصار القوة العسكرية ذاتها من أجل عزلها ومحاصرتها، بحيث تشترك حروب الأجيال الثلاثة في كونها تريد تدمير قوة الخصم، وفرض الهزيمة عليه بتجريده من قوته العسكرية واحتلال الأرض وتكبيده الخسائر.

أما حروب الجيل الرابع، فهي حروب من دون مدافع، لكن تأثيرها أشد وقعا وخطورة، وبالتالي، فهي عكست هدف تدمير القوة العسكرية بتدمير القوة المدنية، وتخريب عقول المواطنين.

حروب الجيل الرابع تستخدم النظرية الفوضوية لتأمين انسياق الجماهير وتبعيتها المطلقة وذلك بدعاية الاستقطاب أحيانا ودعاية التدمير أحيانا أخرى بحيث تصنف الجماهير كمجرد أرقام باللعب على الغرائز والعاطفة والإثارة

هذه الحروب تلعب على الضغط العصبي الفردي والوعي الجمعي لكي تصل إلى نفس الأهداف بانهيار الخصم والسيطرة عليه، وهي بذلك تحرك أوتار الحس والنفس وكل نوازع التهييج والإثارة، لا نار فيها تُطلق ولا تُسال فيها دماء، تضرب هذا بذاك، وبالتالي يفقد معها الإنسان القدرة على التمييز بين من يقول الحقيقة، ومن يكذب، وصولا إلى الانهيار الشامل والشلل التام.

وهي بذلك تبدأ بحرب نفسية تستهدف تغيير السلوك وطريقة التفكير والتأثير على الجمهور إما لأغراض إيجابية وإما لأغراض سلبية إيمانا منها بأن من يكسب المعركة الإعلامية والنفسية يكسب بسهولة الحرب العسكرية.

ويقع ذلك تحت طائلة ممارسة العنف الرمزي بممارسة عنف معنوي يثير داخل نفسية المتلقي شكوكا تلو أخرى في نفسه وفي غيره، وبالتالي شكوكا في كل ما هو إيجابي مقابل التركيز على كل ما هو سلبي، وبذلك يسهل تكبيله بحاجز الخوف وعدم الثقة إذا أراد أن يعلق وأن ينتقد، خشية أن تصيبه لعنة السخرية وسيل من اللعنات والشتائم، ومن ثم يصاب بالعدمية والسلبية.

لكن هذه السلبية مدروسة بعناية، فهي مفتاح يؤدي في البداية إلى التشكيك وبعده إلى المسايرة، ومن ثم إلى عدم التفريق بين الشائعات والحقائق. ومن ثم، كانت الدعاية والدعاية المضادة ترجمة فورية للنيل من وحدة الدول وتفكيك وحدة شعوبها وانسجامها، لأن هذا النوع من حرب الجيل الرابع يعمل بالأساس على استهداف قوى الدولة السياسية والأمنية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية.

فهي تبدأ بحرب نفسية وحروب شائعات تضع صوب أعينها انقسام وتشرذم مكونات المجتمع وشرائحه، وبث نار الفرقة بينها وخلط الأوراق بين مؤسسات الدولة والنيل من رموزها، وبذلك تسعى إلى وضع الدولة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تعمد في حالة الأزمات الداخلية إلى منع المظاهرات والاحتجاجات والقيام بالاعتقالات، وبالتالي الوقوع في صدام مع المحتجين والمتظاهرين مع احتمال وقوع فوضى وصولا إلى حرب أهلية مدمرة، وإما تترك الأمر ينفلت ويصبح فوضى عارمة.والحرب النفسية في كلتا الحالتين، تحقق لحروب الجيل الرابع الهدف الذي تنشد تحقيقه.

