قراءة في تحديات الطاقة الكهربائية العالمية

02-02-2023 12:37 PM - عدد القراءات : 2903
كتب د. عصام بن عبدالعزيز العمار الاقتصادية
لا تزال الطاقة تهيمن كأحد التحديات والتطلعات في العالم مع بداية العام الجديد 2023 ولا تزال حديث الساعة، خصوصا مع الأزمة الروسية - الأوكرانية وأثرها البليغ خاصة في دول الاتحاد الأوروبي. ونتجت كأزمة طاقة بناء على عدة عوامل اقتصادية، بما في ذلك الانتعاش الاقتصادي السريع بعد جائحة كورونا الذي تجاوز إمدادات الطاقة وتصاعدت إلى أزمة طاقة عالمية واسعة النطاق بعد الأزمة الروسية - الأوكرانية.
قراءة في تحديات الطاقة الكهربائية العالمية

وتقع صناعة الطاقة في قلب أي اقتصاد متطور، ففي المملكة المتحدة، تدعم أكثر من 700 ألف وظيفة وتسهم في مبلغ 27 مليار جنيه استرليني سنويا في إجمالي القيمة المضافة.

وتواجه صناعة الطاقة عموما تحديات في الأعوام المقبلة مع التغير المناخي والتحديات الجيوسياسية والصدمات المستمرة في سلاسل التوريد.

وسيتطلب الأمر استثمارات ضخمة لمواجهة هذه التحديات إضافة إلى مستويات عالية من الابتكار عبر هياكل المنظمات بأكملها، ولذلك يجب تحسين عمليات صناعة الطاقة من التفكير الاستراتيجي إلى التشغيلي.

ولقد نما عدد من التحديات التي يجب على المنظمات فهمها، ومنها صعوبات فنية واقتصادية في إزالة الكربون، وتحديات تتعلق بالابتكار، وزيادة التكاليف وعدد من التغيرات الجيوسياسية التي حصلت في العالم أخيرا.

لكن لا تخلو هذه التحديات من فرص تستحق الدراسة والكتابة لاحقا.

لقد نما استهلاك الكهرباء في العالم بشكل مستمر خلال نصف القرن الماضي، حيث وصل إلى ما يقرب من 26 ألف تيرا واط ساعة في 2022.

وبين 1980 و2022، تضاعف استهلاك الكهرباء لأكثر من ثلاثة أضعاف، بينما زاد عدد سكان العالم بنحو 0.75 في المائة وتخطى حاجز ثمانية مليارات نسمة.

ولقد أدى النمو الصناعي والسكاني في العالم إلى زيادة الطلب على الكهرباء، حيث تمثل نحو 20 في المائة من إجمالي الاستهلاك النهائي للطاقة في العالم، لكن حصتها من خدمات الطاقة صارت أعلى بسبب كفاءتها.

إنه لأمر أساس في عديد من جوانب الحياة اليومية إذ يصبح أكثر أهمية مع انتشار وتوسع استخدامات الكهرباء في مجالات جديدة مثل المركبات الكهربائية والمضخات الحرارية.

واستحوذت صناعة الكهرباء على 59 في المائة من ناتج إجمالي الفحم المستخدم عالميا في 2021 جنبا إلى جنب مع ناتج 34 في المائة من الغاز الطبيعي و4 في المائة من النفط و52 في المائة من جميع مصادر الطاقة المتجددة و100 في المائة تقريبا من الطاقة النووية، لكن أصبحت صناعة الكهرباء العالمية مسؤولة عن أكثر من ثلث مجموع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة.

ويتم بناء طاقة الرياح والطاقة الشمسية على نطاق واسع في الدول التي ينمو فيها الطلب على الكهرباء بشكل متسارع مثل الصين والولايات المتحدة والهند ودول الاتحاد الأوروبي.

وأصبح الطلب على الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة في العالم، وصار ينمو بشكل متزايد بحيث لم تكن ثمة حاجة إلى بناء محطات توليد إضافية من الوقود الأحفوري في العام الماضي.

