المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

شيخوخة السكان القنبلة السكانية الحقيقية

📅 25-06-2023 05:13 ص | 👁️ المشاهدات: 476 | كتب: ديفيد بلوم / ليو زوكر (الاقتصادية)
شيخوخة السكان هي الاتجاه الديمغرافي العالمي الأهم، ويمكن للجائحة أن تعلمنا كيفية الاستعداد لها، فقد تجاوز مجموع سكان العالم حاجز ثمانية مليارات نسمة في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 2022. ولم تستغرق الزيادة من سبعة مليارات إلى ثمانية مليارات نسمة سوى 12 عاما، ما يثير مخاوف طويلة الأمد مصاحبة للنمو السكاني السريع، بما في ذلك نقص الغذاء، وانتشار البطالة، ونضوب الموارد الطبيعية، والتدهور البيئي غير المكبوح.

غير أن التحدي الديمغرافي الأكبر الذي يواجه العالم لم يعد النمو السكاني السريع، لكن شيخوخة السكان. ومن شأن الاستعداد المدروس ـ الذي يجمع بين التغيرات السلوكية، والاستثمار في رأس المال البشري والبنية التحتية، وإصلاح السياسات والمؤسسات، والابتكارات التكنولوجية ـ أن يساعد الدول على مواجهة التحدي والاستفادة من الفرص التي يتيحها التغير الديمغرافي.

لقد تم في الواقع التخلص من شبح قنبلة سكانية عالمية "أو بالأحرى تلاشى بشكل طبيعي". فقد تباطأ معدل نمو السكان في العالم بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة ومن المتوقع أن يواصل التباطؤ. وحتى مع تخطي الهند للصين لتصبح أكثر دول العالم اكتظاظا بالسكان، يتوقع أن يبلغ متوسط معدل نمو السكان سنويا 0,7 في المائة خلال الفترة 2020 ـ 2040، وهو أقل من المتوسط العالمي البالغ 0,8 في المائة ويعادل نصف مستواه فقط في الفترة 2000 ـ 2020. وتشير التوقعات الحالية الصادرة عن الأمم المتحدة أيضا إلى زيادة عدد الدول التي تشهد انخفاضا سنويا في عدد السكان، من 41 دولة في عام 2022 إلى 88 دولة في 2050 "مع إدراج الصين طوال الفترة".

وبشأن الاتجاه السائد عالميا لم تؤثر الجائحة في حجم سكان العالم ومعدل نموهم إلا بدرجة طفيفة، رغم أن التقديرات تشير إلى أن حالات الوفاة المرتبطة بكوفيد - 19 بشكل مباشر وغير مباشر بلغت 15 مليون حالة وأن متوسط العمر المتوقع انخفض بمقدار عامين تقريبا على مستوى العالم خلال أول عامين من الجائحة UNDESA 2022. ورغم أن الجائحة أدت إلى تفاقم عدم المساواة وربما إيجاد أعباء اقتصادية جديدة نتيجة لأعراض "كوفيد طويل الأمد"، يظل تأثيرها في الخصوبة محاطا بعدم اليقين.

وتتفاوت معدلات نمو السكان بشكل كبير عبر الدول، ومجموعات الدخل، والمناطق الجغرافية. فمعدل نمو السكان أعلى بين الدول منخفضة الدخل وفي إفريقيا، وأقل بين الدول متوسطة و"بصفة خاصة" مرتفعة الدخل وفي أوروبا. وسرعان ما أصبحت شيخوخة السكان الاتجاه الديمغرافي الأكثر انتشارا وهيمنة على مستوى العالم، بسبب انخفاض معدلات الخصوبة، وزيادة الأعمار، وانتقال مجموعات كبيرة إلى فئات عمرية أكبر.

وقد تغير هيكل أعمار السكان بشكل جذري على مر الأعوام. فقد ارتفع متوسط العمر المتوقع عالميا ارتفاعا حادا من 34 عاما في عام 1913 إلى 72 عاما في 2022، ومن المتوقع أن يستمر على ذلك المسار طويل الأجل. وفي الوقت نفسه، انخفضت معدلات الخصوبة في كل دولة في العالم بين عامي 1970 و2020 Bloom 2020. وعندما تم إنشاء الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، كان عدد الأطفال دون سن 15 عاما يزيد بمقدار سبعة أضعاف عن عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاما فأكثر، وبحلول عام 2050، سيكون لهذه الفئات الحجم نفسه تقريبا Ataguba, Bloom, and Scott 2021. وبين عامي 2000 و2050 فقط، من المتوقع أن ترتفع نسبة الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 عاما فأكثر بمقدار أربعة أضعاف لتصل إلى ما يقرب من 5 في المائة.