1-منصات توظيف حروب الجيل الرابع

الأفكار والأيدولوجيات :وهي المرتكز الأساسي لحرب الجيل الرابع والمحور الذي تشن بموجبه تلك الحروب , لأننها الوسيلة التي تخاطب بها العقول وعلى مقدار فاعليتها تتحقق الهزيمة والنصر على العدو ..ومن خلال الأفكار والأيديولوجيات تهاجم ثقافة العدو وقيمه الروحية وتسعى لتدميرها ومن خلالها تستهدف الروح المعنوية والنفسية للمواطنين وبالتالي تسهل عملية أختراقه

  • الأعلام يعتبر بوسائله الجديدة والتقليدية من أبرز أسلحة حروب الجيل الرابع، وعليها الاعتماد الكبير في تنفيذ كثير من مخططات الحرب وإنزال الهزيمة بالخصم، وإشاعة الفوضى والبلبلة في البلد المستهدف.

  • منظمات المجتمع المدني والمعارضة، التي تستخدمها منظمات ومؤسسات عالمية مختلفة لتحقيق غاية الدول المسؤولة عنها ، وتنفيذ مخططاتها بزعم دعم الحريات والديمقراطيات، وتقوم بتمويل بعض المنظمات وتسعى لحمايتها، للاستفادة منهم واستخدامهم في الوقت المناسب

  • العمليات الاستخبارية، والنفوذ الواسع سواء كان هذا النفوذ في العالم الافتراضي كالإنترنت على سبيل المثال أو غيره، حيث أنها تسيطر على وسائل الإعلام الجديدة من الإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي، وجميع وسائل التكنولوجيا.

  • توظيف العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية والعسكرية : على الرغم من أن الثقافة هي جوهر الصراع في حروب الجيل الرابع، إلا أن للعوامل الأقتصادية تأثيرات كبيرة جدا على أمن وأستقرار الدول , لذلك تصبح الدعايات والأضرابات والأعتصامات وتفشي الفساد المالي , كلها وسائل لتخريب الأقتصاد وشله في مراحل متقدمة

  • أستخدام وسائل غير عسكرية مثل الأعتصامات والأضرابات والعصيان المدني لشل مؤسسات الدول وبنيتها التحتية

  • توظيف وأستغلال المنظمات الأرهابية لتحقيق أهداف حرب الجيل الرابع – عندما تعجز الوسائل السلمية) مظاهرات أحتجاجات اعتصامات ) من تحقيق الأهداف المرسومة لها في خلخلة النظام في دولة معينة وعدم القدرة على أضعافها وتغيير ذلك النظام

  • استغلال نقاط الضعف فى الدول المستهدفة والتى يمكن أن تسبب أكبر قدر من الخسائر البشرية , مع تعطيل أو شل الأقتصاد

2- اهداف حروب الجيل الرابع :

وأحد أهداف حروب الجيل الرابع في السنوات الأخيرة يتمثل في نزع الشرعية عن أنظمة الحكم من خلال عدة مراحل،

  • تحريك جماعات وتنظيمات داخلية مدربة ضد النظام، انطلاقاً من أن حدوث مواجهات بين قوات النظام ومؤسساته الأمنية وعناصر هذه الجماعات واستدراج هذه العناصر لارتكاب خروقات أمنية وتجاوزات تتنافى مع المواثيق والأعراف الدولية الخاصة بالحريات العامة وحقوق الإنسان وغير ذلك.

  • توثيق ذلك كله، ونشره على نطاق واسع من خلال وسائل إعلام متعاونة لهذا الغرض.

  •  تلي ذلك مرحلة الضغوط الدولية عبر الدول الكبرى والمؤسسات الدولية ومنظمات المجتمع المدني للضغط على الأنظمة والحكومات باستخدام المواد المنشورة التي وظفت لتهييج الرأي العام إقليمياً ودولياً.

  •  العمل بكل الطرق لممارسة الضغوط الدولية , من خلال قلب الحقائق وتزييفها وفبركة الصور باستخدام تقنيات حديثة، وتوظيف الانتشار الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي في تناقل هذه الصور والأفلام المصورة من أجل جلب نوع من التحقير والإدانة الشعبية الدولية لأي نظام تمهيداً لإضعاف موقفه وإخضاعه سياسياً لأهداف خارجية يتم تنفيذها بأيد داخلية، أو إسقاطه نهائياً وتغيير أنظمة الحكم من دون تدخل عسكري وتصوير الأمر برمته باعتباره حراكاً داخلياً في الدول لا علاقة للقوى الكبرى به، أو استنزاف دول ما من خلال إجبارها على توجيه مواردها كافة لمواجهة الاضطرابات الداخلية المفتعلة والانشغال بذلك عن التنمية والاستجابة لمتطلبات التفاعل الدولي.