وتعد الصين أكبر مستهلك للكهرباء في العالم في العام الماضي، حيث تستخدم أكثر من 5.934 تريليون كيلوواط ساعة من الطاقة سنويا وتمثل ما يقرب من ربع استهلاك الطاقة العالمي كما تشتهر بأنها تنتج الكهرباء بوساطة الفحم بشكل أساس، لكنها تحولت إلى الغاز الطبيعي ومصادر الطاقة المتجددة في الأعوام الأخيرة.

ونظرا إلى الطلب والنمو المتزايد في التطورات والتقنيات المستجدة، هناك عديد من التحديات التي يتعين على مشغلي شبكات الكهرباء مواجهتها.

ومنها تزايد إنتاج مصادر الطاقة المتجددة، وزيادة الفقد الكهربائي والانقطاعات الكثيرة ذات الأثر العظيم على المجتمع والصناعة، ومنها عدم القدرة على تحسين الشبكات الكهربائية وتهديد الهجمات الإرهابية والأمن السيبراني، ومنها أيضا تقادم الشبكات الكهربائية ومكوناتها وسبل إدخال المركبات الكهربائية في النظام بكل أمان.

وفي المقالات المقبلة، سنستعرض بكل إسهاب تلك التحديات التي تجابه صناعة الكهرباء العالمية واقتراح الحلول المناسبة لها

إن تزايد إنتاج مصادر الطاقة المتجددة سيمثل تحديا في شبكات العالم الكهربائية، حيث من المتوقع أنه بحلول 2050 ستغطي مصادر الطاقة المتجددة 62 في المائة من الطاقة المولدة كما ذكرت عدة جهات معنية ودراسات بحثية.

لكن ربط مصادر الطاقة المتجددة بالشبكة الكهربائية ليس بالبساطة التي قد يبدو عليها، حيث تعتمد فاعليتها كليا على الظروف الجوية والفنية والتنظيمية.

وتعد الطاقة المتجددة مصدرا غير مستقر أو موثوق به إلا بوجود نظام إدارة متقدم، إذ بالإمكان أن يسبب خللا خطيرا في الشبكة في حال سوء الإدارة.

ويعد استخدام البطاريات أو أنظمة تخزين الطاقة من أنجح الحلول التي يمكنها تخزين الطاقة غير المستخدمة وحفظها للاحتياج لاحقا، لكن لا تزال تكاليف البطارية مرتفعة.

ويمكن للذكاء الاصطناعي تحسين أنظمة التنبؤ وبالتالي السماح بتنبؤات أكثر دقة عن حالات الطقس والظروف الجوية واستهلاك الطاقة، وكذلك اعتماد الربط الكهربائي مع الدول المجاورة لرفع اعتمادية الشبكة الكهربائية وتصدير الفائض.

من جانب آخر، يعد انقطاع التيار الكهربائي المتكرر تحديا لكل دول العالم، ويعزى السببان الرئيسان الأكثر شيوعا لانقطاع التيار الكهربائي إلى الظروف المناخية القاسية وشبكات الكهرباء البالية.

ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال تكرر انقطاع التيار الكهربائي بشكل متزايد في 2020، حيث عانى المواطن الأمريكي العادي ما يتجاوز ثماني ساعات من انقطاع التيار الكهربائي في 2020، مع ارتفاع الفترة الإجمالية لانقطاع التيار الكهربائي في الولايات المتحدة إلى أكثر من الضعف منذ 2015، وفقا لوزارة الطاقة الأمريكية.

وإن حالات تكرار انقطاع التيار الكهربائي ولفترات طويلة تهدد ملايين الأشخاص والأعمال، إذ نجم بسببها أضرار تقدر بمليارات الدولارات، ويمكن أن يؤدي انقطاع التيار الكهربائي الشامل إلى تلف الأجهزة الإلكترونية وفقدان البيانات إلى جانب شل الحياة التجارية والصناعية.

