المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني - صفحة الطباعة والحفظ
✕ إغلاق
المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني

هل نشهد تحولا دائما أم مؤقتا في البيئة النقدية؟

📅 08-07-2023 05:47 ص | 👁️ المشاهدات: 175 | كتب: مارتن وولف من لندن ( FINANCIAL TIMES)
في الدول ذات الدخل المرتفع، بلغ تضخم أسعار المستهلكين معدلات لم تشاهد منذ أربعة عقود. التضخم لم يعد منخفضا، لذلك لم تعد أيضا أسعار الفائدة منخفضة. لقد انتهى عصر "فائدة منخفضة لفترة طويلة"، على الأقل في الوقت الحالي. إذن، لماذا حدث ذلك؟ هل سيكون التغيير دائما؟ ماذا ينبغي أن يكون رد السياسة؟


على مدى العقدين الماضيين، قدم بنك التسويات الدولية منظورا مختلفا عن منظور معظم المنظمات الدولية الأخرى والبنوك المركزية الرائدة. خصوصا شدد على أخطار السياسة النقدية المتساهلة بإفراط، والديون المرتفعة، والهشاشة المالية. أتفق مع بعض أجزاء هذا التحليل لكن أختلف مع بعضها الآخر. لكن موقف البنك الشبيه بما تعرضت له "كاساندرا" (أي إن تحذيرات البنك يتم تجاهلها كشخصية كساندرا الأسطورية اليونانية، التي أصابتها لعنة عدم تصديق نبوءاتها) يستحق التفكير دائما. هذه المرة أيضا يقدم التقرير الاقتصادي السنوي للبنك تحليلا قيما لبيئة الاقتصاد الكلي.
يلخص التقرير التجربة الأخيرة على أنها "تضخم مرتفع، ومرونة مفاجئة في النشاط الاقتصادي، وأنها العلامات الأولى الدالة على ضغوط خطيرة في النظام المالي". كما يشير إلى الرأي السائد على نطاق واسع بأن التضخم سيتلاشى. في مقابل ذلك، يشير التقرير إلى أن نسبة الأصناف المدرجة في سلة الاستهلاك التي تبلغ زياداتها السنوية في الأسعار أكثر من 5 في المائة قد تجاوزت 60 في المائة في الدول ذات الدخل المرتفع. ويشير أيضا إلى أن الأجور الحقيقية قد انخفضت بشكل كبير في نوبة التضخم هذه. كما يؤكد التقرير أنه "سيكون من غير المعقول توقع ألا يحاول العاملون بأجر اللحاق بالركب، خاصة أن أسواق العمل لا تزال ضيقة للغاية". يمكن للعاملين تعويض بعض هذه الخسائر في الأجور، دون الحفاظ على ارتفاع التضخم، بشرط تقلص الأرباح. لكن في الاقتصادات المرنة اليوم، يبدو الصراع على التوزيع أكثر ترجيحا.
إن الهشاشة المالية تزيد صعوبة ضبط الاستجابات السياسية. وفقا لمعهد التمويل الدولي، كانت نسبة إجمالي الدين العالمي إلى الناتج المحلي الإجمالي أعلى 17 في المائة أوائل 2023 مما كانت عليه قبل انهيار بنك ليمان في 2008، رغم الانخفاضات التي أعقبت جائحة كوفيد بمساعدة التضخم. تسبب كل من ارتفاع أسعار الفائدة وسحب المودعين أموالهم من البنوك في حدوث اضطراب بالفعل. من المرجح وقوع مشكلات أكثر، مع تراكم الخسائر في المؤسسات الأكثر تعرضا لأخطار العقارات وأسعار الفائدة وآجال الاستحقاق. بمرور الوقت أيضا، من المرجح أن تعاني الأسر ارتفاع تكاليف الاقتراض. أما البنوك التي تقل أسعار أسهمها عن القيمة الدفترية، فستجد صعوبة في جمع أموال أكثر. كما أن حالة المؤسسات المالية غير المصرفية أقل شفافية ووضوحا.
هذا المزيج من الضغط التضخمي مع الهشاشة المالية لم يكن موجودا في السبعينيات. لهذا السبب جزئيا، قد يكون "الميل الأخير" من الرحلة الانكماشية هو الأصعب، كما يشير بنك التسويات الدولية. وهو ما يعد معقولا، ليس فقط لأسباب اقتصادية، بل أسباب سياسية أيضا. بطبيعة الحال، بنك التسويات الدولية لا يضيف الشعبوية إلى قائمة مخاوفه. لكن ينبغي أن تكون ضمنها.