خامسا ، تداعيات انماط حروب الجيل الرابع على الامن القومي

1-التاثير المباشر وغير المباشر على الامن القومي

تتميز  حروب الجيل الرابع بانها تلك الحرب التي تتلاشى فيها الفروق بين نقطتي البداية والنهاية أي بين الحرب والسلام , وسوف تكون الحدود فيها حدود غير واضحة , وربما الى حد عدم وجود ساحات او جبهات القتال المعروفة في الحروب التقليدية , وسيكون التمييز بين المدني والعسكري امرا صعبا جدا أن لم يكن معدوما , أنها حرب غير تقليدية ساحاتها الحقيقية بعيدة عن ميادين القتال التقليدية , ميادينها العمق المجتمعي بكل ما يحمله من أرث حضاري وثقافي وديني وأجتماعي , هو صراع يتمحور حول القيم الروحية الدينية والمذهبية والعرقية والقيم الثقافية والقيم المعنوية والأقتصادية والبشرية والأخلاقية والتماسك الأجتماعي انه صراع شائك ومتشابك تتغلب فيه العواطف على العقول وتهدف هذه الاستراتيجيات التدميرية التي تعمل على فترات زمنية متفاوتة إلى تحقيق عدة أهداف:الهدف الاول ، خلق حالة من الانقسام المجتمعي المستدام، بحيث يتم النظر بشكل عدائي بين فئات المجتمع، وقد حدث ذلك بالفعل في مناطق عدة بحيث يصبح المجتمع مؤهلاً لحرب أهلية طويلة الأمد ويصبح الاستقرار والتماسك الداخلي حلماً بعيد المنال مثلما حدث في لبنان والصومال والعراق وليبيا وسوريا وغير ذلك، وبحيث لا تقدر هذه الدول على العودة إلى مسارها التنموي مجدداً ولا تستطيع خوض معاركها الحقيقية ضد الجهل والتخلف والمرض أو خوض معارك خارجية ضد أعدائها الحقيقيين.

الهدف الثاني : وهو هدف مهم جدا هو تدمير الجيوش التي تمثل تهديداً إقليمياً أو تمتلك المقدرة على تغيير موازين القوى الإقليمية بحيث تخرج هذه الجيوش من معادلة القوة الشاملة وتتحول إلى ميليشيات أو قوات أمن داخلي في أحسن الأحوال.

الهدف الثالث : وهو القضاء على الدول القوية وتحويل المنطقة إلى دول فاشلة أو ضعيفة تعاني نقاشات واضطرابات داخلية مزمنة ,يتفشى فيها الفساد المالي والأدراي ,بحيث لاتبقي لها اي قيمة او تأثير أقليمي أو دولي . هذه الاستراتيجيات جميعها تنفذ باستخدام تنظيمات وجماعات وعناصر شبابية من الأدوات الداخلية التي تعمل تحت شعارات جذابة للشعوب مثل الدين والدفاع عن العقيدة وحرية الرأي والإصلاح الديمقراطي ما يفتح الطريق واسعا لدخول تنظيمات ارهابية مختلفة مستغلة ضعف الدولة والتناحر المجتمعي بحجة الدفاع عن الدين والعقيدة والطائفة لتعصف بالدولة وما فيها