ولعل الحل الأنجع هو رفع الاكتفاء الذاتي من الطاقة عن طريق تخزينها في البطاريات كحماية طويلة الأمد عند انقطاع التيار الكهربائي لتضمن تأمين التشغيل المستمر للمعدات والأحمال الأساسية.

أما الفقد الكهربائي فيعد في حد ذاته تحديا وأمرا مقلقا للغاية، إذ إن نقل الكهرباء عبر مسافات طويلة سيحدث فقد قدرات كهربائية كبيرة داخل خطوط الكهرباء، وبالتالي سينتج عن ذلك خسائر فادحة مهدرة في الطاقة على شكل حرارة أو ما يسمى الفقد الفني، ويتم دفع هذه الخسائر من قبل المستخدم النهائي.

وبناء على ذلك فإن من الحلول الناجحة هي التحول من إنتاج الكهرباء من محطات الطاقة الكبيرة "الأسلوب التقليدي" إلى مصادر الطاقة الصغيرة أو Micro Scale التي تضمن استهلاك الطاقة على مستوى المستهلك.

وأما الفقد الناجم عن التعدي والاستحواذ غير القانوني على الكهرباء، فستتكفل التقنيات الرقمية في الحد منها وكشفها.

وفي حين أنه يوجد عمر تشغيلي لخطوط النقل والتوزيع وأن تجديد أو بناء خطوط جديدة سيكون مكلفا إلا أن هناك حاجة مستمرة إلى زيادة وتعزيز قدراتها، ويمثل تحديث الشبكة الكهربائية وإدارة الأصول تحديا طويل الأمد، ولذلك ينظر إلى تقادم الشبكة الكهربائية كإحدى المشكلات العصيبة التي تواجه الولايات المتحدة. والأفضل الأمثل هو تبني نظام لا مركزي لأن إنتاج واستهلاك الطاقة المحلية سيقلل من حجم الكهرباء الموزعة عبر الشبكات الكهربائية.

ولا تزال المركبات الكهربائية في بداية عهدها في أغلب دول العالم، لكن التقدم السريع في التقنية يزيد من استخدامها. لكن يستغرق شحن المركبات الكهربائية قدرا من الوقت والطاقة، وهذا التغيير الفوري في الطلب على الطاقة يمثل تحديا كبيرا للشبكة وقد يوجد أحمالا ذروية جديدة، ولا يرى أفضل من تطبيق مفهوم الشبكات الذكية مع مصادر أخرى مثل الطاقة المتجددة والبطاريات وغيرها

على الرغم من التوجه إلى رقمنة صناعة الكهرباء إلا أن لها آثارا غير إيجابية فيما يتعلق بالأمن السيبراني، فقد اكتشفت حالات تسلل "أو تهكير" عندما قامت مجموعة من المتسللين بالوصول إلى أنظمة شركات الطاقة وتعريض آلاف العملاء إلى انقطاع التيار الكهربائي، كما حدث في أوكرانيا عندما اخترق متسللون في 2015 أنظمة المعلومات الخاصة بثلاث شركات لتوزيع الكهرباء في أوكرانيا، وعطلوا -مؤقتا- إمدادات الكهرباء إلى المستهلكين، حيث أوقفت الهجمة تشغيل 30 محطة فرعية تخدم نحو 230 ألف شخص، وتعطلت الكهرباء لمدة تراوح بين ساعة وست ساعات.

كما أن الرقمنة أوجدت تحديا، فقد سهلت حلولا لصناعة الكهرباء، حيث تعد بعض التقنيات الرقمية، مثل البلوكتشين، حلا مناسبا، وأثبتت إمكانات قواعد البيانات الموزعة في القضاء على الهجمات الإلكترونية لدرجة أن المؤسسات المالية الدولية، مثل "جي بي مورجان" و"ناسداك"، تدرسان تنفيذه وتطبيقه.

