التقنية المالية أو "الفنتك" مهدد حقيقي للبنوك التقليدية من منظور الاقتصاديين وفي الوقت نفسه نتيجة إيجابية من نتائج تطبيقات الاقتصاد الرقمي، ومن المتوقع أن يستمر التأثير لأعوام مقبلة حتى تستوعب البنوك قوة المنافسين الجدد من خلال استغلالهم أدوات جديدة في البيانات وتحليلها، والوصول إلى شرائح جديدة عبر الهواتف المحمولة يمكن لها، أي الشركات في التقنية المالية،
التقنية المالية أو "الفنتك" مهدد حقيقي للبنوك التقليدية من منظور الاقتصاديين وفي الوقت نفسه نتيجة إيجابية من نتائج تطبيقات الاقتصاد الرقمي، ومن المتوقع أن يستمر التأثير لأعوام مقبلة حتى تستوعب البنوك قوة المنافسين الجدد من خلال استغلالهم أدوات جديدة في البيانات وتحليلها، والوصول إلى شرائح جديدة عبر الهواتف المحمولة يمكن لها، أي الشركات في التقنية المالية، تحويل سلوك الناس إلى قرارات من خلال تحليل السلوك والمعاملات المالية التي يقوم بها العملاء، وأسهمت كمية نتائج التحليل في تطوير منتجات وخدمات جديدة وغير مسبوقة، فمثلا شركة "أبل" طرحت حسابا ادخاريا بعوائد 4.15 في المائة للعملاء المدخرين من خلال محفظة الشركة نفسها، لذا يمكن أن يكون لهذا تأثير كبير في البنوك من حيث المشاركة في الأرباح، وكذلك قدر نرى في القريب العاجل تغير في تصنيف الملاذات الآمنة بالانتقال من المصارف إلى الشركات الكبرى التي تجمع الأموال لتمويل أعمالها عبر الابتكار، والمعززة أصلا بفائض مالي تراكمي يضمن إعادة تلك الأموال في أي وقت، خصوصا أن إدارة الأموال من العملاء تتم أثناء التنقل وبواجهات تفاعلية سهلة وآمنة وبمعدلات استجابة أسرع من البنوك التقليدية، ولا سيما أن شركات التقنية المالية تدعي تجربة العميل ضمن نطاق الذكاء الاصطناعي وبطرق غير تقليدية.
التقنية المالية بطبيعتها الهيكلية تجذب استثمارات كبيرة تبحث عن أرباح مختلفة عن الاستثمارات التقليدية التي يتزاحم عليها الجميع كالعقارات والأسهم والأوراق المالية الأخرى، وهذا ما يجعلها تستمر في التوسع إلى أسواق جديدة وبمنتجات مبتكرة، وبشكل خاص أن التقنية المالية تمتاز بقدرتها على توفير خدمات مالية مبتكرة لشركات صغيرة ومتوسطة يصعب على البنوك التقليدية تقديمها، بمعنى آخر، التعزيز الشمولي المالي للأفراد في المناطق الفقيرة أو النائية على المستوى العالمي والكيانات الاقتصادية الصغيرة إضافة إلى تحقيق الأمان المالي في المناطق غير الآمنة بسبب الكوارث أو الحروب أو السرقات الانتهازية، كما في بعض الدول الفقيرة التي ينعدم فيها الآمن.
علاوة على ما سبق، التقنية المالية تخفض التكاليف على الجميع وتعمل بتكاليف أقل من البنوك لاعتمادها على مفاهيم التشغيل الرقمي المشترك دون فروع أو كوادر بشرية مرتبطة بالمكاتب مع تحسين الأمان الرقمي للشركات، والحد من الوصول غير المصرح به إلى بيانات الشركات التي تمثل أصول وممتلكات رقمية تؤثر في تنافسيتها إذا ما تم كشفها خارج القانون.
من المهددات التي تفرضها التقنية المالية على البنوك أنها تقدم خدمات بالجملة في الدفع والتحويل والتمويل والاستثمار والتأمين والتحليل المالي وإدارة الثروات والتداول والعملات الرقمية والإدارة المالية الشخصية، والتحوط من المخاطر والبنوك الرقمية وجميعها مهددات للبنوك التقليدية، لأنها تؤدي بها في نهاية المطاف إلى تراجع حقوق الملكية للمصرفيين وذهاب جزء من الأموال إلى ملاك جدد.