2-تاثير خصائص حروب الجيل الرابع على طبيعة المخاطر

تطورت حروب الجيل الرابع و التي تدور بين دول أو بين بعضها بعضاً، أو بين دول وجماعات والعكس، وتعتمد على كسر إرادة الطرف الآخر وتحطيم معنوياته وإفشال مؤسسات الدول وإحداث قدر هائل من الفوضى والارتباك والذعر الداخلي بحيث يسمح ذلك بتدخلات خارجية لتحقيق مخططات معينة وتنفيذها، أو استمرار هذه الفوضى الداخلية لشغل الدول عن الخارج ودفعها إلى الانكفاء على الذات والانشغال داخلياً بما يخدم أهداف قوى إقليمية أو دولية.يستند الجيل الرابع من الحروب إلى تشتيت الانتباه والاتصالات التي تعمل على إزالة جبهة القتال تماماً، والاكتفاء بالهجوم الثقافي اعتماداً على مقاتلين جدد على هذه الجبهة المستحدثة عبر وسائل الإعلام مع شن أعمال عنف مبرمجة بدقة لشل الإرادة والإرباك ثم انهيار العدو السياسي، بدلاً من السعي إلى عمليات قتالية حاسمة.

3-تاثير تكتيكات حروب الجيل الرابع على الامن القومي

تهدف حروب الجيل الرابع لهدم الدولة المقصودة من الداخل وبيد أصحابها وبنيها، عن طريق إيقاظ الفتنة النائمة بكل الطرق الممكنة إما عن طريق الصراع العرقي أو النعرات القبلية والاجتماعية أو الفتن الطائفية أو تمرد الأقليات وغيرها. ويتم ذلك عن طريق ثلاث خطوات محددة تنتهجها الدولة المعتدية تبدأ هذه الخطوات بزعزعة الاستقرار داخل الدولة المعتدى عليها، وتغذية قوى المعارضة غير الوطنية، وتدريب بعض العملاء على تهييج الرأي العام وكيفية خروج المظاهرات وإشاعة السخط العام وتهيئة البلاد للفوضى العارمة. ومن ثم تأتي الخطوة الثانية التي يتم فيها تفشيل الإدارات والمؤسسات الحكومية المختلفة حتى يتم تحويل الدولة المنظمة إلى دولة فاشلة. لتأتي الخطوة الثالثة وهي خطوة فرض الإرادة من تقسيم أو استيلاء على الثروات أو تحويلها لسوق كبير لبيع المنتجات الراكدة وخلافه

4-حروب الجيل الرابع وتوظيف القوة الناعمة للاختراق

 أما القوة المستخدمة في هذا الجيل من الحروب فهي القوة الذكية smart power وتشتمل على قوتين: الأولى، وهي القوة الناعمة soft power وهي تشمل كل ما يجذب المواطن من أساليب إقناع مختلفة من برامج تلفزيونية وأفلام سينمائية وأفكار أيديولوجية دينية أو قومية أو عرقية. أما القوة الثانية فهي القوة الصلبة hard power فتشمل كل أنواع السلاح الخفيف والثقيل الذي يتم استخدامه في المراحل النهائية للقضاء تماماً على تلك الدولة المستهدفة.ومن تم فانها حروب  معقدة وطويلة المدى، وتستند إلى العامل النفسي بكثافة وتتمتع باللامركزية إلى درجة كبيرة، وتستعين بوسائل الإعلام للتأثير على الشعوب والدول كما أنها تعتمد بدرجة كبيرة على سلاح الاقتصاد.

5-حروب الجيل الرابع واعادة انتاج حروب "الوكالة"

هذه الحروب أشد وقعا وقد تؤدي تبعاتها إلى هدم صرح دول وتدمير مؤسساتها الأساسية، سياسيا وأمنيا واقتصاديا واجتماعيا. فهي تشتت الأفكار وتتلاعب بعواطفنا ومطالبنا على حد سواء، تجعل خصمها يستسلم صاغرا لها بسهولة، وأحيانا كثيرة دون مقاومة، تعرف متى تثير النعرات والرغبات.وهي قادرة على تقييد حركة العقل، وتشتيت الانتباه عن القضية الأساسية، بل وتذهب بالفرد أحيانا في جميع الاتجاهات لما لها من قدرة على تشتيت التركيز من جهة، أو تدفع دفعا إلى الفعل ورد الفعل في مداهما الأقصى من تخريب وفوضى من جهة أخرى.في هذا الإطار، قامت هذه الفلسفة على تسخير وسائل غير الوسائل العسكرية، فالمهاجم والمعتدي اليوم في مجال العلاقات الدولية يلجأ أولا إلى الحروب بالوكالة من داخل الدول التي يستهدفها، مستندا على وكلاء محليين يستهدفهم بعناية بناء على مشاكل عرقية أو عقدية أو إثنية أو لغوية.