وبالتالي يمكن أن يكون النظام الكهربائي لا مركزي، ما يؤدي إلى رفع الموثوقية وعدم إعطاء مسؤولية تشغيل الشبكة الكهربائية في أيدي مورد واحد. وتعني قواعد البيانات الموزعة الحد من الهجوم على نقطة واحدة في الشبكة، على سبيل المثال محطة واحدة، بحيث لا يضرب النظام الكهربائي بأكمله فتؤثر في تشغيله أو توقفه نهائيا.

من جانب آخر، يمثل الإرهاب والتخريب تحديا من نوع آخر في صناعة الكهرباء، وعلى الرغم من أن الهجوم على مصادر الغذاء أو الإمدادات الحيوية الأخرى يمكن أن ينتج أضرارا جسيمة في المجتمع، إلا أنه يمكن حل الموقف نسبيا مع توافر خيارات النقل والخدمات اللوجستية اليوم.

لكن قد يستغرق إصلاح محطة أو خطوط الكهرباء العاطلة وقتا أطول، ويكمن أفضل الحلول للتخفيف من حدة المخاطر من خلال رفع الاكتفاء الذاتي من الطاقة والاستعانة بالشبكات الصغيرة بقدر الإمكان. وإضافة إلى مجمل التحديات، فلا تزال كفاءة الطاقة تعاني في مجمل المباني والنقل والصناعة في معظم أنحاء العالم.

يمضي العالم مع العام الجديد 2023 محملا بعديد من التحديات الفنية، كما ذكرت آنفا، وتجدر الإشارة إلى وجود تحديات اقتصادية ومالية وقانونية وتنظيمية واجتماعية من شأنها أن تمثل معوقات أكثر من الجوانب الفنية.

على سبيل المثال، فقد طرح 549 إجراء قانونيا بشأن تحديث الشبكة الأمريكية خلال الربع الثاني من 2022، لكن المنظمين وافقوا على 478.7 مليون دولار فقط كمشاريع استثمارية من أصل 12.86 مليار دولار.

من جهة أخرى، فقد يعترض المجتمع أو الجمعيات البيئية على استخدام أراض زراعية لإنشاء محطات طاقة رياح، كما هو الحال في عدد من دول الاتحاد الأوروبي.

وقد تكون الخلافات السياسية بين المشرع والمنظم تحديا آخر قد يفتح فراغا تنظيميا في القطاع، بل قد تخلو بعض دول العالم من التشريع والتنظيم الخاص بالكهرباء، أو قد يكون غامضا أو معقدا، ما يبعد الاستثمار والانضباط التنظيمي.

ومع الانفجار السكاني والصناعي في العالم، فإن السياسات الحكومية والحوافز والمخاوف الاستراتيجية بشأن أمن الطاقة واستقلالها وانخفاض التكاليف هي الدوافع الرئيسة لرفع مستوى الطاقة المتجددة. لكن لا يزال التذبذب السياسي ومقاومة التغيير مصدر قلق بشأن تبني الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهذا في حد ذاته تحد عظيم.

وليس من المستغرب أن تظل الطاقة الكهرومائية المصدر الأعلى لتوليد الكهرباء المتجددة في العالم على الرغم من أن قدرتها تتوسع بشكل أقل مقارنة بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وسيستمر إجمالي الوقود الأحفوري "الفحم والغاز الطبيعي والبترول" في السيطرة على مزيج الكهرباء العالمي، بينما سيظل مصدر الغاز قائما حتى في انتشار الطاقة الشمسية.

لكن ستحل الطاقة المتجددة موقع الفحم بحلول 2027، كما ذكرت وكالة الطاقة الدولية، إلا إذا أثيرت نوبة جديدة، مثل الأزمة الروسية الأوكرانية أو طال أمدها



© 2012 جميع الحقوق محفوظة لــ المركز العربى لأبحاث الفضاء الالكترونى
>