إذن، كيف وصلنا إلى هذه الفوضى؟ جميعنا على علم بصدمات سلاسل الإمداد، التي أعقبت فيروس كوفيد والحرب في أوكرانيا. لكن، كما يشير بنك التسويات الدولية، "يبدو أن الحوافز النقدية والمالية الاستثنائية التي استخدمت أثناء الجائحة، رغم أنها كانت مبررة في ذلك الوقت بوصفها بوليصة تأمين، كبيرة جدا وواسعة للغاية وطويلة الأمد". وأنا أتفق مع ذلك. في الوقت نفسه، من الواضح أن الهشاشة المالية تراكمت على مدى فترة طويلة من انخفاض أسعار الفائدة. ما لا أتفق بشأنه مع بنك التسويات الدولية هو ما إذا كان يمكن تجنب "الفائدة المنخفضة لفترة طويلة"، حاول بنك اليابان فعل ذلك في أوائل التسعينيات والبنك المركزي الأوروبي في 2011، وفشلا في ذلك.
هل سيتبين أن ما نشهده الآن هو تحول دائم في البيئة النقدية أم أنه مجرد تحول مؤقت؟ لا نعلم، إذ إن ذلك يعتمد على مدى كون التضخم المرتفع مجرد نتاج صدمات سلاسل التوريد. ويعتمد أيضا على ما إذا كانت ستقرر المجتمعات، التي لم تعتد منذ فترة طويلة على التضخم أن إعادته إلى مستوى منخفض أمر مؤلم للغاية، كما حدث في دول كثيرة في السبعينيات. كما يعتمد أيضا على المدى الذي أدت من خلاله تجزئة الاقتصاد العالمي إلى خفض مرونة العرض دائما. ويعتمد خاصة على ما إذا كان عصر أسعار الفائدة الحقيقية شديدة الانخفاض قد انتهى أم لا. إذا لم يكن الأمر كذلك، فقد يكون هذا في الواقع تحولا عابرا. أما إذا كان كذلك، فإن ضغوطا كبيرة تنتظرنا، حيث يصعب ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية الحفاظ على المستويات الحالية من المديونية.
وأخيرا، ما العمل؟ يؤمن بنك التسويات الدولية بالمعتقد القديم. يجادل بأننا وثقنا كثيرا في السياسات المالية والنقدية وكانت ثقتنا ضعيفة في السياسات الهيكلية. نتيجة لذلك إلى حد ما، دفعنا اقتصاداتنا للخروج مما نسميه "منطقة الاستقرار"، حيث التوقعات -ولا سيما التضخم- مستقرة ذاتيا إلى حد كبير. إن تمييز البنك بين كيفية تصرف الناس في بيئات التضخم المنخفض والتضخم المرتفع له اعتباره. نحن الآن معرضون لخطر الانتقال بشكل دائم من بيئة إلى أخرى. ستكون التطورات على مدى الأعوام القليلة المقبلة حاسمة. لهذا السبب يتعين على البنوك المركزية أن تكون شجاعة إلى حد ما.
لكن ما زلت غير مقتنع بكل مبادئ هذا الإيمان. يجادل بنك التسويات الدولية، مثلا، بأنه كان ينبغي على صناع السياسات أن يكونوا أكثر هدوءا بشأن التضخم المنخفض باستمرار. لكن هذا كان سيزيد بشكل كبير فرص عجز السياسة النقدية في ظل ركود حاد. كما يجادل البنك بأن استقرار الاقتصاد الكلي ليس بهذه الأهمية. لكن فترات الركود المطولة والتضخم المرتفع لا يمكن تحملهما بالقدر نفسه على الأقل. وعلاوة على ذلك، بيئة الاقتصاد الكلي المستقرة مفيدة على الأقل في النمو، لأنها تجعل تخطيط الأنشطة التجارية أسهل بكثير.
الأهم من ذلك، ما زلت غير مقتنع بأن الهدف الأكبر للسياسة النقدية لا بد أن يكون الاستقرار المالي. كيف يمكن للمرء أن يجادل بأن الاقتصادات يجب أن تبقى ضعيفة دائما في سبيل منع القطاع المالي من التسبب في ضرر كبير فيها؟ إذا كان هذا هو الخطر، فلنستهدفه مباشرة إذن. يجب أن نبدأ بإلغاء الخصم الضريبي للفائدة، وزيادة العقوبات على الأشخاص، الذين يتسببون في فشل الأعمال المالية، وإنجاح الحلول للمؤسسات المالية الفاشلة.
مع ذلك، يثير بنك التسويات الدولية دائما قضايا كبيرة. وهو ما لا يقدر بثمن، حتى لو لم نتفق معه.

© 2026 جميع الحقوق محفوظة لـ المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني (ACCR)