6-حروب الجيل الرابع وضرب التماسك المجتمعي

 أخطر العناصر في حروب الجيل الرابع هي الحروب النفسية والشائعات وتصريف نظرية المؤامرة للتأثير في العقول والمشاعر، وهذه الحروب تشن على مدار الساعة مدعومة بأخبار وتسريبات وفيديوهات تهدف إلى خلق الإثارة والغضب، فضلا عن القيام بدعاية سوداء تمس المفكرين والصحافيين والعلماء، فهي تسعى بذلك إلى اغتيال العقل العربي، فتصور الحرية فوضى والتعدد شرا والوسطية نفاقا.وبالتالي فهي تستهدف تحطيم الجدار الرمزي والمعنوي الذي يمنح التفاؤل بالحياة وإبقاء جذوة الأمل حية لدى الشعوب العربية، ما يكشف كيف تغيرت خطة العمل وشكل الاستهداف لا لكي يشمل فقط خيرات العالم العربي ومقدراته الاقتصادية والسياسية، بل يستهدف احتلال العقول والعبث بها.وتهدف الحروب التي تخاض بجيوش إلكترونية مختصة في الدعاية المضادة إلى تحطيم ثقة الفرد بنفسه ومحيطه،

7-حروب الجيل الرابع ومحاولة تحريك العاطفة وتزيف الوعي

، فأول ما يتم مخاطبته هو العاطفة ويتم ذلك بأقل الكلمات، وباستعمال الصورة، لذلك يمكن تصوير حفل على أنه اعتداء على الدين.وهي غالبا ما تعتمد التهويل والتشويه بإضافة معلومة كاذبة لخبر صحيح، أو تفسير حدث بأسلوب غير صحيح. وهذه العملية تحتاج إلى جهد مضاعف لكشف التضليل، وبالتالي يضطر المتلقي إلى السكوت مسايرا عقلية القطيع، إذ غالبا ما توضع هذه الأخبار والمعلومات بعناية بالغة لكي تحيط بالناس من كل جانب، فتمرر دون أن يدركوا كيفية تصادفها في صفحات العديد من المواقع وشبكات التواصل الاجتماعي في كل دقيقة ولحظة.

8- حروب الجيل الرابع وخلط الاوراق والمسلمات 

يقوم الجيل الرابع من الحروب على خلـط الأوراق وبناء مساحات واسعة من الالتباسات المفاهيمية والثقافية، والمؤكد أن حروب الجيل الرابع هي أكبر نقلة نوعية في تاريخ التخطيط العسكري منذ معاهدة وستفاليا عام (1648) م ، لأن هذا الجيل الجديد من الحروب ينهي نسبياً أو واقعياً احتكار الدولة القومية لشن الحروب، حيث باتت التنظيمات والميلشيات والجماعات تشن حروباً ضد دول، ولم تعد الحرب تندلع بين جيوش فقط. وكان المقصود من هذه الحروب الحالة التي تفقد فيها الدولة احتكارها للعنف وقوى الصراع، والعودة إلى نماذج صراع كانت سائدة قبل الدولة المعاصرة. كما جرى في ثورات الربيع العربي في تونس وليبيا ومصر ويجري حاليا في العراق وسوريا وغيرها.

 

تأثيراتها

الثورة في الشئون العسكرية

 

الثورة الأولى

 

أنماط جديدة في التنظيم، القيادة، التعبئة، ف  العمليات، أساليب القتال

الثورة النابليونية في الشؤون

الثورة الثانية

 

تغيرات جذرية في أساليب القتال الحديث )استغلال الإبداعات التكنولوجية والتطورات الصناعية( الحرب الخاطفة، الناقلات، القاذفات ،الطائرات.

ثورة الحرب العالمية الأولى

الثورة الثالثة

 

الأسلحة النووية، الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، الحروب المركبة الحديثة.

الثورة النووية في

الشؤون العسكرية

الثورة الرابعة

الثورة

الرقمية

نظم القيادة، والسيطرة، والاستكشاف، البيئة القتالية، الالكترونيات الدقيقة، أجهزة الاستشعار.