تنذر هذه التحولات السكانية بمجموعة هائلة من التحديات الصحية والاجتماعية والاقتصادية في العقود المقبلة. وتشير أيضا إلى الاحتمال المستبعد حتى الآن المتمثل في التراجع الحاد في أعداد السكان على نطاق واسع. وستتطلب معالجة كل هذه التحديات إجراء تغيرات كبيرة في السلوكيات ذات الصلة بأسلوب الحياة، والاستثمارات العامة والخاصة، وإصلاح المؤسسات والسياسات، وابتكار التكنولوجيات واعتمادها. وقد تترتب على الإحجام عن التحرك عواقب وخيمة تتمثل في تناقص القوى العاملة التي تجاهد لدعم الأعداد المتزايدة من المتقاعدين، وما يصاحب ذلك من زيادة حادة في معدلات الإصابة بالأمراض المتعلقة بتقدم العمر وتكاليف الرعاية الصحية المرتبطة بها، وتدهور جودة الحياة بين كبار السن بسبب الافتقار إلى الموارد البشرية والمالية والمؤسسية.

وحول التأهب للتغيرات الديموغرافية فعادة ما يكون التغير الديموغرافي تدريجيا أكثر منه جذريا، إذا ما قورن بالتأكيد بالمؤثرات الرئيسة الأخرى في الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية، مثل الجوائح والصراعات المدنية والدولية والتغير التكنولوجي. ونظرا لأن الاتجاهات الديموغرافية أكثر قابلية للتنبؤ بها أيضا، فإن الأطراف المعنية الأساسية لديها فرصة كبيرة إلى حد ما لإقرار السياسات وتشجيع السلوكيات التي تشكل الخصائص الديموغرافية في المستقبل، وتخفيف الآثار السلبية المحتملة للتغيرات الديموغرافية التي تحدث. ومن أهداف التأهب للتغيرات الديموغرافية التي يمكن تحقيقها تحسين الصحة الإنجابية، وتزويد الناس برأس المال البشري والمادي الذي يحتاجون إليه ليكونوا أعضاء منتجين في المجتمع، وضمان كفاءة عمل أسواق العمل ورأس المال التي تسمح للناس بتحقيق طاقتهم الإنتاجية الممكنة، وإنشاء المؤسسات ووضع السياسات التي تحد من الأعباء التي يضعها الناس على البيئة، ودعم الشيخوخة الصحية.

ويركز التغير السلوكي الضروري على زيادة النشاط البدني. فمنظمة الصحة العالمية تدعو البالغين الذين تراوح أعمارهم بين 18 و64 عاما، إلى ممارسة نشاط بدني معتدل في الهواء الطلق لمدة 150 - 300 دقيقة أسبوعيا، كما توصي البالغين الذين تبلغ أعمارهم 65 عاما فأكثر بزيادة النشاط البدني من خلال تمارين التوازن والقوة ثلاثة أيام في الأسبوع. ومع ذلك، يعجز واحد من كل أربعة بالغين على مستوى العالم عن استيفاء هذه المعايير WHO 2020. وفي الوقت نفسه، فإن توصية منظمة الصحة العالمية بشأن النشاط البدني للمراهقين، لمدة 60 دقيقة يوميا، لم ينفذها أكثر من 80 في المائة من السكان. وتشمل المبادرات المقترحة سياسات لدعم التنقل سيرا على الأقدام أو بالدراجة، إضافة إلى تحالف بين المدارس والمجتمعات وأماكن العمل والنظم الصحية والحكومات لتوفير الحوافز والأماكن الآمنة لممارسة نشاط بدني أكبر. ويمكن أن يؤدي تشجيع النظم الغذائية الصحية "منخفضة السكر والصوديوم والدهون المشبعة والسعرات الحرارية" والحد من استهلاك التبغ والاستهلاك غير الآمن للمشروبات الكحولية، إلى تحقيق عوائد كبيرة ودائمة من جهود الشيخوخة الصحية.

وتكون مؤشرات شيخوخة السكان منخفضة في البلدان ذات معدلات الخصوبة المرتفعة. ومع ذلك، فإن هذه البلدان لديها مهمة مزدوجة تتمثل في مواجهة معدلات الخصوبة المرتفعة وشيخوخة السكان. وتتضمن معالجة تحدي الخصوبة تغيرات سلوكية بناءة تساعد على تحسين الصحة الإنجابية لتخفيض الحاجة غير الملباة إلى تنظيم الأسرة، والحد من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية المرهقة أحيانا، التي تثقل كاهل المجتمعات ذات معدلات الخصوبة المرتفعة. كذلك فإن نسبة سكان الحضر في العالم -التي تضاعفت تقريبا من 30 في المائة عام 1950 إلى 57 في المائة اليوم- ستشهد أيضا نموا أبطأ نتيجة لتنظيم الأسرة، ما قد يخفف من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة به

وحول الحديث عن الاستثمار في الشيخوخة الصحية، فمن الطبيعي أن تركز الاستثمارات في البنية التحتية على إنشاء أماكن صحية مراعية للمسنين. ويمكن أن يركز البناء السكني والتجاري على المباني جيدة التهوية التي تعتمد على الوقود النظيف للتخفيف من الآثار الضارة لتلوث الهواء في الأماكن المغلقة في الصحة الجسدية والإدراكية. وهناك هدف ملائم وذو أولوية قصوى للتخطيط الحضري يتمثل في التنمية القائمة على نظم النقل الجماعي التي تعمل بالكهرباء وتيسير الوصول لكبار السن محدودي الحركة.