تؤدي التقنية المالية إلى زيادة المنافسة بين البنوك وشركات التقنية المالية، حيث يمكن للشركات في هذا المجال تقديم خدمات مالية أسرع وأرخص وأكثر فاعلية من البنوك التقليدية، لأن لديها لوائح أقل وهيكلا تنظيميا مرنا، وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى تقليل حصة البنوك في السوق. كما أن استخدام التقنية المالية قد يؤدي إلى زيادة مستوى المعرفة المالية لدى الأفراد والشركات، ما يمكن أن يؤدي إلى زيادة الطلب على المنتجات المالية والاستثمارات، وبالتالي تغيير الطريقة التي تعمل بها البنوك التقليدية.
من المتوقع أن تنمو سوق التقنية المالية العالمية بمعدل مركب سنوي 20 في المائة، والقيمة السوقية 305 مليارات دولار بحلول 2025، ولهذا يمكن القول إن التقنية المالية تمثل تحديا حقيقيا للبنوك التقليدية، لذا يجب على البنوك التقليدية مواكبة التطورات، وتحويل أنظمتها وخدماتها إلى الرقمية، والتركيز على تقديم خدمات مالية مبتكرة للحفاظ على مكانتها في السوق المالية.
من ناحية أخرى، قد تتسبب التقنية المالية في زيادة المخاطر المالية، حيث يمكن للمستخدمين الأقل خبرة الوقوع ضحية للعروض الاحتيالية والاستثمارات العشوائية، وقد يؤدي الخلل التقني أو الهجمات الإلكترونية إلى خسائر مالية كبيرة. كما أن التقنية المالية قد تتسبب في تقليل عدد فرص العمل في بعض القطاعات التقليدية، مثل البنوك وشركات التأمين، حيث يتم استبدال بعض الوظائف بالحلول التقنية. أما من الناحية الاقتصادية، فتؤدي إلى توفير مزيد من الفرص الاستثمارية وتحسن من توزيع الثروات في المجتمع بدلا من تكدسها في أرصدة كبار المصرفيين. بمعنى آخر، دفع كبار ملاك الفوائض المالية الذين لا يبذلون جهدا في الإنتاج إلى الاستثمار في تكنولوجيا المال من أجل البقاء في القطاع المالي المريح والمربح دائما. كما أن التقنية المالية تساعد على تحسن الشفافية في القطاع المالي وتوفر بيانات محدثة على الأسعار والمعاملات والمنتجات المالية، وتعد مفيدة لصناع السياسات النقدية في تحديد أسعار الفائدة عالميا بناء على الأسواق والتعاملات الفعلية، وهذا يتوافق مع إلغاء أسعار الفائدة في لندن "الليبور LIBOR" والقائم سابقا على التقديرات، ولمزيد من ذلك يمكن الرجوع إلى مقالة كتبتها بعنوان، "لماذا يبتعد العالم عن أسعار لندن؟"، في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2022.
أخيرا، يمكن القول إن التقنية المالية لها فوائدها ومخاطرها، وتعتمد فاعلية استخدامها على درجة الوعي والخبرة المالية للناس، وعلى قدرة الجهات المشرفة على تنظيم القطاع المالي وضمان سلامته وأمانه، ونحن بفضل الله في السعودية نجحنا في إدخال التقنية المالية إلى عمق النظام المالي عبر بيئة تنظيمية معزولة وآمنة Sandbox Regulatory. أما على مستوى ترقية وحوكمة القطاع المالي، فلا أستبعد أن تؤسس الجهات العليا مجلسا للاستقرار المالي مستقلا عن البنك المركزي ووزارة المالية، ويرتبط بمجلس الوزراء تنظيميا، لمراقبة مؤشرات الاستقرار وتحديد التهديدات في القطاع المالي، وتوجيه القروض "الائتمان" إلى القطاعات المنتجة وذات الأولوية.