ثورة المعلومات

والرقمنة في

الثورة الخامسة

الشؤون العسكرية

الأسلحة المستقلة، المركبات الآلية، أنظمة دفاعية ذاتية التنظيم ،الأسلحة الآلية، تحليل البيانات الضخمة، برامج الآلة والتعليم الآلي الدقيق.

ثورة الأسلحة ذاتية الحكم

 

سادسا ، فرص مواجهة حروب الجيل الرابع ما بين دور الدوله والمجتمع

لاشك ان نجاح الدولة في مواجهة حروب الجيل الرابع وغيرها من الحروب الحديث يتطلب تكاتف كافة مؤسسات الدولة للعمل على تقوية مناعة المجتمع ضد تلك الاخطار الحديثة والتي تحاول ان تلعب في التاثير في الوعي من خلال تزييف المعلومات والمعرفة ، وبخاصة في ظل سيطرة شبكات التواصل الاجتماعي على نمط الحياة المعاصرة ، ومن ثم فان يجب ان تساعد الحكومة المجتمع المدني والقطاع الخاص والاعلام في تطوير دور المؤسسات المعنية بالتنشئة الاجتماعية لكي يتم اعداد مواطن قادر على مواجهة تحديات عصر المعرفة ويكون صمام امان لامن المجتمع بدلا من ان يكون عنصر تهديد له ، وهو ما ياتي من خلال دعم روح الانتماء والكرامة ، ومن جهة اخري من الضروري أعادة النظر بالعقائد العسكرية وما يتبعها من نظريات وأستراتيجيات بضوء التجارب التي حدثت في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا ولبنان واليمن وما خلفته من أرهاصات لأيجاد نظريات جديدة لمواجهة التهديدات الحالية وبما يؤثر على نوع وحجم القوات العسكرية وتسليحها وتدريبها

لقد اظهرت التجارب والخبرات في مقاتلة الأرهاب أن الوحدات القتالية الصغيرة المدربة تدريبا راقيا على قتال المدن والعصابات هي المهيئة أكثر لخوض هذه الحروب الغير متماثلة على ان يخدمها جهاز أستخباري كفوء جدا يمتلك أحدث التقنيات الألكترونية الحديثة من أجل الحصول على المعلومات مع القدرة على أختراق التنظيمات المعادية والتأثير المباشر وغير المباشر عليها , كما ينبغي عدم الأعتماد كليا على الجيوش النظامية في مقاتلة هذه التنظيمات لأن زجها في مثل هذه الحروب يقلل من كفائتها ويضعف من معنوياتها ومن مصداقيتها أضافة الى الأستنزاف الكبير لأقتصاد الدولة كما يؤدي الى أضعاف وتأكل قوة الردع التي لابد من وجودها لمواجهة كافة الأحتمالات الأخرى التي تهدد امن الوطن

  • ضرورة وجود جهاز اعلامي كفوء قادر على مواجهة الأعلام المعادي من ناحية وتحصين المواطن تجاه الأفكار والنظريات المعادية التي تهدف الى خلخلة عقيدة المواطن بقيادته والتشكيك بها وهي نقطة الضعف التي تنفذ منها وسائل أعلام هذه الحرب .

  • ان حماية أي بلد تجاه هذه الحرب لاتكمن بما تمتلكه من قطعات عسكرية ومن اسلحة متطورة وتكتيكات قتالية التي هي ضرورية ولكن المهم منها هي توفير الحصانة للبلد تجاه هذه الحروب

  • أن الحصانة المطلوبة لمواجهة هذا النوع من الحروب تكمن بالدرجة الأولى من الأهتمام بالمواطن من خلال تحقيق العدالة الأجتماعية ومعاملة المواطنين على السواء بغض النظر عن العقيدة والقومية والطائفة وغيرها وتحقيق الأمن المجتمعي مع توفير متطلبات الحياة الكريمة للمواطنين من كافة النواحي