وينبغي أن تركز مبادرات الاستثمار في رأس المال البشري على الحفاظ على نصيب الفرد من النمو الاقتصادي رغم انخفاض نسبة السكان في سن العمل. وفي الوضع المثالي، لا يهدف تعزيز برامج التدريب والمهارات، إلى زيادة إنتاجية أولئك الموجودين بالفعل في القوى العاملة فحسب، بل أيضا إلى تشجيع مشاركة الفئات غير الممثلة بالقدر الكافي في القوى العاملة، مثل الأمهات وكبار السن. ومن المستحسن أيضا الاستثمار في التعليم الأساسي والثانوي الذي يدعم تدريس المهارات الأساسية، والتركيز، حيثما أمكن، على رعاية المبتكرين من شريحة عريضة من المجتمع.

ومن شأن إصلاح المؤسسات والسياسات أن يؤدي إلى زيادة إمكانية الحصول على إمدادات وخدمات تنظيم الأسرة عالية الجودة، وإتاحة مزيد من الخيارات المتعلقة بسن التقاعد، وتحفيز الادخار الفردي لوقت التقاعد، وتشجيع القطاعات الاقتصادية التي توفر فرصا للعاملين الأكبر سنا، وتطوير وتقوية نظم الرعاية طويلة الأجل، وتعزيز الوقاية من الأمراض والاكتشاف المبكر لها. وينبغي تخفيف القيود عن الهجرة حتى يتمكن الناس من الذهاب إلى البلدان التي تكون فيها الوظائف عملية للغاية، وتصحيح عدم التوافق بين الوظائف والسكان في سن العمل. وإفريقيا، على سبيل المثال، لديها فائض من الشباب الذين يبحثون عن وظائف، بينما أوروبا، ذات السكان الأكبر سنا، لديها عدد كبير من الوظائف التي تبحث عن عاملين.

وبقدر استمرار عيش أكثر من 96 في المائة من سكان العالم في البلدان التي ولدوا فيها، يبدو أن هناك مجالا كبيرا للهجرة الدولية للتخفيف من الضغوط الديموغرافية. ويمكن أن تؤدي زيادة الهجرة أيضا إلى زيادة تحويلات العمالة الوافدة لدعم التنمية الاقتصادية في بلدانهم الأصلية، ولا سيما إذا انخفضت تكلفة التحويلات الدولية. وتشير تقديرات تقرير صدر أخيرا عن البنك الدولي إلى أن خفض رسوم التحويلات بنسبة 2 في المائة سيؤدي إلى توفير 12 مليار دولار سنويا للمهاجرين من البلدان في الشريحة الدنيا من فئة الدخل المتوسط Ratha and others 2022. ومع ذلك، فإن تحرير سياسات الهجرة الدولية يمكن أن يؤدي إلى تضخيم أثر "هجرة العقول"، حيث تسعى العمالة الماهرة إلى الحصول على أجور أعلى في بلدان أخرى.

وتحمل الابتكارات التكنولوجية إمكانات مثيرة لمعالجة تحديات شيخوخة السكان. فالتقدم المحرز في مجالات التكنولوجيا الصحية "تطوير لقاحات آمنة وفعالة ومجسات المتابعة الصحية التي يمكن ارتداؤها"، والأجهزة المساعدة "الروبوتات"، وتكنولوجيا المعلومات "السجلات الطبية الإلكترونية القابلة للتشغيل البيني وزيادة وتحسين البيانات على مستوى السكان لفهم تجربة الشيخوخة ووضع السياسات اللازمة لتحسينها" قد بدأ بالفعل في المساهمة في جهود الشيخوخة الصحية. ويعد التحفيز على زيادة تطوير هذه المجالات والتوسع فيها مسارا واعدا لتحقيق المكاسب في المستقبل.

وعلى غرار الجائحة، تمثل شيخوخة السكان -إلى جانب تحدياتها- فرصا للمجتمعات لإعادة التوجيه والتنشيط. والدرس الأوضح هو الحاجة إلى تحسين الاستعداد. وتشمل الدروس الأخرى المستفادة بشق الأنفس من الجائحة: الحاجة إلى تحديد الفجوات في رعاية الفئات الأكثر ضعفا في المجتمعات، ودور التكنولوجيا في ربط من يلازمون منازلهم، وإعادة تقييم التوازن بين العمل والحياة المنزلية الذي قد يؤدي إلى تحقيق منافع صحية طويلة الأجل، وتجديد التركيز على أهمية الصحة النفسية. وبينما يتخلص العالم من قنبلة النمو السكاني ويسعى إلى تقوية نفسه ضد الزيادة الحادة في شيخوخة السكان، تشير هذه الدروس إلى مسار لإعادة تنشيط المنهج العالمي للشيخوخة الصحية.

© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)