  • أن ضمان توفير هذه المتطلبات هي السلاح الأمثل لمواجهة تكتيكات الحرب الرابعة وغيرها التي تستهدف المواطن بشكل أساسي . لذلك لابد من مواجهة هذة الحروب بطريقة مبتكرة ، فعلى سبيل المثال لا الحصر، لابد من انتهاج سياسة معلوماتية و تقنية جديدة في أمن المعلومات للمنشآت الحيويّة، مع مكافحة المواقع التي تحضّ على الإرهاب والكراهية أو التي توفر معلومات مساعدة على العمل الإرهابي، كما أنه يتوجب أن يتم تدريب المسؤولين عن مكافحة الإرهاب على استيعاب السياسات الأمنية الإلكترونيّة الدولية وان يكون هم أنفسهم مبتكرين من الناحية التكنولوجية.

  • التركيز على المواجهة “الليّنة” مع الإرهاب عبر دحض أفكاره وعزله عن المجتمع، مع بثّ أفكار مضادة لما يروّج الإرهابيون له. كذلك تجدر الأشارة ألى إتاحة الفرصة أمام حريّة التعبير، مما يعزل الأفكار المتطرّفة ويمنع تضخيم حجمها وحجم المؤيدين لها، أي أن الفكر لابد من مواجهته بفكر, لأن الفكرة هي التي تحرك القوّة. و الاهم هو تغيير مدخلات ومخرجات التعليم، بهدف تخريج نوع جديد من المتعلمين القادرين على الفهم والتحليل، من خلال إطلاق الدولة للسياسة العليا في مجال العلوم والتكنولوجيا والابتكار.

  • الشيء المهم جدا والذي يحقق الأمن والسلامة للمواطنين ويحميهم من مخاطر هذه الحروب , هي وجود نظام حكم عادل ونزيه يعتمد مبدأ المساواة بين جميع المواطنين بالحقوق والواجبات ويؤمن للمواطن العيش بكرامة , ويوفر للمواطنين

  • أفضل الظروف للتعليم من اجل خلق جيل قادر على التعايش مع متطلبات هذا العصر في ظل قانون يضمن حقوق المواطن بالحرية والكرامة والعدالة الأجتماعية بغض النظر عن جنسه ودينه ومذهبه .

 

 

 

 

 

 

مراجع وهوامش الدراسة

اولا: المراجع باللغة العربية:

  1. زلمي خليل جاد، وايت جون ،)2004(، الدور المتغير للمعلومات في الحرب، العدد35، أبوظبي، الإمارات العربية: سلسلة دراسات عالمية.

2.لورنس فريدمان،(2000) الثورة في الشؤون الاستراتيجية، الطبعة الأولى، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2000 ، ص ص 4-6

  1. شادي عبد الوهاب ،)2017(، حروب الجيل الخامس: التحولات الرئيسية في المواجهات العنيفة غير التقليدية حول العالم، أبوظبي، الإمارات العربية: سلسلة دراسات المستقبل.

  2. اسماعية صبري مقلد  )يوليو/أغسطس/سبتمبر 2012(، مخاطر تسببها الفجوة الرقمية: ثورة المعلومات وحروب المستقبل المحتملة، آفاقالمستقبل، العدد 15، ص ص40-44.

  3. مصباح عامر ،)2017(، تطور علم الاستراتيجية، مصر، القاهرة: دار الكتاب الحديث.

  4. عادل عبد الصادق (2016|)،الفضاء الالكتروني والعلاقات الدولية ،دراسة في النظرية والتطبيق، المكتبة الاكاديمية ، ص ص 120-140

المراجع باللغة الأجنبية:

  1. Adams Thomas, (2008), The Army After Next: The First Post Industrial Army, London: Praeger Security Internationa.

  2. Alvin Toffler, Heidi Toffler, (1993), War And Anti War, New York : Warner Books.

  3. Arquilla John, and Ronfeldt David, (1997), In Athena's Camp: Preparing for Conflict in the Information Age, RAND Corporation.

  4. Bernard F.W. Loo, (march 2019), The Challenges Facing 21st Century Military Modernization, Features ,vol 8, NO. 3, Pp147-156.

  5. Bernard Loo,  (2009), Military Transformation and Strategy: 10.Revolutions in military affairs and small states, London and  New York: Routledge,  

  6. Betz David, (June 2006), The more you know, the less you understand: The problem with information warfare, The Journal of Strategic Studies, Vol. 29, No. 3, Pp 505-533

  7. Boone Bartholomees, (2008), Theory OF War And Strategy, 3rd Edition, United States: J r.Department of National Security and Strategy.

  8. Bruneau Thomas AndTrinkunas Harold, (2008), Global Politics Of Defense Reform, New York: Palgrave Macmillan.

  9. Colin S. Gray, (2007), War, Peace and International Relations: An Introduction to Strategic History, London & New York: Rutledge Taylor & Francis Group.

  10. Debjani Roy, and others, (2014), Cinema in the Age of Digital Revolution, International Journal of Interdisciplinary and Multidisciplinary Studies, Vol 1, No.4, Pp107-.111

  11. Dobrick Farina Madita, And Others, (2018.), Research Ethics InThe Digital

  12. Age: Ethics For The Social Sciences And Humanities In Times Of Mediatization And Digitization, Germany: published by Springer Nature.

  13. Dragan Z. Damjanovi?, (2017), Types Of Information Warfare And Examples Of Malicious Programs Of Information Warfare, Vojnotehni?kiGlasnik / Military Technical Courier, Vol. 65, Issue 4, Pp1044-1059.

  14. Dunn Myriam, (November 2002), Information Age Conflicts: A Study of the Information Revolution and a Changing Operating Environment, Zurich: Research Center for Security Policy and conflict analysis.

  15. F. G. Hoffman, Will War’s Nature Change in the Seventh Military Revolution? , US Army War College: Parameters, VOL. 47 NO. 4,  winter 2017-18,  Pp19-31

  16. FookWeng Loo Bernard, (April 2009), Decisive Battle: Victory And The Revolution In Military Affairs, The Journal Of Strategic Studies, Vol. 32, No. 2,  Pp 189–211

  17. Goldman Emily And Mahnken Thomas, (2004), The Information Revolution In Military Affairs In Asia,1st Edition, New York And England, Palgrave Macmillan. 

  18. Kane Thomas and Lonsdale David, (2012), Understanding Contemporary Strategy, London & New York: Routledge Taylor & Francis Group.

  19. Krepinevich Andrew F., (1994), Cavalry to Computer: The Pattern of, Military Revolutions, The National Interest, No. 37, Pp30-44.

  20. Levieux François, (Novembre 2005), La défense et les technologies de l’information et de la communication, Annales Des Mines, ISSN 1148-7941, Pp68-72

  21. Lonsdale David, (1999), Information power: Strategy, geopolitics, and the fifth dimension, Journal of Strategic Studies,  Volume 22 - Issue 2-3, Pp137157.

  22. Mahnken Thomas, (june2011), bloodless yet potentially devastating new method of warfare, America’s Cyber Future Security and Prosperity in the Information Age, volume 11, Pp57-64.

  23. Norquist David L, (june 2019), DoD Digital Modernization Strategy.

  24. Rasmussen MikkelVedby, (2007), The Risk Society at War Terror: Technology and Strategy in the Twenty-First Century, New York: Cambridge University Press.

  25. Schoenherr, Steven, (5 May 2004), The Digital Revolution, in the site: (http://bit.ly/38V2l7L)12, 10, 2019.

  26. Schreier Fred, (2015), On Cyberwarfare, Dcaf Horizon Working Paper No.7.

  27. Schwab  Klaus, (2017), the Fourth Industrial Revolution, New York: Crown Business.

  28. Schwab Klaus, and Nicholas Davis, (2018), Shaping the Future of the Fourth Industrial Revolution: a guide to building a better world, New York: World Economic Forum.

  29. Sloan Elinor, (2002), The Revolution in Military Affairs Implications for Canada and NATO, London : McGill-Queen’s University Press.

  30. Westerburger Steffen, (2014), Cyber Conflict in the 21st Century: The Future of War and Security in a Digitalizing World, Master Thesis International Relations, Radboud University, Roman.

 



© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>